واصل مهرجان الحنيذ الثاني ترسيخ حضوره كأحد الفعاليات الثقافية والسياحية البارزة في منطقة عسير، مسجّلًا نقلة نوعية لافتة في مسيرته، بعد أن انتقل من إطارالاحتفاء المحلي بالموروث الغذائي إلى فضاء أوسع يستهدف العالمية، مستندًا إلى تنظيم محكم، ومحتوى ثري، وشراكات داعمة عززت من أثره المجتمعي والسياحي.
وشهدت النسخة الثانية من المهرجان مشاركة طهاة عالميين قدّموا تجارب متنوعة في إعداد طبق الحنيذ، جمعت بين الأصالة المحلية وتقنيات الطهي الحديثة، ما أسهم في تقديم الحنيذ كمنتج ثقافي قابل للتسويق عالميًا، دون الإخلال بجذوره التراثية التي ارتبطت بذاكرة المكان والإنسان في المنطقة.
وأكدت هذه المشاركة الدولية توجه القائمين على المهرجان نحو تدويل التجربة، وتحويل الحنيذ من طبق شعبي إلى عنصر جذب سياحي وثقافي، يواكب الحراك الذي تشهده المملكة في قطاع المهرجانات والفعاليات النوعية.
وفي جانب التمكين الاقتصادي، شكّل المهرجان منصة فاعلة لدعم الأسر المنتجة، من خلال إتاحة الفرصة لها لعرض منتجاتها التقليدية والحرفية، وتسويقها مباشرة لزوارالمهرجان، في خطوة تعكس الاهتمام بتحويل هذه الفئة من النشاط الفردي إلى مشروعات اقتصادية مستدامة، تسهم في رفع دخل الأسرة وتعزيز حضورها في السوق المحلي.
كما أسهمت الجهات الداعمة في تعزيز هذا الدور، عبر التعريف ببرامج الدعم والتمويل، بما يخدم مستهدفات التنمية المحلية، وتمكين رواد الأعمال، خصوصًا في مجالات الصناعات الغذائية والحرف التراثية.
ولم يغفل المهرجان البعد الثقافي، إذ تنوعت الأنشطة المصاحبة بين أمسيات ثقافية وأدبية، وعروض تراثية، وورش عمل تعريفية تناولت تاريخ الحنيذ وأبعاده الاجتماعية، إلى جانب إبراز الفنون الشعبية التي تعكس هوية منطقة عسير وتفردها الثقافي، في مشهد يعزز الارتباط بين الأجيال، ويحافظ على الموروث غير المادي.
وعلى مستوى التنظيم، عكس المهرجان مستوى متقدمًا من التخطيط والتنفيذ، تمثل في تنوع الفعاليات، وحسن توزيع الأجنحة، وسهولة حركة الزوار، إضافة إلى التكامل الواضح بين الجهات الحكومية، والقطاع الخاص، والجهات الداعمة، ما أسهم في تقديم تجربة متكاملة للزائر.
ويرى مختصون أن نجاح النسخة الثانية من مهرجان الحنيذ يعود إلى وضوح الرؤية، وربط التراث بالتنمية، إلى جانب التركيز على جودة المحتوى، بدلاً من الاكتفاء بالجانب الاحتفالي، وهو ما انعكس إيجابًا على حجم الإقبال والتفاعل، أما على الصعيد السياحي، فقد أسهم المهرجان في تنشيط الحركة السياحية بمحافظة محايل عسير، وجذب الزوار من داخل المنطقة وخارجها، مؤكدًا قدرة المهرجانات التراثية على أن تكون رافدًا مهمًا للسياحة الثقافية، وعنصرًا داعمًا للاقتصاد المحلي.
ويختتم مهرجان الحنيذ الثاني رسالته بتأكيد أن الحفاظ على الهوية لا يتعارض مع الانفتاح على العالم، بل يمكن أن يكون نقطة الانطلاق نحو العالمية، حين يُقدَّم التراث برؤية عصرية، وتنظيم احترافي، وشراكة فاعلة بين المجتمع والجهات المعنية.