عمان – مع تجدد المواجهة بين إيران و الولايات المتحدة، وجد الأردن نفسه في قلب التصعيد، بعدما تعرضت أراضيه خلال الأيام الماضية لموجات متتالية من الصواريخ الإيرانية، بعضها باليستي، في تطور دفع المؤسسات العسكرية والأمنية الأردنية إلى رفع جاهزيتها، وأعاد فتح النقاش حول طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في المملكة، والرسائل التي تسعى طهران إلى إيصالها عبر استهدافها.
ولم تقتصر الرسائل الإيرانية على الجانب العسكري، إذ خاطبت بيانات الحرس الثوري الشعب الأردني، ودعته إلى التحرك ضد الوجود الأمريكي، في خطاب اعتبرته عمان تحريضيا، ورفضت ما تضمنه من اتهامات باستخدام الأراضي الأردنية منصة لاستهداف إيران.
وقال مصدر أردني مسؤول للجزيرة نت إن المملكة تنظر إلى الاستهدافات الإيرانية باعتبارها اعتداء مباشرا على سيادتها، مؤكدا أن الأردن لم يسمح ولن يسمح بأن يكون منطلقا لأي هجوم على دولة أخرى، وأن مهمة القوات المسلحة تقتصر على حماية المجال الجوي والتعامل مع أي تهديد يمس أمن المواطنين.
في مقابل الرواية الإيرانية التي تتحدث عن استهداف قواعد أمريكية، تؤكد عمان أن المملكة لا تضم قواعد أجنبية مستقلة، وإنما قوات أمريكية تعمل ضمن اتفاقيات تعاون دفاعي وتدريبي، وتحت السيادة الأردنية.
وكان وزير الخارجية أيمن الصفدي قد أوضح أكثر من مرة أن مفهوم القاعدة العسكرية يعني إدارتها بصورة مستقلة من دولة أجنبية، وهو أمر لا ينطبق على الأردن، مؤكدا أن أي وجود عسكري أجنبي يخضع لاتفاقيات دفاعية وبموافقة السلطات الأردنية.
وقال مصدر أردني مطلع للجزيرة نت إن قاعدة الشهيد موفق السلطي الجوية، التي تكرر إيران الحديث عنها، هي قاعدة أردنية بالكامل، يرفع فوقها العلم الأردني وحده، ويتولى الجيش الأردني إدارتها وتأمينها، فيما يقتصر الوجود الأمريكي على كوادر فنية محدودة تعمل في تشغيل منظومات دفاعية وتقديم الدعم الفني والتدريب، من دون أي صلاحيات سيادية.
وتنظم اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة بين الأردن والولايات المتحدة عام 2021 أطر التعاون العسكري بين البلدين، وتتيح للقوات الأمريكية استخدام عدد من المرافق العسكرية الأردنية في مجالات التدريب، والتمارين، والدعم اللوجستي، وصيانة المعدات، وعمليات الإغاثة والطوارئ، مع بقاء تلك المرافق خاضعة للسيادة الأردنية.
كما تسمح الاتفاقية باستخدام بعض المواقع بصورة مشتركة أو حصرية للقوات الأمريكية وفق ما يتفق عليه الطرفان، إلى جانب نقل المعدات الدفاعية وتخزينها في المواقع المحددة.
وبحسب رسالة بعثت بها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن إلى الكونغرس في يونيو/حزيران 2024، بلغ عدد العسكريين الأمريكيين المنتشرين في الأردن نحو 3813 عسكريا، ضمن قوات تنتشر بصورة دورية في الشرق الأوسط، وليس في إطار تعيين دائم.
وأكدت مصادر أردنية للجزيرة نت أن هذه الأعداد تتغير وفق طبيعة المهام والتدريبات، بما يتوافق مع الاتفاقية الموقعة بين البلدين.
ويرى رئيس المركز الوطني الأردني السابق لإدارة الأزمات اللواء المتقاعد رضا البطوش، أن استهداف الأردن يعكس تحولات إستراتيجية أوسع، إذ تنظر إيران إلى الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بوصفه أحد عناصر الردع، ما يجعل أي مرافق مرتبطة به ضمن حساباتها.
وقال للجزيرة نت إن ذلك لا يبرر استهداف الأراضي الأردنية، مؤكدا أن أي اعتداء على المملكة يمثل مساسا بسيادتها، وأن القوات المسلحة تمتلك قدرات متقدمة للتعامل مع الصواريخ و الطائرات المسيرة والتهديدات السيبرانية وفق قواعد اشتباك واضحة.
وأضاف أن الضغوط الإيرانية تستهدف في جوهرها الولايات المتحدة، لكنها تمر عبر الأردن، مشيرا إلى أن المملكة تنتهج سياسة خارجية متوازنة، وترحب بعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل، لكنها ترفض أن تتحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية.
ووصف البطوش دعوات الحرس الثوري للأردنيين بالتحرك ضد الوجود الأمريكي بأنها خطاب تحريضي يهدف إلى إحداث فجوة بين الدولة والمجتمع، مؤكدا أن الشراكات الدفاعية الأردنية تُدار بقرار سيادي ووفق اتفاقيات معلنة.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي فهد الخيطان أن الأردن سيواصل التعامل مع الاعتداءات الإيرانية وفق النهج الذي اتبعه منذ بداية التصعيد، والقائم على حماية السيادة واعتراض أي صواريخ أو طائرات مسيرة تهدد مجاله الجوي، من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وقال للجزيرة نت إن عمان لا ترغب في أن تكون طرفا في الحرب، بل ستواصل تحركاتها السياسية والدبلوماسية، بالتنسيق مع الدول العربية، للدفع نحو وقف القتال واستئناف المفاوضات.
وأشار إلى أن وزير الخارجية أيمن الصفدي نقل هذا الموقف خلال لقائه نظيره الأمريكي في واشنطن، مؤكدا ضرورة وقف التصعيد، والعودة إلى مسار تفاوضي يضمن عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا، واحترام سيادة دول المنطقة وعدم التدخل في شؤونها.
ورجح الخيطان أن تترك الحرب آثارا بعيدة المدى على موازين القوى في الشرق الأوسط، بما يفرض على الأردن الاستعداد لمرحلة قد تتسم بقدر أكبر من عدم الاستقرار.
ويقول المحلل السياسي مجيد عصفور إن التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة يرتبط أساسا بحماية الحدود الأردنية مع سوريا و العراق، ومواجهة تهريب المخدرات والجماعات المسلحة، وتعزيز القدرات الدفاعية للمملكة.
وأضاف للجزيرة نت أن إيران لم تقدم أي دليل على استخدام الأراضي الأردنية لاستهدافها، معتبرا أن القصف الذي طال المملكة محاولة لتوسيع دائرة الصراع، وأن الأردن ليس مضطرا لتبرير علاقاته الدفاعية مع واشنطن ما دامت تقوم على اتفاقيات معلنة ومصالح أمنية مشتركة.
وأكد عصفور أن السياسة الأردنية ستبقى قائمة على ضبط النفس، وحماية السيادة، وعدم الانخراط في الحرب، واصفا دعوات الحرس الثوري للأردنيين بالتحرك ضد الوجود الأمريكي بأنها خطاب تحريضي لا يجد صدى داخل المجتمع الأردني، لأن مواقف الأردنيين، بحسب تعبيره، تنطلق من مصالحهم الوطنية لا من دعوات خارجية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة