آخر الأخبار

كيف ولد نهر الفرات؟ قصة أعجوبة جيولوجية عمرها ملايين السنين

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل ملايين السنين من ظهور أولى المدن في بلاد الرافدين، كان نهر الفرات الذي نعرفه اليوم مختلفا تماما؛ إذ لم يكن للنهر مجرى واحد يعبر تركيا وسوريا والعراق نحو الخليج العربي، بل كان – وفق دراسة جديدة – نظامين نهريين منفصلين يصبان في البحر المتوسط الشرقي، في وقت كانت فيه مياه المتوسط نفسها تمر بواحدة من أكثر الفترات تقلبا في تاريخ الأرض.

تقترح الدراسة التي نشرت يوم 1 يونيو/حزيران في مجلة نيتشر جيوساينس (Nature Geoscience)، أن الفرات الحديث لم يولد بصورته الحالية، بل تشكل عبر سلسلة طويلة من التحولات التكتونية، وارتفاع اليابسة، وحركة الصدوع والزلازل، التي أعادت رسم شبكة الأنهار في المنطقة على مدى ملايين السنين.

لسنوات، اختلف العلماء حول مسار نهر الفرات، الذي ارتبط اسمه الممتد لنحو 3 آلاف كيلومتر، بنشأة الزراعة والمدن الأولى في الهلال الخصيب. دارت التصورات حول: هل كان ينتهي في بحيرات داخل الأناضول؟ أم كان يصل إلى البحر المتوسط؟ أم أنه كان يتجه جنوبا نحو شبه الجزيرة العربية؟

مصدر الصورة اختلف العلماء حول مسار نهر الفرات (الجزيرة)

نهران قديمان في زمن جفاف المتوسط

للإجابة عن هذا اللغز، استخدم فريق البحث بيانات زلزالية بحرية عالية الدقة، وخرائط طبوغرافية، ونماذج حاسوبية لإعادة بناء المشهد الجغرافي القديم للمنطقة.

وركز الباحثون على تراكمات رسوبية ضخمة مدفونة تحت قاع البحر المتوسط الشرقي، تشكلت خلال فترة تعرف باسم أزمة الملوحة المسينية (Messinian Salinity Crisis)، وهي مرحلة وقعت بين 5.97 و5.33 ملايين سنة مضت، عندما انخفض مستوى مياه البحر المتوسط بصورة هائلة بعد تراجع اتصاله بالمحيط الأطلسي، وتراكمت في قاعه كميات ضخمة من الأملاح.

كانت هذه الأزمة واحدة من أكثر الأحداث الجيولوجية تطرفا في تاريخ البحر المتوسط؛ فبدلا من بحر واسع كما نعرفه اليوم، تحولت أجزاء كبيرة من حوض المتوسط إلى مناطق منخفضة شديدة الجفاف، تتلقى المياه والرواسب من الأنهار المحيطة بها.

إعلان

ومن خلال تحليل الرواسب القديمة المدفونة هناك، توصل الباحثون إلى أن الفرات القديم لم يكن نهرا واحدا، بل نظامين نهريين كبيرين أطلقوا عليهما اسم "باليو-كاراسو" و"باليو- مرات"، أي كاراسو القديم ومرات القديم. وكان هذان النهران يجريان من الأناضول باتجاه الجنوب الغربي، ليصبا في حوض البحر المتوسط الشرقي، الذي كان قد فقد جزءا كبيرا من مياهه في ذلك الوقت.

يقول عبد الله ذكي، الباحث المشارك في الدراسة، وباحث ما بعد الدكتوراه في علوم الأرض في جامعة تكساس في أوستن: "الأمر الأكثر دهشة بالنسبة لنا كان توصلنا إلى أن النظام النهري للفرات كان يصب في البحر المتوسط وليس الخليج العربي"

ويشير ذكي في تصريحات للجزيرة نت، إلى أن مع استمرار النشاط التكتوني في شرق الأناضول، بدأت الأرض ترتفع تدريجيا، وأعادت الصدوع النشطة تشكيل التضاريس.

ونتيجة لذلك، تغيرت اتجاهات الجريان أكثر من مرة. إذ انحرف أحد النهرين أولا نحو الشرق خلال العصر البليوسيني المبكر، ثم تبعه النهر الآخر بعد ذلك بملايين السنين، قبل أن يندمجا تدريجيا ليشكلا النواة الأولى لنهر الفرات الحديث.

وبحسب الدراسة، لم يبدأ الفرات في الاستقرار على مساره القريب من صورته الحالية إلا قبل نحو 1.6 مليون سنة فقط، أي حديثا نسبيا بمقاييس الزمن الجيولوجي.

قوى جيولوجية صنعت لاحقا أرض الحضارات

توضح الدراسة أن هذه التحولات لم تكن مجرد تفاصيل جيولوجية بعيدة عن حياة البشر، بل ربما كان لها أثر عميق في تشكيل واحد من أهم الأقاليم الزراعية في التاريخ. إذ إن إعادة توجيه الأنهار نحو الشرق ساعدت على بناء السهول الرسوبية الواسعة التي أصبحت لاحقا جزءا من الهلال الخصيب، وهي المنطقة التي شهدت بدايات الزراعة المنظمة والاستقرار البشري وظهور المدن الأولى.

يشير الباحثون إلى أن الأنهار القديمة كانت تحمل كميات هائلة من المياه، رغم أن الفترة نفسها تعد من أكثر الفترات جفافا في تاريخ البحر المتوسط. إذ أظهرت النماذج أن حجم التصريف المائي للنهرين القديمين ربما تجاوز مجموع التصريف الحالي لأنظمة النيل والفرات ودجلة مجتمعة.

ويرى الفريق أن هذا يشير إلى أن أجزاء من الأناضول كانت أكثر رطوبة ووعورة مما هي عليه اليوم، وأن معدلات الأمطار أو الفيضانات كانت أعلى بكثير من بعض التقديرات السابقة.

كما كشفت إعادة البناء الجغرافي أن الفرات القديم اقترب بصورة غير مسبوقة من نهر النيل القديم خلال أزمة الملوحة المسينية.

ففي إحدى المراحل، لم تكن المسافة الفاصلة بين النظامين النهريين تتجاوز نحو 25 كيلومترا فقط، وهو ما قد يمثل أقرب اقتراب معروف بينهما في تاريخ الأرض.

لا تعني هذه النتيجة أن النيل والفرات كانا نهرا واحدا، لكنها تكشف أن المشهد الجغرافي للمنطقة كان مختلفا جذريا عما نعرفه اليوم، وأن الأحواض النهرية الكبرى كانت تتحرك وتتغير مع تغير مستوى البحر وحركة القشرة الأرضية.

ويعتقد الباحثون أن الانخفاض الحاد في مستوى البحر المتوسط آنذاك أدى إلى تعميق الأودية، وتسريع تعرية الصخور، ونقل كميات ضخمة من الرواسب نحو الأحواض المنخفضة. كما يرجحون أن بعض هذه الرواسب العملاقة ربما تكونت نتيجة فيضانات كارثية، قد تكون نجمت عن انهيار بحيرات مرتفعة في الأناضول.

فرضية قوية تحتاج إلى أدلة إضافية

رغم أهمية النتائج، يؤكد مؤلفو الدراسة أن عملهم لا يخلو من القيود، فإعادة بناء مسارات أنهار اختفت منذ ملايين السنين تعتمد بدرجة كبيرة على تفسير التضاريس الحالية والبيانات الزلزالية، وليس على أدلة ميدانية مباشرة من كل جزء من أجزاء النهر القديم.

إعلان

كما استخدم الباحثون معدلات حركة الصدوع الحالية لتقدير أعمار بعض التحولات القديمة، وهو افتراض قد لا يعكس بدقة كل ما حدث عبر الزمن الجيولوجي الطويل، لأن سرعة حركة الصدوع قد تتغير من فترة إلى أخرى.

كذلك تعتمد بعض الاستنتاجات على نماذج رياضية لتقدير التصريف النهري وأحجام الأحواض القديمة، ما يضيف هامشا من عدم اليقين إلى النتائج.

ولذلك يشير الباحثون إلى أن دراسات مستقبلية تشمل مزيدا من البيانات الرسوبية، وتحليل اتجاهات الجريان القديمة، وفحص المعادن والرواسب المنقولة، ستكون ضرورية لاختبار الفرضية بصورة أكثر تفصيلا، ومعرفة ما إذا كانت الصورة المقترحة لمسار الفرات القديم ستصمد أمام الأدلة الجديدة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا