السؤال ليس جديداً، لكن توقيته أكثر حساسية. فقد أعلنت بكين أن الرئيس الصيني شي جين بينغ سيزور الولايات المتحدة بين 23 و25 سبتمبر/أيلول، على أن يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن في الرابع والعشرين من الشهر نفسه.
وتأتي القمة بعد أشهر من زيارة ترامب إلى بكين في مايو/أيار الماضي، التي ساهمت في تهدئة بعض جوانب الخلاف لكنها لم تنه المواجهة بين أكبر اقتصادين في العالم.
بالنسبة للشركات الصينية العاملة في أوروبا، لا يبدو الوضع مريحاً. ويقول رجل أعمال صيني شارك في لقاء دوسلدورف وطلب عدم الكشف عن اسمه إن ضعف الاقتصاد الصيني يدفع الشركات إلى البحث بشكل أكثر إلحاحاً عن أسواق خارجية. وكان الرجل قد أدار لعقود الفرع الأوروبي لإحدى الشركات الحكومية الصينية في دوسلدورف.
ويرى أن القيود المفروضة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أصبحت أكثر تشدداً، وأن الخلافات السياسية تلعب دوراً متزايداً في القرارات الاقتصادية.
ومن وجهة نظره، ما دامت المواجهة بين واشنطن وبكين مستمرة، فلن يكون من السهل على الاتحاد الأوروبي توسيع تعاونه مع الصين ، حتى عندما تكون له مصالح اقتصادية في ذلك.
وتظهر هذه المعضلة بوضوح في قطاع السيارات الكهربائية . فالاتحاد الأوروبي يريد تسريع التحول نحو التنقل الكهربائي وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكنه في الوقت نفسه فرض رسوماً إضافية على السيارات الكهربائية الصينية، بعد تحقيق خلص إلى أن الشركات الصينية تستفيد من دعم حكومي يمنحها أفضلية تنافسية غير عادلة.
الموقف الأمريكي أكثر تشدداً تجاه السيارات والتكنولوجيا الصينية. ويستخدم ترامب الرسوم الجمركية باعتبارها أداة مركزية في سياسته التجارية، في وقت تفرض فيه واشنطن قيوداً واسعة على تصدير تقنيات متطورة إلى الصين، ولا سيما الرقائق عالية الأداء المستخدمة في الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، تملك بكين ورقة ضغط شديدة الأهمية تتمثل في المعادن الأرضية النادرة، التي تدخل في صناعات تبدأ بالهواتف والبطاريات ولا تنتهي بالأسلحة والتقنيات المتطورة.
وهكذا تجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة. فهي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في المجال الأمني داخل حلف شمال الأطلسي، لكنها تعتمد اقتصادياً وصناعياً أيضاً على الصين في أسواق ومواد خام وسلاسل توريد يصعب استبدالها سريعاً.
في خطابها عن حالة الاتحاد في 16 سبتمبر/ أيلول، استخدمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورزولا فون دير لاين لهجة واضحة بشأن الصين. وقالت إن ما وصفته بـ"صدمة الصين الثانية" لم تعد خطراً مستقبلياً وإنما أصبحت واقعاً في أوروبا.
أما "صدمة الصين الأولى" فتعود إلى مرحلة انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية قبل نحو ربع قرن، عندما اجتاحت السلع الصينية منخفضة التكلفة العديد من الأسواق العالمية.
لكن الصدمة الثانية، وفق الرؤية الأوروبية، مختلفة. فالصين لم تعد مجرد مصنع للسلع الرخيصة، بل أصبحت منافساً تكنولوجياً وصناعياً متقدماً في قطاعات مثل البطاريات والسيارات الكهربائية والاتصالات والطاقة النظيفة.
وقالت فون دير لاين إن آثار ذلك تظهر في المصانع والمناطق الصناعية الأوروبية، محذرة من تراجع التصنيع في بعض المراكز الصناعية.
وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن العجز التجاري للاتحاد مع الصين وصل إلى نحو مليار يورو يومياً. كما لا يزال الاتحاد يعتمد على الصين بأكثر من 80 في المئة في عدد من المواد الخام الحيوية، وتصل النسبة في بعض العناصر الأرضية النادرة إلى نحو 90 في المئة.
وتريد بروكسل خفض هذا الاعتماد وإعادة التوازن إلى التجارة مع بكين. واختصرت فون دير لاين موقفها بقولها إن "الكلمات جيدة، لكن الأفعال أفضل".
في واشنطن وبكين يدرك الطرفان أن فك الارتباط الكامل بين اقتصاديهما سيكون بالغ الصعوبة. ومع ذلك، تستمر المنافسة على مستويات متعددة. فالولايات المتحدة تحد من وصول الصين إلى بعض أشباه الموصلات المتقدمة، فيما تستخدم بكين موقعها القوي في سوق المعادن النادرة كأداة تفاوضية. وتتنافس الدولتان كذلك على الريادة في الذكاء الاصطناعي والفضاء وغيرها من تقنيات المستقبل.
ومع ذلك لا يعتقد جميع الخبراء أن المواجهة الأمريكية الصينية يجب أن تنتهي بصدام. ويرى ميكو هووتاري، مدير معهد مركاتور للدراسات الصينية "ميركس" في برلين، أن واشنطن وبكين تتجهان إلى مرحلة طويلة من التنافس الاستراتيجي، من دون مؤشرات على قدرة أي من الطرفين على تحقيق تفوق حاسم في المدى المنظور.
وقال في حوار مع DW إن (الرئيس الصيني) شي لا يحتاج بالضرورة إلى تحقيق اختراق كبير في واشنطن، بل يحتاج إلى الوقت. والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة. ويصف هووتاري الوضع بأنه "مأزق استراتيجي".
قال ترامب إنه سيتحدث مع شي "في كل شيء". وتشير الاستعدادات الأمريكية إلى أن التجارة والمواد الأرضية النادرة والذكاء الاصطناعي ستكون بين الملفات الرئيسية على الطاولة. كما تأتي القمة قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني، وهو ما يضيف إليها بعداً داخلياً بالنسبة لترامب.
ومن الملفات المطروحة منذ أشهر إمكانية إبرام صفقات تجارية كبيرة، من بينها قيام شركات طيران صينية بشراء طائرات بوينغ أمريكية.
وسط هذا الاستقطاب، تحاول دول أخرى العثور على مساحة أوسع للمناورة. وأصبحت كندا واحدة من أبرز الأمثلة. ففي يناير/كانون الثاني، قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس إن النظام العالمي القديم انتهى، داعياً القوى المتوسطة إلى تعزيز تعاونها حتى لا تتحول إلى مجرد أدوات في صراعات القوى الكبرى.
وقد طرحت فون دير لاين مؤخراً فكرة إنشاء صفة "عضو منتسب" لكندا في الاتحاد الأوروبي. ولا توجد مثل هذه العضوية قانونياً في الوقت الراهن، إلا أن الفكرة تعكس الرغبة في بناء علاقة أعمق بين الطرفين.
وأبدى كارني اهتماماً بتوسيع الشراكة مع أوروبا من دون السعي إلى العضوية الكاملة في الاتحاد.
أما ترامب فانتقد الفكرة وهدد باتخاذ إجراءات تجارية إذا اعتبر التقارب الكندي الأوروبي موجهاً ضد الولايات المتحدة.
ويرى هووتاري أن بكين بدورها تكثف محاولاتها لتحسين علاقاتها مع الدول المتحالفة تقليدياً مع الولايات المتحدة، خصوصاً تلك التي تبحث عن هامش أكبر من الاستقلال.
ومع وصول شي جين بينغ إلى واشنطن منتصف هذا الأسبوع، ستكون الأنظار مركزة على ما يمكن أن يتفق عليه الرئيسان. لكن بالنسبة لأوروبا، ربما يكون السؤال الأهم مختلفاً: هل تستطيع الحفاظ على مقعدها الخاص على الطاولة، أم ستجد نفسها مضطرة في النهاية إلى الاختيار بين واشنطن وبكين؟
اعده للعربية: علاء جمعة/ مراجعة: صلاح شرارة
المصدر:
DW