في تصعيد تجاري هو الأضخم منذ عقود، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية على واردات من 185 دولة، تشمل نسبًا مرتفعة على الصين والاتحاد الأوروبي، ما أثار عاصفة من الردود الدولية وأربك الأسواق العالمية.
التقرير التالي يرصد تفاصيل القرار، مواقف الدول المتأثرة، ردود الشركات الأمريكية، والانعكاسات المحتملة على الشرق الأوسط والأسواق العربية، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل التجارة العالمية ونهاية العولمة بصيغتها التقليدية.
القرار الذي وصفته الإدارة الأمريكية بـ"يوم التحرير التجاري"، وضع الاقتصاد العالمي على حافة توتر جديد يتجاوز بكثير ما شهدته حروب التعريفات السابقة.
القرار شمل فرض تعريفة أساسية بنسبة 10 % على جميع الواردات من معظم الدول، مع فرض نسب أعلى على دول بعينها : 54 % على الصين، 46 % على فيتنام، 25 % على السيارات الأجنبية، و20 % على الاتحاد الأوروبي.
ووفقًا لصحيفة Business Insider، فإن هذه التعريفات تمثل أكبر تحرك جمركي منفرد في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، متجاوزًا ما فُرض في عهد ترامب الأول.
الرئيس الأمريكي قال في خطابه المتلفز إن الولايات المتحدة "ظلت لعقود تدفع ثمن عدالة غير موجودة في التجارة"، وأضاف: "هذا ليس عقابًا للعالم، بل بداية مرحلة جديدة نستعيد فيها سيادتنا الاقتصادية".
ردود الفعل الدولية لم تتأخر. فقد وصف الاتحاد الأوروبي القرار بأنه "إعلان نزاع"، وأكدت المفوضية الأوروبية، أن أوروبا "لن تقف متفرجة على تضرر اقتصاداتها"، مشيرة إلى حزمة انتقامية قيد الإعداد، وذلك وفقًا لما نقلته رويترز.
من جهة أخرى، وصفت الحكومة الصينية القرار بأنه "ضربة مباشرة للاستقرار العالمي"، وأعلنت نيتها فرض تعريفات مماثلة على واردات أمريكية بقيمة 80 مليار دولار، بحسب ما أوردت The Sun البريطانية.
أما كندا، فأكد رئيس وزرائها أن بلاده "ستتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية الوظائف الكندية"، في حين عبّرت اليابان عن "أسفها العميق"، وأشارت إلى أنها ستسعى إلى استثناءات عبر القنوات الدبلوماسية.
الأسواق المالية تفاعلت سريعًا مع القرار، حيث تراجعت مؤشرات الأسهم الأمريكية بأكثر من 3 %، وسجّلت عوائد سندات الخزانة أدنى مستوياتها في 6 أشهر.
ووفقًا لتحليل نشرته Reuters Markets View، فإن رد الفعل الفوري يعكس قلق المستثمرين حيال تأثير القرار على سلاسل الإمداد، والتضخم، والنمو الاقتصادي العالمي، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والتصنيع.
من وجهة نظر البيت الأبيض، فإن هذه الخطوة تمثل "إعادة توازن" لا بد منها. ووفقًا لتقرير من وكالة Associated Press، قال أحد مستشاري ترامب الاقتصاديين : "نحن لا نبحث عن عزلة، بل عن شراكة بشروط عادلة... هذا الإجراء هو بداية مفاوضات جديدة مع العالم".
لم تكن دول الشرق الأوسط بمنأى عن هذه التعريفات. ووفقًا لموقع Arabian Gulf Business Insight (AGBI)، فإن هذه الخطوة قد تؤثر بشكل مباشر على صادرات المواد الأولية وغير النفطية، وعلى عقود التوريد التي تربط شركاء خليجيين وأمريكيين ما يستدعي مراجعة عاجلة لاستراتيجيات التجارة الثنائية.
وعلى الرغم من غياب ردود رسمية عربية واضحة حتى الآن، إلا أن التقديرات الأولية تشير إلى أن بعض الأسواق الخليجية والعربية ستتأثر بطبيعة التبادل التجاري مع الولايات المتحدة.
ووفقًا لما أوردته Bloomberg Middle East Brief، فإن شركات النقل البحري والمقاولات الكبرى في الخليج تتابع القرار عن كثب، تحسبًا لأي زيادات في التكلفة أو اضطرابات في الاستيراد خلال الربع الثاني من 2025.
شركة "RH" لتجارة الأثاث، المعروفة سابقًا بـ"Restoration Hardware"، شهدت تراجعًا في أسهمها بنسبة 26 % خلال ساعات من إعلان القرار. ووفقًا لتقرير MarketWatch، فإن الرئيس التنفيذي لها وصف القرار بأنه "صادم"، لكنه قال أيضًا إن "الإدارة تعرف ما تفعله على المدى الطويل".
من جهة أخرى، عبّرت جمعية المصنّعين الوطنية (NAM)، التي تمثل أكثر من 14,000 شركة، عن قلقها من زيادة التكاليف وتأثير ذلك على الوظائف والاستثمار وسلاسل الإمداد.
أما "تحالف التصنيع الأمريكي"، فقد أيد القرار، معتبرًا أنه "خطوة جريئة لحماية الصناعة الأمريكية وإعادة بناء القاعدة الصناعية في الداخل".
يرى الخبراء أن الخطوة التي اتخذها ترامب لا يمكن حصرها في بعدها التجاري فحسب، بل تُشير إلى تحوّل في موازين السياسة الاقتصادية العالمية. وأنها تمثل رسالة انتخابية واضحة، موجهة للداخل الأمريكي أولاً، لكنها تُصدر ذبذبات عالية للمعسكرات الاقتصادية الدولية. وبحسب تحليل لـFinancial Times، فإن هذه الخطوة قد تعيد تشكيل علاقات التجارة الثنائية في ظل ما وصفته بـ"عصر ما بعد العولمة". الدول التي تعتمد على الولايات المتحدة كسوق رئيسة لصادراتها، بدأت بمراجعة حساباتها. والمؤسسات متعددة الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية قد تجد نفسها أمام تحدٍ حقيقي لاستعادة دورها.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن : هل ما يجري هو مجرد تصعيد انتخابي… أم لحظة حقيقية يُعاد فيها تشكيل قواعد اللعبة التجارية؟