أعادت جريمة قتل امرأة يابانية في جزيرة أوكيناوا باليابان -يشتبه في تورط جندي أمريكي فيها- التوترات المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة إلى الواجهة، واضعة حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي أمام اختبار حساس في علاقتها بواشنطن.

وتأتي القضية في وقت تسعى فيه اليابان والولايات المتحدة إلى تعزيز تعاونهما العسكري لمواجهة التحديات الأمنية في شرق آسيا، بينما تتصاعد المطالب المحلية بمراجعة الأعباء المترتبة على هذا الوجود العسكري.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 من ينازع ترمب على نوبل للسلام؟
* list 2 of 2 كاتس والضفة.. ردع أم خطة إنهاء؟ end of list

وتكشف تقارير صحفية أمريكية أن تداعيات الجريمة تتجاوز مسألة محاسبة المشتبه فيه، لتطرح تساؤلات بشأن قدرة السلطات اليابانية على الاستجابة لغضب السكان، ومدى تأثير هذه الأزمة في خطط التحالف الدفاعية ومستقبل القواعد الأمريكية في أوكيناوا.

مصدر الصورة أثار مقتل آنا ياغي الذي يُشتبه في تورط جندي أمريكي فيه، احتجاجات امتدت من أوكيناوا إلى طوكيو (الأوروبية)

غضب وإجراءات

اعتقلت الشرطة اليابانية العريف في مشاة البحرية الأمريكية ديفين جاكوب بالارد (20 عاما)، للاشتباه في قتله آنا ياغي (39 عاما) -التي قُتلت خنقا داخل فندق في أوكيناوا السبت الماضي- وسرقة محفظتها وممتلكات أخرى، في حين نفى الجندي الاتهامات الموجهة إليه.

وتخضع القضية لاختصاص القضاء الياباني، بموجب اتفاق طويل الأمد ينظم وجود القوات الأمريكية في البلاد، نظرا إلى وقوع الجريمة خارج أوقات الخدمة، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت السلطات ستوجه اتهامات رسمية إلى الجندي، حسبما أوردت صحيفة واشنطن بوست.

وأفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن سكان أوكيناوا خرجوا إلى الشوارع خلال الأيام الماضية احتجاجا على الجريمة، مرددين شعارات من بينها "لن نتسامح مع العنف" و"القواعد الأمريكية قضية حقوق إنسان"، كما شهدت العاصمة طوكيو مظاهرات متفرقة.

وامتدت تداعيات القضية إلى المستوى السياسي، إذ توجه حاكم أوكيناوا جنتا كوجا إلى طوكيو للقاء رئيسة الوزراء، مؤكدا أن مقتل ياغي "أثار قلقا شديدا بين سكان المحافظة"، كما أعرب كوجا عن قلقه من سلوك القوات الأمريكية، معتبرا أن الجهود التي تبذلها واشنطن لتعزيز الانضباط بين أفرادها في أوكيناوا "لا تؤتي ثمارها".

إعلان

ووفق صحيفة وول ستريت جورنال، أصدر قائد قوة مشاة البحرية الاستطلاعية الثالثة في أوكيناوا، الفريق بنجامين واتسون، تعليمات بتعليق جميع الأنشطة العسكرية الأمريكية مدة يومين، لتخصيص هذين اليومين لتدريب الأفراد على معايير السلوك والانضباط.

كما شملت الإجراءات حظر تناول المشروبات الكحولية داخل القواعد العسكرية وخارجها مدة يومين، وفرض حظر تجول ليلي مدة شهر.

مصدر الصورة أوكيناوا تضم نحو 70% من المنشآت العسكرية الأمريكية في اليابان (أسوشيتد برس)

عبء القواعد

وتعود جذور التوتر بشأن الوجود العسكري الأمريكي في أوكيناوا إلى عقود مضت، إذ شكلت الجرائم التي ارتكبها عسكريون أمريكيون في الجزيرة مصدر خلاف متكرر بين واشنطن وطوكيو، وفق "نيويورك تايمز".

وتتحمل أوكيناوا النصيب الأكبر من أعباء الوجود العسكري الأمريكي في اليابان، إذ تضم نحو 70% من المنشآت العسكرية الأمريكية في البلاد، رغم أن مساحتها لا تتجاوز 1% من مساحة اليابان.

وأثار هذا الوجود على مدى سنوات استياء السكان المحليين، بسبب الجرائم والتلوث البيئي والازدحام المرتبط بالقواعد العسكرية، ودفعت جرائم ارتكبها عسكريون أمريكيون سابقا وزارة الحرب الأمريكية ( البنتاغون) إلى تقديم تنازلات للسلطات المحلية في الجزيرة، بحسب واشنطن بوست.

ورغم استمرار هذه التوترات، أشارت وول ستريت جورنال إلى تحول في التوجه الانتخابي بأوكيناوا، تمثل في فوز كوجا بمنصب حاكم الجزيرة الشهر الماضي، متغلبا على منافسه المنتمي إلى الحركة المناهضة للحرب والمعارضة للوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة.

ويشير هذا الفوز -وفق رؤية الصحيفة- إلى احتمال تراجع المعارضة الشعبية للوجود الأمريكي في الجزيرة، مع تحول اهتمام الناخبين نحو القضايا المعيشية، في وقت تواجه فيه اليابان تحديات أمنية جديدة من الصين وروسيا.

مصدر الصورة الحادثة الأخيرة تضع تاكايتشي أمام اختبار سياسي، بعدما كانت تعول على فوز كوجا لتسهيل خطط طوكيو الدفاعية (الفرنسية)

اختبار التحالف

وتحتل أوكيناوا موقعا محوريا في إستراتيجية "التحول نحو الجنوب الغربي" التي تتبناها رئيسة الوزراء تاكايتشي لتعزيز الوجود العسكري الياباني في المنطقة، باعتبارها المحافظة الأقرب إلى تايوان.

وكانت تاكايتشي، المعروفة بموقفها المتشدد تجاه الصين، قد ألمحت العام الماضي إلى إمكانية مشاركة بلادها في الدفاع عن تايوان التي تعتبرها الصين جزءا من أراضيها، إذا تعرضت تايبيه لغزو صيني، في خروج عن سياسة اتبعتها طوكيو لعقود.

لكن الحادثة الأخيرة -كما توضح نيويورك تايمز- تضع تاكايتشي أمام اختبار سياسي، إذ كانت تحتفي قبل أسابيع قليلة بفوز كوجا الذي رأى أنصاره في انتخابه فرصة لتسهيل تنفيذ خطط طوكيو لتعميق التعاون العسكري مع واشنطن ونشر مزيد من القوات اليابانية والصواريخ وأبراج الرادار في أوكيناوا.

وفي ظل هذا التناقض بين الخطط الدفاعية ومطالب السكان، تنقل واشنطن بوست عن أستاذ السياسة الدولية بجامعة أوكيناوا الدولية فومياكي نوزويه قوله إن كوجا يواجه الآن سؤالا بالغ الأهمية وهو "عندما تتعارض سياسة الأمن القومي اليابانية مع حياة سكان أوكيناوا وسبل عيشهم، إلى أي جانب سينحاز؟".

إعلان

أما الأستاذ الفخري بجامعة أوكيناوا الدولية مانابو ساتو، فيرى أن تاكايتشي تدرك أهمية احتواء الغضب الشعبي، لكنه يعتبر أن ردود كبار المسؤولين لا تتجاوز حدود "الاستعراض"، إذ "يبدون غضبهم ويطرحون مطالب حازمة، لكنهم لا يتخذون إجراءات جوهرية".