في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع تصاعد تداعيات الفيضانات المفاجئة التي ضربت نيبال ومناطق من إقليم التبت، غمرت منصات التواصل الاجتماعي مشاهد صادمة قيل إنها توثق لحظات الكارثة: مياه جارفة تقتلع السيارات والمباني، وانهيارات جليدية ضخمة تهوي من المرتفعات، وجثث زُعم أنها لضحايا الفيضانات.
وانتشرت هذه اللقطات على نطاق واسع، وسرعان ما حصدت ملايين المشاهدات. وبينما قُدمت بعض المقاطع وكأنها توثيق مرئي لما جرى، أثارت تفاصيل في الصورة والتوقيت والسياق أسئلة حول حقيقة ما تظهره.
وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة عددا من المقاطع المتداولة، مستعينة بالبحث العكسي وتحليل المحتوى ومطابقة الأرشيفات الرقمية وبيانات المواقع، في محاولة للإجابة عن سؤال واحد: ماذا توثق هذه المشاهد، وكيف وصلت إلى منصات التواصل باعتبارها دليلا على الكارثة؟
ويُظهر أول مقطع متداول (10 ثوان) فيضانا جارفا يتدفق بغزارة شديدة من المرتفعات المحيطة ببلدة ذات طابع جبلي يوحي بأنها في نيبال أو إحدى المناطق الهيمالايية، حيث تحيط بالمباني والمتاجر قمم جبلية يكسوها الضباب.
يبدأ المشهد بتدفق مياه تنهمر فجأة نحو الشارع الرئيسي للبلدة، مسببة انهيار واجهات المباني والمحلات الواقعة على ضفة مجرى السيل، فيما توثق اللقطات قوة اندفاع المياه وهي تقتلع الأشجار وتجرف الهياكل الخرسانية والمركبات المتوقفة على جانبي الطريق.
غير أن التحليل البصري الدقيق كشف عن اختلالات واضحة في المقطع، إذ تبين أن بعض المركبات جُرفت قبل وصول المياه إليها أصلا، فضلا عن تماثل لافت في حركة وشكل انهيار المباني وكأنها مهندَسة، وهو ما لا يتفق مع طبيعة الكوارث الحقيقية.
كما أن قصر مدة المقطع يعد في حد ذاته مؤشرا قويا يثير الشبهة حول كونه مولدا بالذكاء الاصطناعي، إذ إن معظم أدوات توليد الفيديو الأكثر انتشارا، مثل "غوغل فيو" و"سورا" تحدد مخرجاتها القياسية بمقاطع قصيرة تتراوح مدتها عادة بين 4 و15 ثانية.
وعند خضوع المقطع للفحص التقني عبر " جيميناي" -الذي يمتلك خاصية التحقق من العلامات المائية المدمجة- كشفت خوارزميات التحليل عن وجود بصمة رقمية غير مرئية من نوع "سينث آي دي" (SynthID) مدمجة في المسار البصري للملف.
وبحسب تفاصيل الفحص، تركزت هذه البصمة في مقطعين محددين: الأول في الافتتاحية (من الثانية 00:00 إلى 00:04) والثاني في المشاهد الختامية (من الثانية 00:08 إلى 00:10).
ويؤكد التوزيع الزمني الدقيق أن الإطارات البصرية المعروضة ليست تسجيلا حيا لواقعة حقيقية، بل هي مشاهد تم توليدها أو معالجتها بالذكاء الاصطناعي.
وتعد "سينث آي دي" (SynthID) تقنية طوّرتها "غوغل" وتقوم على إدماج علامة مائية رقمية غير مرئية مباشرة في بكسلات الصور أو إطارات الفيديو أثناء توليدها. وتتميز هذه العلامة بكونها خفية لا تراها العين المجردة ولا تؤثر على جودة العرض، لكنها تظل قابلة للكشف الفني عبر أدوات الفحص.
كما تداولت حسابات بلغات مختلفة مقطع فيديو آخر زاعمة أنه يوثق انهيارا جليديا في نيبال تسبب في الفيضانات الجارفة، معتبرة أن اللقطة تظهر "اللحظات الأولى لبداية الكارثة".
غير أن البحث العكسي الذي أجرته وحدة المصادر المفتوحة قاد إلى أن هذا المقطع لا يمت بصلة لفيضانات نيبال الأخيرة.
كما تمكننا من الوصول إلى إحداثيات التصوير وزوايا أخرى للمشهد نفسه عبر أرشيف "خرائط غوغل" لتتضح أن المقطع التقط عند مطل نهر "غراي" الجليدي في منطقة باتاغونيا بتشيلي.
ويعد انفصال الكتل الجليدية وسقوطها في البحيرة المتجمدة من الظواهر المتكررة والشائعة هناك، وهو ما يفسر تداول صور ومقاطع مشابهة لها كل عام تقريبا من قبل السياح وصناع المحتوى.
وعثرت الوحدة على النسخة الأصلية للمقطع، الموثقة بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ونشرتها شركة "ليست ستوديوز" (Licet Studios) المتخصصة في ترخيص المواد المصورة ولقطات الطبيعة.
وأوضحت الشركة في وصفها للمشهد أن هذه الصفيحة الجليدية تشهد انحسارا مستمرا نتيجة الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة العالمية والتحولات في معدلات هطول الأمطار، مشيرة إلى الأهمية البيئية الاستثنائية للموقع باعتباره جزءا من "حقل جليد جنوب باتاغونيا".
في السياق نفسه، رصدنا مقطعا آخر زُعم أنه يظهر انهيارا جليديا يندفع نحو منطقة منخفضة أسفل أحد الجبال، مرفقا بادعاءات تصفه بأنه "بداية طوفان نيبال". في حين، علق بعض المستخدمين على خطورة وقوف أشخاص على بعد أمتار من النهر الجليدي وهم يوثقون انهياره بهواتفهم الشخصية.
لكن التحقق قاد إلى نسخة سابقة من المقطع، نُشرت على منصة إكس مطلع يونيو/حزيران 2026 وتفيد بأن التصوير كان في منطقة شمال باكستان، ويوثق انكسار أجزاء من الثلج والصخور والأتربة فجأة من أحد الجبال قبل أن تندفع بسرعة نحو الوادي نتيجة الارتفاع في درجات الحرارة، ولا صلة له بفيضانات نيبال الأخيرة.
كما انتشر أيضا مقطع فيديو آخر زُعم أنه يظهر جثث عدد من النساء اللواتي لقين حتفهن جراء الفيضانات التي اجتاحت نيبال، مرفقا بعبارات "صلوا من أجل نيبال".
وتُظهر اللقطات جثث نساء ملقاة على جانبي الطريق وفي مجرى المياه، إلا أن التحقق أثبت أن هذا الادعاء مضلل بالكامل.
وتوصلت وحدة المصادر المفتوحة إلى مصدر المقطع، وهو حساب يحمل اسم (Simran SK) على إنستغرام، وحصد المقطع هناك أكثر من 32 مليون مشاهدة، غير أن تاريخ نشره الأصلي يعود إلى 3 يوليو/تموز 2026، أي قبل وقوع الفيضانات، وهو ما يدحض الرواية المتداولة تماما.
وبتحليل نشاط الحساب الناشر، الذي تعرّف صاحبته بأنها "صانعة فيديوهات" يتبين أنها تنشر بشكل معتاد مقاطع ضمن محتوى تمثيلي ساخر وغير واقعي، وتظهر فيها نساء يتظاهرن بالموت في أماكن زراعية موحلة ومغمورة بالمياه خلال موسم الأمطار، وعادة ما تحقق ملايين المشاهدات.
وخلال الأيام التي أعقبت الكارثة، انتشرت صور ومقاطع فيديو أخرى يتضح جليا أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، في استغلال واضح لفيضان تسبب فعليا في أضرار واسعة لحقت بمنازل المواطنين والطرق والجسور ومشاريع الطاقة في نيبال.
في المقابل، تكشف المقارنة البصرية بين صور أقمار صناعية قبل السيول وبعدها تغيرات واسعة على امتداد نهر تريشولي بين نيبال والصين، شملت اختفاء معالم منشآت حدودية ومبانٍ وجسور في عدد من المواقع، فيما اتسع مجرى النهر وغطت الرواسب الصخرية والطينية مساحات كانت تضم طرقا ومباني ومنشآت.
وحصلت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة على صور حديثة عالية الدقة التقطت صباح الخميس 27 أغسطس/آب 2026 بواسطة شركة "فانتور" (Vantor) الأمريكية، وتوثق مقارنة مواقع عدة على امتداد المنطقة الحدودية آثارا واسعة لجرف السيول، من معبر جيرونغ الصيني ونقطة راسواغادي النيبالية إلى قرية سيابرو بيسي ومواقع أخرى بمحاذاة نهر تريشولي.
وتكشف الصور، عند مقارنتها بصور أقدم، اختفاء أجزاء من البنية المبنية سابقا في المواقع المتضررة، وتحول مساحات كانت تضم مباني وجسورا وطرقات إلى مجرى أوسع لتغطية الحجارة والطمي والرواسب النهرية، بما يوضح حجم التغير الذي أحدثته السيول في المنطقة الجبلية.
جاء انتشار المشاهد في وقت رجحت فيه الهيئة الوطنية لإدارة مخاطر الكوارث في نيبال أن يكون انهيار صخري جليدي وقع على الحدود مع الصين هو المتسبب في الفيضانات.
وتعد الكارثة، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، الأسوأ التي تشهدها نيبال منذ الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد عام 2015.
وأفادت هيئة إدارة الحالات الطارئة في نيبال -اليوم الأحد- بأن الحصيلة غير النهائية لضحايا الفيضانات المدمرة التي اجتاحت شمالي البلاد الأربعاء، قرب الحدود مع الصين، ارتفعت إلى 734 قتيلا و2498 مفقودا.
أما على الأراضي الصينية، فأوردت وسائل الإعلام الرسمية أن عدد القتلى بلغ 16، في حين لا يزال 546 في عداد المفقودين، مما يرفع إجمالي من لقوا مصرعهم في الكارثة إلى 750، وعدد المفقودين إلى 3044.
واجتاح سيل مائي مدمر يشبه موجات تسونامي المنطقة الحدودية بين نيبال و التبت هذا الأسبوع، جارفا معه قرى بأكملها، وقالت قناة "سي سي تي في" التلفزيونية الصينية الرسمية إن 261 شخصا من بين المفقودين على أراضيها يحملون جنسيات أجنبية، بينهم 104 من نيبال و49 من الهند و33 من لاتفيا و18 من الولايات المتحدة.
وحثت نيبال -اليوم- فرق الإنقاذ على توخي الحذر مع ارتفاع منسوب مياه الفيضانات في المنطقة الحدودية مع الصين، في الوقت الذي تدخل فيه جهود انتشال ضحايا السيول المدمرة يومها الخامس.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة