آخر الأخبار

لماذا يتصاعد القلق الإسرائيلي من تركيا؟

شارك

يرى تقدير موقف لمركز الجزيرة للدراسات، بعنوان «قصف عبثي لقاعدة سورية يؤشر إلى تأزم إسرائيلي إستراتيجي وشيك»، أن الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري السوري، في 18 أغسطس/آب، لم تكن عملية عسكرية فرضتها أهمية الهدف أو خطورته المباشرة، بقدر ما كانت رسالة سياسية تكشف عن قلق إسرائيلي متصاعد من التحولات الجارية في موازين القوى في المشرق، وفي مقدمتها تنامي الدور التركي في سوريا واتساع شبكة علاقات أنقرة الإقليمية. وينطلق التقدير من الغارة ليتتبع جذور التصور الإسرائيلي لتركيا بوصفها تهديدًا إستراتيجيًا صاعدًا، وصولًا إلى السؤال الأوسع المتعلق بقدرة إسرائيل على الحفاظ على موقعها وتفوقها في نظام إقليمي تتغير ملامحه بصورة متسارعة.

فمطار أبو الظهور، الواقع شرقي إدلب، كان قد خرج من الخدمة منذ سنوات، قبل إطاحة نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وأُخلي تمامًا من العسكريين السوريين. كما لم تسفر الغارة عن خسائر بشرية، واقتصرت أضرارها على دمار محدود في مباني الإدارة والتحكم ومدارج الإقلاع والهبوط. ومن ثم، يصف تقدير الموقف العملية بأنها هامشية إلى حد كبير من الناحية العسكرية، وأن أهميتها تكمن أساسًا في الرسالة السياسية التي أرادت إسرائيل توجيهها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 زيارة شي جين بينغ إلى مصر.. الأبعاد الإستراتيجية لشراكة متنامية
* list 2 of 2 "الإنزال الاقتصادي" على إيران.. هل تنجح واشنطن حيث أخفقت القوة العسكرية؟ end of list

ولم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن القصف إلا بعد نحو عشرين ساعة، حين أصدر مكتب رئيس الحكومة بيانًا برر العملية بأن دمشق سمحت لعسكريين أتراك بالانتشار على أراضيها رغم تحذيرات إسرائيلية متكررة. وادعت تل أبيب أن تفاهمًا مع دمشق كان يقضي بالمحافظة على «وضع راهن» أمني في سوريا، وأن الحكومة السورية أخلت به عندما سمحت بتمركز قوات تركية في قاعدة تابعة لسلاح الجو السوري.

وردت دمشق برسالتين متطابقتين إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، اعتبرت فيهما استمرار القصف والتوغلات والاختطافات الإسرائيلية عاملًا يعرقل جهود تحقيق الاستقرار ويدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر، مطالبة بوقف الاعتداءات، وإلزام إسرائيل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، والانسحاب من الأراضي التي توغلت فيها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ومن الجولان السوري المحتل. كما نفت أنقرة المزاعم الإسرائيلية، واعتبرتها محاولة لتوفير غطاء للهجمات التي تنتهك سيادة سوريا وسلامة أراضيها.

إعلان

لكن الموقف الأمريكي أضاف بعدًا آخر إلى الخلاف؛ فقد حذر السفير الأمريكي في أنقرة والمبعوث إلى سوريا، توماس باراك، من أن هجمات إسرائيلية من هذا النوع قد تؤدي إلى تكثيف الوجود التركي في المنطقة بدلًا من الحد منه. وكشف أن أنقرة لم تتلق تحذيرًا مسبقًا، وأن غياب التحذير كان يمكن أن يدفع تركيا إلى إسقاط الطائرات الإسرائيلية أو الرد عليها، واصفًا استهداف أبو الظهور بأنه تصعيد لا حاجة إليه.

ودافع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن القرار، مؤكدًا أن معلومات استخباراتية أشارت إلى نية تركيا القيام بأنشطة في القاعدة تشكل تهديدًا لأمن إسرائيل، وأن تل أبيب شاركت هذه المعلومات مع واشنطن. لكن باراك رد بأن الأجهزة الأمريكية تسلمت المعلومات الإسرائيلية بالفعل، وراجعتها، ولم تجد أن المخاوف التي بنت عليها إسرائيل موقفها تستند إلى وقائع مؤكدة.

ولم يمنع ذلك كاتس من المضي في التصعيد؛ إذ وقف في 25 أغسطس/آب، خلال زيارة ميدانية لقواته في منطقة التوغل الإسرائيلي خلف خط فصل القوات، ووجه رسالة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، قال فيها إن القوات الإسرائيلية توجد على مسافة 25 كيلومترًا من دمشق، وإنها لن تنسحب ما دام هناك ما تعتبره إسرائيل تهديدًا لأمنها في سوريا.

وتزداد دلالة الغارة، وفق تقدير الموقف، مع وجود قناة اتصال رفيعة المستوى أصلًا بين دمشق وتل أبيب. فقد ذكرت مصادر إسرائيلية أن رئيس الموساد، رومان غوفمان، أجرى في 14 أغسطس/آب مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، تناولت الوجود العسكري التركي في سوريا. وأكد الشيباني لاحقًا أن إسرائيل أُبلغت مسبقًا بأن سوريا لا تحشد قوات تركية ولا تعمل على تمركزها في أبو الظهور أو في قاعدة جوية سورية أخرى.

ومن هنا يطرح التقدير مجموعة من الأسئلة التي تنقل القضية من حادثة القصف إلى خلفياتها الإستراتيجية: إذا كانت هناك قناة اتصال مباشرة بين الطرفين، وإذا أكدت دمشق عدم وجود حشد تركي، وإذا كانت الأجهزة الأمريكية نفسها لم تجد ما يثبت المخاوف الإسرائيلية، فلماذا أصرت إسرائيل على ضرب أبو الظهور؟ ولماذا يتزايد قلقها أصلًا من التعاون العسكري السوري-التركي، في حين أن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل ولم تدخل معها في حرب مباشرة أو غير مباشرة؟

مصدر الصورة خريطة سوريا موضح عليها مطار أبو الظهور (الجزيرة)

سوريا.. مشروعان متعارضان

لا يستبعد تقدير الموقف أن يكون لتوقيت الغارة ارتباط بالمناخ الانتخابي الإسرائيلي، وبمحاولة بنيامين نتنياهو استخدام التوتر الإقليمي لتحسين موقعه السياسي. بل إن توماس باراك نفسه وضع العملية في هذا السياق. لكن التقدير يرى أن الحسابات الانتخابية قد تساعد على تفسير توقيت الغارة، ولا تكفي لتفسير جذور التصور الإسرائيلي لتركيا باعتبارها تهديدًا متصاعدًا.

فقد أحدث سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 تغييرًا هائلًا في الوضع السوري. ورغم أن نتنياهو حاول في الشهور الأولى تقديم هذا التحول باعتباره إحدى نتائج الحملة الإسرائيلية التي أرادت «تغيير وجه الشرق الأوسط»، فإن إسرائيل سرعان ما نظرت بقلق إلى وصول إسلاميين إلى السلطة في دمشق وإلى علاقاتهم الوثيقة بتركيا.

إعلان

ويربط التقدير بهذا القلق الحملة الجوية الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت خلال ديسمبر/كانون الأول 2024 ما تبقى من المقدرات العسكرية السورية.

كما يذهب إلى أن السياسة الإسرائيلية راهنت خلال الشهور التالية على بقاء سوريا منقسمة عرقيًا وطائفيًا، وعلى وجود مركز سياسي هش وضعيف، لا يستطيع بسط سلطته على البلاد ولا امتلاك قدرة عسكرية تمثل تهديدًا في المستقبل.

في المقابل، تحركت تركيا في الاتجاه المضاد تقريبًا. فقد عملت، بالتعاون مع السعودية، على فتح أبواب واشنطن أمام القيادة السورية الجديدة، ودفعت نحو رفع العقوبات الدولية والأمريكية، وأيدت انسحاب الولايات المتحدة من الأراضي السورية، كما شجعت على امتداد عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني إلى الساحة السورية، بما يساعد على حل قوات سوريا الديمقراطية واندماج الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد في الدولة السورية.

وفي الوقت نفسه، انخرطت وزارات تركية عديدة في مساعدة نظيراتها السورية، من الداخلية والتعليم والتعليم العالي إلى الزراعة والري والطاقة والكهرباء.

وهكذا تتعارض المقاربتان في نقطة جوهرية: بينما راهنت إسرائيل، وفق التقدير، على مركز سوري ضعيف، تعمل تركيا على تعزيز قدرات الدولة المركزية في دمشق.

ويبدو هذا التعارض أكثر وضوحًا في المجال العسكري. فتركيا تلعب دورًا رئيسيًا في إعادة بناء الجيش السوري، وقد أُمرت الوحدات المنظمة من الجيش الحر، التي سبق أن عملت تحت إشراف الجيش التركي في شمال سوريا، بالانضواء في وزارة الدفاع السورية. كما استقبلت قواعد التدريب التركية مئات الضباط السوريين، وتشير التقارير إلى وجود خبراء عسكريين أتراك في معسكرات التدريب السورية، وإلى تقديم تركيا مئات العربات المدرعة وآلاف الأسلحة الفردية ومساعدات فنية للجيش الجديد.

وفي منتصف يوليو/تموز، زار قائد البحرية التركية مع عدد من كبار ضباطه ميناء اللاذقية، في مؤشر إلى استعداد أنقرة للمساهمة في إعادة بناء البحرية السورية. كما تحدثت هيئة البث الإسرائيلية عن قلق المؤسسة الأمنية من تسارع إعادة بناء سلاح الجو السوري وتجنيد وتدريب مئات الطيارين الجدد.

وتدعي إسرائيل أن تركيا تحركت منذ بداية العام لتأهيل عدد من القواعد الجوية السورية، وربما لتأسيس وجود لها فيها، وأن ذلك كان الدافع وراء ضرب قاعدتي تدمر و«تي-4» في مارس/آذار، ثم أبو الظهور في أغسطس/آب. كما تقول إن تركيا زودت سوريا بأنظمة رادار، وإنها تستعد لنشر منظومات دفاع جوي في وسط البلاد وشرقها وربما حول دمشق.

ويحدد التقدير هنا واحدًا من أهم دوافع القلق الإسرائيلي أنه إذا استعادت سوريا قدرتها على المراقبة والدفاع الجوي، فإن حرية حركة الطيران الإسرائيلي فوق الأراضي السورية قد تصبح مقيدة، كما قد تتعرض المسارات الجوية الإسرائيلية نحو العراق وإيران للعراقيل.

مصدر الصورة بلدة أبو الظهور شرقي إدلب، التي يقع في نطاقها المطار العسكري الذي استهدفته إسرائيل (رويترز)

الخوف من تركيا يتجاوز الحدود السورية

لا يحصر تقدير الموقف الهواجس الإسرائيلية في سوريا. فتل أبيب تنظر أيضًا بقلق إلى التعاون العسكري التركي مع مصر، وإلى الوجود العسكري والاقتصادي التركي في الصومال وقرب باب المندب، وإلى التحرك لحل المسألة الكردية في تركيا وسوريا، فضلًا عن تدخل أنقرة لمنع تورط الأكراد الإيرانيين في الحرب على إيران.

ويقرأ الإسرائيليون هذه التحركات، وفق التقدير، بوصفها مؤشرات إلى محاولة تركيا استعادة الثقل الكردي وتجريد إسرائيل من إحدى الأدوات التي استخدمتها في بناء تحالفاتها مع أقليات المشرق.

لكن التطور الذي يفوق ذلك كله أهمية في الحسابات الإسرائيلية هو اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية الموقعة في مكة بين تركيا وباكستان والسعودية.

إعلان

فإسرائيل، مثل تركيا والسعودية، كانت تدرك توجه إدارة ترمب نحو نقل ومشاركة العبء الأمني الإستراتيجي في الشرق الأوسط. لكنها تصورت أن الولايات المتحدة ستصر على جعلها شريكًا في النظام الأمني الجديد، سواء بعد دفع السعودية إلى التطبيع معها أو حتى قبل ذلك.

ما حدث، بحسب التقدير، كان مختلفًا؛ فقد خضعت واشنطن للضغوط العربية والإسلامية التي أبقت إسرائيل خارج النظام الإقليمي الجديد، ورحبت بالاتفاق الثلاثي الذي أدخل باكستان إلى قلب الترتيبات الإقليمية.

وتنظر إسرائيل إلى الاتفاق بوصفه طريقًا لمزيد من التوغل التركي جنوبًا، وعقبة تكاد تغلق باب التطبيع مع السعودية، فضلًا عن أنه يعيد رسم خطوط الاتصال والإمداد الإقليمية بعيدًا عنها؛ من مشروع خط السكك الحديدية بين إسطنبول والرياض وجدة، إلى تحويل مسار «طريق السلام» المفترض من دبي إلى الساحل الإسرائيلي، ليصبح طريقًا بين دبي والساحل السوري.

وبذلك، لا يعود القلق الإسرائيلي متعلقًا بقاعدة جوية سورية، وإنما بتحول أوسع: تركيا تتقدم في المشرق، وسوريا تعيد بناء الدولة والجيش، والسعودية وباكستان تدخلان في منظومة دفاعية مع أنقرة، بينما تجد إسرائيل نفسها خارج ترتيبات كانت تتوقع أن تكون طرفًا رئيسيًا فيها.

هل صنعت إسرائيل «الخطر التركي»؟

يعود تقدير الموقف إلى مسار العلاقات التركية-الإسرائيلية ليجادل بأن حزب العدالة والتنمية لم يبدأ حكمه بمشروع لمعاداة إسرائيل. فقد تمسكت حكومة أردوغان بحل الدولتين، وأقامت علاقات وثيقة بالسلطة الفلسطينية، ودعمت مسار أوسلو. وفي 2005، زار أردوغان فلسطين وإسرائيل والتقى رئيس الحكومة الإسرائيلية أرئيل شارون والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأبدى استعدادًا للوساطة، كما توسطت تركيا في 2008 في مفاوضات سورية-إسرائيلية غير مباشرة.

لكن الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين دفعت العلاقات تدريجيًا نحو التوتر، وكان الاشتباك بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في دافوس مطلع 2009، على خلفية الحرب على غزة، إحدى المحطات البارزة في هذا التحول.

وتكررت الصدامات مع اتساع الدور التركي الإقليمي، وانخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين 2018 و2022، وإن كان الطرفان ينجحان في كل مرة في استعادة العلاقات الطبيعية بصورة مباشرة أو بوساطة أمريكية. لكن حرب غزة الأخيرة أحدثت قطيعة أكبر، وأعلنت أنقرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 قطع العلاقات مع إسرائيل بالكامل.

ومع ذلك، يرى التقدير أن تركيا لم تطور مشروعًا يستهدف الصدام المباشر مع إسرائيل أو تهديد وجودها. فسياساتها في الجوار العربي والقوقاز والبلقان ترتبط، بحسب هذا التفسير، بضرورات الأمن القومي التركي السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية.

فالعلاقات الاقتصادية التي بنتها تركيا مع مصر وسوريا ودول الخليج وشمال أفريقيا لم يكن هدفها محاصرة إسرائيل، كما أن دعم الثورات العربية، أو الانخراط في الحرب على تنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني، لم يكن جزءًا من سياسة موجهة ضدها. وحتى في أذربيجان، التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع تل أبيب، لم تربط تركيا دعمها لباكو بموقف الأخيرة من إسرائيل.

ومن هنا يصل تقدير الموقف إلى أحد استنتاجاته المركزية: تصور «الخطر التركي» يتعلق بنظرة إسرائيل إلى ذاتها وموقعها الإقليمي بقدر ما يتعلق بصعود تركيا نفسه.

فإسرائيل، بحسب التقدير، تحمل نزوعًا قويًا إلى التفوق على محيطها، وتنظر بخوف إلى ظهور قوى إقليمية كبيرة، سواء كانت منافسة لها مباشرة أم لم تكن. ومن هذا المنظور، يمكن أن يصبح السلاح النووي الباكستاني، أو حصول السعودية على أسلحة أمريكية نوعية، أو إعادة سوريا بناء جيشها، أو نمو القدرات الاقتصادية والعسكرية التركية، تهديدات محتملة للأمن الإسرائيلي.

ويستشهد التقدير بتصريحات رئيس الموساد الأسبق يوسي كوهين، الذي وصف تركيا في أغسطس/آب 2020 بأنها التهديد الجديد للسلام في الشرق الأوسط، قبل سنوات من التحولات السورية الحالية واتفاق الدفاع الثلاثي. وفي يناير/كانون الثاني 2025، وضع تقرير «لجنة ناغل» تركيا في قائمة الأعداء المحتملين الذين يمكن أن تدخل إسرائيل معهم في مواجهة مباشرة.

