آخر الأخبار

الثروة المتوضئة.. لماذا تفوق المسلمون على أوروبا في التجارة العالمية؟

شارك

من يسيطر على طرق التجارة الدولية في عصرنا تكون الثروة في يده؛ هذا ما يلخص الصراع على طرق التجارة الدولية، لكن هنا نستحضر مشهدا رواه لنا الرحالة ابن جبير عن مدينة قوص على نهر النيل في مصر.

فقد كانت مزدحمة بالتجار اليمنيين والهنود والأفارقة، إذ منها ينتقلون إلى ميناء عيذاب على البحر الأحمر.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 كيف هزمت بيوتنا القديمة الحر؟
* list 2 of 2 سلطة المجتمع ورعاية كبار السن في المجتمعات الإسلامية end of list

يقول: "ورمنا في هذه الطريق إحصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا، ولا سيما القوافل العيذابية المحملة بسلع الهند، الواصلة إلى اليمن ثم من اليمن إلى عيذاب، وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، فلقد خيل إلينا لكثرته أنه يوازي التراب قيمة، ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك تلتقي بقارعة الطريق أحمال الفلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها، تترك بهذا السبيل إما لإعياء الإبل الحاملة لها، أو غير ذلك من الأعذار، وتبقى بموضعها إلى أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المارة عليها من أطوار الناس".

أوروبا عرفت بغداد كبورصة كبرى للسلع، ولما دمر المغول بغداد انتقلت هذه البورصة إلى القاهرة على يد التجار البغداديين، فصارت مركزا لهذه السلع حتى سميت الخانات بها "وكالة" لأن وكيل التاجر الهندي والصيني يلتقي بوكيل التاجر الأوروبي، وصارت كل وكالة متخصصة في سلعة بعينها

هذه العبارة تلخص أهم قيم التجارة في الحضارة الإسلامية، وهي الأمانة رأسمال التجار المسلمين التي جعلتهم يسيطرون على التجارة من الصين فإندونيسيا فالهند إلى مصر.

لم تكن الأمانة وحدها بل كانت القدرة على الابتكار، فقد قدم الفقهاء أنواعا متعددة من العقود لتمويل حركة التجارة، حتى صارت بغداد بورصة التجارة الدولية في العصر العباسي، فالتقت بها تجارة البر والبحر.

فأوروبا عرفت بغداد كبورصة كبرى للسلع، ولما دمر المغول بغداد انتقلت هذه البورصة إلى القاهرة على يد التجار البغداديين، فصارت مركزا لهذه السلع حتى سميت الخانات بها "وكالة" لأن وكيل التاجر الهندي والصيني يلتقي بوكيل التاجر الأوروبي، وصارت كل وكالة متخصصة في سلعة بعينها، فالسكرية تخصصت في السكر وأخرى في الزيت وثالثة في السجاد ورابعة في الصابون.

إعلان

المهد الحقيقي للشركات عابرة الحدود كان القاهرة ومنها: "الشركات متعددة الجنسيات" و"الشركات العملاقة‎"، عبر تكوين مجموعة من الشركات تتاجر في نوع واحد من السلع تفاديا للمضاربات الضارة بين التجار في العصور الوسطى.

كانت لدى هذه الشركات أساطيل تجارية تبحر في حراسة مشددة، وهم يتفقون على القواعد وطرق تقاسم الأرباح والخسائر في عقود ولهم وكلاء في القاهرة وعدة مدن، ووصل الأمر إلى أن شركاتهم كانت من المصداقية بحيث يمكن أن يضحوا من أجل المصلحة العامة للشركات كافة، وهذه الشركات كان لها دور في تطوير النظام المصرفي العالمي، وللأسف هذا النوع من الشركات لم يدرس جيدا إلى الآن في أدبيات الاقتصاد الدولي.

لقد تطور بنك سان جورج في جنوة وفروعه في آسيا الصغرى وبلاد الشام والقسطنطينية ومختلف مراكز التجارة في شرق وشمال البحر المتوسط نتيجة لهذا النوع من الاتحادات أو الشركات.

كانت الثروات لدى التجار المسلمين ضخمة حتى لفتت انتباه الأوروبيين، فقاموا بالجهود المضنية للسيطرة على التجارة من الهند إلى أوروبا، وكان أكبر خطأ للعرب ترك نقل التجارة والسيطرة عليها من موانئ جنوب المتوسط إلى موانئ شمال المتوسط في يد المدن الإيطالية بصورة أساسية ثم في يد الفرنسيين

كانت الإسكندرية في العصور الوسطى خاصة في العصر المملوكي هي مقر التجار الأوروبيين للحصول على البهارات (التوابل) حتى إن السلطات خصصت بابا في منطقة الجمرك عرف باسم باب البهار وشارعا له نفس الاسم، وأقام في الإسكندرية ممثلون للتجار الأوروبيين والبيوتات التجارية الأوروبية، يتولون التسويق والشحن وحسابات الجمارك وأحيانا هم الممثلون السياسيون لبلادهم لدى الدولة المملوكية، وكان من صميم أعمالهم فرز التوابل لإبعاد التالف.

تأصلت العائلات التي تتاجر في التوابل وتجذرت، فالأبناء كانوا يتعلمون أصل مهنتهم في سن مبكرة، ويبدؤون في إدارة أعمالهم، والقيام برحلات تجارية بعيدة، حصل تجار الكارم على ألقاب عديدة منها: ملك التجار، كبير التجار، شاهبندر التجار، وقد اتخذ تجار الكارم العراقيون في مصر منصب الوكيل لتنظيم العلاقات التجارية فيما بينهم.

ففي كثير من الأحيان كان رؤساء التجار يعتمدون على عدد من المستخدمين لمباشرة شؤون تجارتهم سموا بالوكلاء، والوكيل نائب التاجر، وعمله يتمحور في جلب متاجر البلاد التي يفدون عليها، أو يستقرون بها، ويروجون فيها للمواد التي يحملونها إليهم، وكذلك استيفاء ديون مرؤوسيهم.

ومن الوكلاء من يعمل لأكثر من تاجر، والتعامل بين التاجر والوكيل قائم على أساس الثقة، فكان التجار العراقيون يطلقون يد الوكيل في البيع واستيفاء الأموال، ومن مهام الوكيل أيضا متابعة أعمال رؤسائهم في الموانئ، والمدن المتعامل معها، ويشرف على تسويق بضائعه، ويشتري له السلع التي يحتاجها.

ووكيل التاجر الناجح هو الذي يستطيع الحصول على توكيلات متعددة من التجار لمباشرة أعمالهم، وللقيام على شؤونهم في غيابهم، وقد تمتع هؤلاء الوكلاء المقيمون بالموانئ بامتيازات.

كانت الثروات لدى التجار المسلمين ضخمة حتى لفتت انتباه الأوروبيين، فقاموا بالجهود المضنية للسيطرة على التجارة من الهند إلى أوروبا، وكان أكبر خطأ للعرب ترك نقل التجارة والسيطرة عليها من موانئ جنوب المتوسط إلى موانئ شمال المتوسط في يد المدن الإيطالية بصورة أساسية ثم في يد الفرنسيين.

إعلان

فكونت المدن الإيطالية ثروات هائلة قادت البرتغاليين والإسبان للسعي للسيطرة على التجارة من المحيط الهندي إلى أوروبا، وهذا ما أدى في النهاية إلى نجاحهم، وهذا ما أغرى فرنسا وبريطانيا بالسيطرة على طرق التجارة فقامت حركة الاستعمار فكأن السيطرة على طرق التجارة هي الطريق للسيطرة على الثروة في العالم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا