في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا يقتصر الاحتفاء الأمريكي بالذكرى الـ250 للاستقلال على استذكار الماضي، بل يفتح بابا واسعا للنقاش حول مستقبل الدور الأمريكي في العالم. فبين إرث قيادة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ونهج "أمريكا أولا" الذي أعاد صياغة أولويات السياسة الخارجية، تبدو واشنطن أمام مرحلة تعيد فيها تعريف تحالفاتها وأدوات نفوذها في عالم يشهد تحولات متسارعة.
في الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، يعود الأمريكيون لاستحضار محطات مفصلية في تاريخ بلادهم، ليس فقط بوصفها انتصارات عسكرية صنعت مكانة واشنطن العالمية، وإنما أيضا باعتبارها مدخلا للتساؤل عن مستقبل الدور الأمريكي في نظام دولي يشهد تغيرات متسارعة.
ومن مقبرة أرلينغتون في ولاية فيرجينيا، حيث تخلد ذكرى معركة "إيو جيما"، إحدى أكثر معارك الحرب العالمية الثانية دموية بالنسبة لقوات المارينز، يربط تقرير مراسل الجزيرة من واشنطن فادي منصور بين التاريخ العسكري الأمريكي والتحولات التي تعيشها السياسة الخارجية للولايات المتحدة اليوم.
ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية، لم تكتف بتحقيق الانتصار العسكري، بل استثمرت في ترسيخ نفوذها العالمي عبر إعادة إعمار أوروبا وتأسيس النظام الدولي الذي قادته لعقود. فقد أنفقت أكثر من 13 مليار دولار بعد الحرب لإعادة إعمار 16 دولة أوروبية، وأسهمت في إنشاء مؤسسات سياسية ومالية دولية، إلى جانب تأسيس تحالفات عسكرية في مقدمتها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لمواجهة الاتحاد السوفيتي، قبل أن تتزعم ما عرف بـ"العالم الحر" حتى سقوط جدار برلين.
غير أن هذا الدور القيادي بدأ يواجه تساؤلات متزايدة داخل الولايات المتحدة بشأن كلفته السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما مهد لظهور شعار "أمريكا أولا"، الذي تبنته إدارة الرئيس دونالد ترمب باعتباره إطارا جديدا لإدارة التحالفات والمصالح الأمريكية.
ويقول المدير السابق في مجلس الأمن القومي، باري بافل، إن إدارة ترمب لا تسعى إلى التخلي عن التحالفات، وإنما إلى إعادة ترتيبها بحيث تتحمل الدول الحليفة، خصوصا في أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، قسطا أكبر من أعباء الدفاع والمسؤوليات الأمنية داخل هذه التحالفات.
وبحسب التقرير، انعكس هذا التوجه في إعادة صياغة أولويات الأمن القومي الأمريكي، إذ أبلغ نائب الرئيس الأمريكي، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، الحلفاء الأوروبيين أن التهديد الأكبر للقارة لا يتمثل في روسيا أو الصين، وإنما في التحديات الداخلية وعلى رأسها الهجرة.
كما أسهمت مواقف إدارة ترمب، سواء بشأن الحرب في أوكرانيا، أو فرض التعريفات الجمركية، أو الطموحات المرتبطة بغرينلاند، في زيادة التوتر مع الحلفاء، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الإستراتيجية مع الصين.
ويرى نائب رئيس المجلس الأطلسي، ماثيو كرينغ، أن بكين حاولت استغلال الحروب التجارية لتعزيز نفوذها الاقتصادي، وحققت بعض المكاسب، خاصة في دول الجنوب، لكنه يؤكد أن حلفاء واشنطن يدركون مخاطر الاعتماد الاقتصادي الكبير على الصين، ولذلك اتجهوا إلى تقليل تلك المخاطر وتعزيز أمن سلاسل التوريد، لا سيما في القطاعات الحيوية مثل الذكاء الاصطناعي.
ورغم استمرار متانة العلاقات الأمريكية مع حلفائها، يشير التقرير إلى أن تقلبات السياسة الأمريكية أثارت تساؤلات متزايدة بشأن أولويات واشنطن الإستراتيجية، ولا سيما بعد الحرب على إيران، التي أعادت فتح النقاش حول طبيعة الحضور العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
ويعتقد رئيس مجلس إدارة مجلس سياسات الشرق الأوسط، ريتشارد شميرر، أن العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج ستظل قوية، لكنها ستتكيف مع المتغيرات الجديدة، متوقعا أن تسعى إيران إلى بناء علاقات تقوم على عدم الاعتداء مع دول الخليج، في حين قد تميل واشنطن إلى تقليص انتشارها العسكري المباشر والاعتماد على التموضع من مسافات أبعد.
ويخلص التقرير إلى أن التحولات التي تشهدها القيادة الأمريكية ليست مجرد سبب في إعادة تشكيل النظام الدولي، بل هي أيضا نتيجة لتغير موازين القوى العالمية. وفي ظل هذه المعادلة الجديدة، تبدو إدارة ترمب أكثر ميلا إلى إدارة العلاقات الدولية بمنطق الصفقات وحماية المصالح الوطنية، بدلا من الاستمرار في تحمل أعباء القيادة الأحادية للعالم مهما بلغت تكلفتها.
المصدر:
الجزيرة