ويرى التقدير أن إصرار إسرائيل على النظر إلى تركيا بوصفها تهديدًا، ثم اتخاذ خطوات تتجاهل أو تهدد مصالحها القومية، يدفع أنقرة بدوره إلى إدخال إسرائيل تدريجيًا في حساباتها الأمنية والإقليمية. وبذلك، تحولت النبوءة الإسرائيلية بالخطر التركي إلى نبوءة تسهم إسرائيل نفسها في تحقيقها.

مصدر الصورة قاعدة أبو الظهور الجوية (رويترز)

من غارة أبو الظهور إلى أزمة إستراتيجية

بعد قصف أبو الظهور، قال نتنياهو إن إسرائيل حذرت تركيا من إقامة قاعدة عسكرية في سوريا، وإن الأتراك «على ما يبدو لم يسمعوا ذلك التحذير»، ولذلك حرصت تل أبيب على أن يفهموه بصورة أوضح.

إعلان

لكن الرد التركي لم يعكس استعدادًا للتراجع. ففي 25 أغسطس/آب، أكد أردوغان أن بلاده لن تتخلى عن دعم تعافي جيرانها ومساعدتهم على النهوض لمجرد أن ذلك يزعج أطرافًا أخرى، وأن الشعب التركي هو الذي يحدد السياسة الخارجية لبلاده.

ثم جاءت رسالة وزير الخارجية هاكان فيدان أكثر وضوحًا، حين خاطب الإسرائيليين في 29 أغسطس/آب قائلًا إنه إذا تحركوا نحو تقسيم سوريا وزعزعة استقرارها، فستعد تركيا ذلك تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وستتدخل.

وفي الوقت نفسه، تمسكت سوريا بحقها في بناء قواتها المسلحة. ففي لقاء عُقد بترتيب أمريكي في عمّان، في 23 أغسطس/آب، أبلغ وزير الخارجية السوري رئيس الموساد أن دمشق متمسكة بحقها السيادي في مواصلة بناء الجيش وسلاح الجو.

وبعد أسبوع، وجه وزير الدفاع السوري الشكر إلى نظيره التركي على مساعدة الجيش التركي في إقامة جسر إضافي على الفرات في منطقة الميادين، فيما تعمدت دمشق، بحسب التقدير، نشر صور مشاركة المهندسين العسكريين الأتراك في العملية. وفي اليوم التالي، استضافت إسطنبول الاجتماع الأول للجنة السياسية والدفاعية الإستراتيجية لاتفاقية مكة الثلاثية، بحضور وزراء الخارجية والدفاع وقادة جيوش تركيا وباكستان والسعودية.

وتقود هذه التطورات تقدير الموقف إلى النظر إلى قصف أبو الظهور باعتباره تعبيرًا عن شعور إسرائيلي متفاقم بالأزمة أكثر منه ضربة استباقية قادرة على تغيير مسار الأحداث. فإسرائيل تبدو، سواء في مواجهة تركيا أو أمام النظام الدفاعي الجديد الذي يتشكل في المشرق، غير واثقة من الكيفية التي تستطيع بها التعامل مع تحولات إستراتيجية غير مسبوقة.

وقد استطاعت إسرائيل في مراحل سابقة التعامل مع تهديدات إقليمية بطريقة مختلفة. فعندما هاجمت مصر عام 1956 كانت جزءًا من تحالف ثلاثي مع بريطانيا وفرنسا، وعندما قررت تدمير مفاعل تموز العراقي عام 1981، أو تحركت ضد المشروع النووي الإيراني، استفادت من ظروف وموازين قوة مختلفة. كما استطاعت في تسعينات القرن الماضي العثور داخل الساحة السياسية التركية على أطراف تساعد في ترميم العلاقات بين البلدين.

أما تركيا اليوم فهي عضو في حلف الناتو، وتحتل موقعًا أساسيًا في مشروعات الدفاع عن أوروبا، وتحافظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، بل إن إدارة ترمب نفسها تدفع أنقرة إلى تحمل عبء أكبر في النظام الأمني الجديد للشرق الأوسط. كما ترتبط السعودية وباكستان بعلاقات وثيقة بواشنطن، في وقت تعتبر فيه الولايات المتحدة ومعظم العواصم الأوروبية استقرار سوريا ووحدة أراضيها ضرورة لاستقرار المنطقة.

