حرب السعودية والحوثيين.. تحرك تركيا يختبر علاقتها بإيران | الحرة
يضع الدعم العسكري التركي الأخير للسعودية في حربها ضد الحوثيين المدعومين من إيران، علاقات أنقرة وطهران أمام اختبار جديد، في وقت يحرص فيه البلدان على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بينهما، وتجنب الانزلاق إلى صدام مباشر.
ويقف البلدان بمعسكرين متضادين في اليمن، حيث تدعم إيران جماعة الحوثي، التي شنت هجمات شبه يومية على السعودية خلال الأيام الأخيرة، بينما يساهم الدعم العسكري التركي في تعزيز موقف الرياض بمواجهة الجماعة المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية.
والاثنين، أطلقت القوات الحكومية اليمنية، بدعم جوي سعودي، هجوما مضادا لاستعادة أراض استراتيجية قرب مضيق باب المندب، كان الحوثيون استولوا عليها في سبتمبر.
وأعلنت تركيا في بيان مشترك مع السعودية وباكستان، في اليوم ذاته، اتفاقها على التحرك الفوري من أجل تنفيذ التزاماتها الدفاعية الجماعية وضمان “النشر السريع” للقوات والقدرات العسكرية في السعودية.
وكانت الدول الثلاث وقعت اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك في أغسطس والتي تعد أي هجوم مسلح على أي من البلدان الثلاثة هجوما عليها جميعا. وتعقد الدول الثلاث اجتماعات سياسية وعسكرية متكررة للرد على هجمات الحوثيين.
وكشفت مصادر مقربة من السلطات التركية لـ”الحرة” تفاصيل مساعدات عسكرية تركية للسعودية، تضمنت أنواعا مختلفة من الأسلحة.
وقالت المصادر التي ضمت باحثين عسكريين وناشطين سياسيين إن الأسلحة شملت طائرات مسيرة من نوع “بيرقدار آقنجي”، التي تمتاز بدقة إصاباتها، وذخائر ذكية، وأنظمة حرب إلكترونية خاصة بالكشف عن المسيرات والتشويش عليها.
كما شمل الدعم التركي، وفق نفس المصادر، منظومات دفاع جوي تركية من نوع +HISAR-O تتمركز قرب مواقع سعودية استراتيجية، مع وجود خبراء عسكريين أتراك متخصصين بإدارة المسيرات والمنظومات، فضلا عن تقديم دعم استخباراتي للقوات الحكومية اليمنية خلال تقدمها على الأرض.
ولم يتسن لـ”الحرة” التأكد من تفاصيل تلك المساعدات من مصادر مستقلة، لكن “رويترز” نقلت، الأربعاء، عن مسؤول تركي، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الدعم التركي للسعودية يقتصر على معدات عسكرية وتبادل معلومات استخباراتية وأنظمة تسليح.
والخميس أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى أن المساهمات التركية تتركز غالبا على مجال الدفاعات الجوية.
كما أكد أن أنقرة لن ترسل قوات عسكرية لضرب الحوثيين في اليمن، مشيرا إلى أن اتفاقية الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان “دفاعية”.
ويشير الصحفي والباحث التركي في مجال الشرق الأوسط، إسماعيل جوكتان في تصريحات لـ”الحرة” إلى أن اتفاق “مكة” لا يشترط مشاركة تركية مباشرة في اليمن، وأن أنقرة تحركت عبر إرسال مستلزمات حربية، ودعم الرياض استخباريا.
لكن اختبار اليمن لا ينفصل عن شبكة المصالح والخلافات التي حكمت العلاقات التركية الإيرانية خلال السنوات الماضية.
فقد شهدت تلك العلاقات تقاربا في بعض الملفات خلال العقدين الأخيرين، إلا أنها مرت أيضا بفترات جمود، خاصة مع ثورات الربيع العربي، ودعم أنقرة للقوى السورية المعارضة للرئيس بشار الأسد.
ثم تعرضت لاختبار صعب، حين نجحت المعارضة السورية في إسقاط الأسد أواخر عام 2024، لكنها لم تبلغ درجة القطيعة، وحافظ البلدان على سياسة إدارة الخلاف بينهما.
ويقول الخبير التركي في سياسات الشرق الأوسط بكير أتاجان لـ”الحرة” إن إيران تواجه احتمال فقدان إحدى أهم أدواتها للضغط على حركة الملاحة وأسعار الطاقة، في حال نجحت القوات اليمنية المدعومة سعوديا في استعادة باب المندب.
ويفرض هذا على طهران مواجهة تحد جديد، إذ لن تبقى تحركاتها عبر وكلائها بالمنطقة رهنا فقط بالتوازنات الثنائية مع واشنطن، وإنما بتوازنات إقليمية جديدة تقودها قوى المنطقة نفسها.
وفي المقابل تواجه تركيا اختبارا حقيقيا، إذ يتعين عليها التوفيق بين الالتزام بأمن السعودية بمقتضى اتفاقية مكة، وتجنب التورط في حرب موسعة باليمن، مع الحفاظ على قنواتها مفتوحة مع طهران.
ويتفق ذلك مع تصريحات أخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمجلة “ نيوزويك ” قال فيها إنه لا ينبغي تقييم اتفاقية مكة للدفاع المشترك على أنها حلف أُنشئ ضد إيران أو إسرائيل، أو أي دولة ثالثة.
ورغم ذلك بدأ الإعلام الإيراني الرسمي، لاسيما التابع للحرس الثوري المدرج على قوائم الإرهاب الأميركية، في الهجوم على تركيا على خلفية دعمها العسكري للسعودية.
وفي مقال بعنوان “تحذير لتركيا: ما تزرعه ستحصده”، ألمحت الصحفية الإيرانية، فتانة غلامي، بوكالة أنباء فارس، إلى أن تدخل تركيا في اليمن قد يعود عليها بأزمات أمنية وتحديات معقدة، مثلما حدث لها سابقا جراء انخراطها في الملف السوري.
لكن الباحث في الشأن السياسي، جعفر زيارة ، يشير في تصريحات لـ”الحرة” إلى أن أنقرة تجمعها ملفات ومصالح أمنية مشتركة مع إيران في سوريا والعراق، إلى جانب القضية الكردية، ما يجعلها أكثر ميلاً إلى إدارة الخلاف وتجنب التصعيد المباشر.
بينما يرى مدير المركز الأحوازي للدراسات الاستراتيجية حسن راضي أن احتمال تأزم العلاقة بين انقرة وطهران وارد في ظل التطورات الأخيرة، لافتا إلى أن طهران لم تنظر قط إلى أنقرة كصديق، بل كمنافس تاريخي على النفوذ.
ويعكس اختلاف التقديرات طبيعة العلاقة التركية الإيرانية، التي تجمع بين التنافس على النفوذ الإقليمي والتنسيق في ملفات أمنية مشتركة، ما يجعل تصعيد الخلاف حول اليمن مرتبطاً بقدرة أنقرة وطهران على الفصل بين ساحات التنافس والمصالح المشتركة التي تجمعهما.