وتغيرت تركيا نفسها بعد ربع قرن من حكم العدالة والتنمية؛ فلم يعد من السهل، وفق التقدير، العثور على حلفاء سياسيين أتراك مستعدين للتعاون مع إسرائيل ضد المصالح القومية التركية. كما تراجعت فاعلية استخدام القيود على التسليح أداة للضغط على أنقرة بعد التقدم الكبير في قدراتها الذاتية لإنتاج احتياجاتها الدفاعية.

ويضاف إلى ذلك أن تركيا وباكستان لا تثيران في المحيط العربي والإسلامي المخاوف التي أثارتها في مراحل سابقة قوى إقليمية أخرى؛ بل ينظر إليهما قطاع واسع من شعوب المنطقة باعتبارهما دولتين صديقتين يمكن الوثوق بهما. ومع توقيع اتفاق الدفاع الثلاثي، يرى التقدير أن الاستفراد بأي دولة من دوله وعزلها عن محيطها أصبح أكثر صعوبة.

مصدر الصورة وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة مع ضباط من وزارة الدفاع (الجزيرة)

محور إسرائيلي مضاد.. وحدود القدرة على تغيير الميزان

لا يرجح تقدير الموقف اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة في المدى المنظور بين إسرائيل من جهة، وتركيا أو باكستان أو السعودية من جهة أخرى. فميزان القوى الحالي والموقف الدولي، ولاسيما الأمريكي، يجعلان مثل هذه المواجهة مستبعدة.

لكن إسرائيل، في المقابل، تتحرك لبناء محور إستراتيجي يضم الهند وإسرائيل وقبرص اليونانية واليونان، مع وجود من يأمل داخل إسرائيل في انضمام الإمارات إليه. وقد بدأت ملامح هذا المحور من خلال صفقات السلاح وتبادل الخبرات العسكرية والتعاون الاستخباراتي ومشروعات الطاقة والاتصال التجاري.

ويعتقد الإسرائيليون أن تبلور هذا المحور يمكن أن يوفر ثقلًا في ميزان القوى وعنصر ردع في مواجهة اتفاق الدفاع الثلاثي، خصوصًا إذا اتجه الاتفاق مستقبلًا إلى التوسع وضم دول إقليمية أخرى.

إلا أن تقدير الموقف يطرح شكوكًا جدية بشأن قدرة هذا المشروع على تحقيق الهدف الإسرائيلي. فالجغرافيا تفرض قيودها، وهناك تباينات سياسية وثقافية داخل الدول المرشحة للمحور، فضلًا عن تأثير التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية في الهند واليونان، بما يجعل مستوى العلاقات مع إسرائيل عرضة للتغير بتغير الحكومات.

كما يظل السؤال قائمًا حول ما تستطيع الهند واليونان إضافته فعليًا إلى موازين القوى في مواجهة تركيا وباكستان، وهما دولتان استقرت عناصر قوتهما وموقعهما الإقليمي منذ زمن.

وتنتهي الصورة التي يرسمها تقدير الموقف إلى أن مطار أبو الظهور ليس سوى العرض الأكثر وضوحًا لأزمة أوسع. فما يقلق إسرائيل ليس مطارًا عسكريًا سوريًا مهجورًا، وإنما اتجاه التحولات المحيطة بها: سوريا تستعيد مؤسسات الدولة وتعيد بناء جيشها، وتركيا تتحول إلى أحد أهم داعمي هذا المسار، فيما تتسع علاقاتها الأمنية والعسكرية من المشرق إلى البحر الأحمر، ويتشكل اتفاق دفاعي يجمعها بالسعودية وباكستان، بينما لا تبدو واشنطن راغبة في منح إسرائيل القدرة على تعطيل هذه التحولات.

ومن ثم، فإن الغارة التي أرادت إسرائيل بها أن ترسم خطًا أحمر أمام تركيا تكشف، وفق تقدير مركز الجزيرة للدراسات، عن صعوبة فرض الخطوط الحمراء نفسها. فتل أبيب تواجه قوى يصعب عزلها، وترتبط بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة والغرب، وتملك قدرات ذاتية متنامية وشبكات تحالف إقليمية تتسع. ولهذا تبدو الأزمة التي أظهرها أبو الظهور أكبر من مستقبل الوجود التركي في سوريا: إنها أزمة إسرائيل في التكيف مع ميزان قوى إقليمي جديد لم تعد قادرة وحدها على رسم حدوده وقواعده.

تقدير الموقف كاملا (اضغط هنا)

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا