آخر الأخبار

من الكونغرس إلى تل أبيب.. لبنان "الإسفين" الذي يهز عروش التحالفات

شارك

من بيروت 1982 إلى بيروت 2026، تتكرر القصة ذاتها تقريبا: رئيس أمريكي غاضب، ورئيس وزراء إسرائيلي ماضٍ في الحرب، وعاصمة لبن انية تدفع الثمن.

لكن ما كان قبل 4 عقود أزمة بين الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، عاد اليوم في صورة مواجهة بين الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما هدد التصعيد الإسرائيلي في لبنان بإفشال حسابات واشنطن الإقليمية وإرباك مفاوضاتها مع إيران.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 نتنياهو يهاتف ترمب لبحث ملفي لبنان وإيران
* list 2 of 4 علاقة ترمب ونتنياهو بين التبعية وتوزيع الأدوار
* list 3 of 4 المستنقع اللبناني.. إسرائيل تعود إلى "فخ" تاريخي للمرة الخامسة
* list 4 of 4 إسرائيل تصعد غاراتها على الجنوب اللبناني end of list

وبين ضغوط البيت الأبيض وحسابات تل أبيب وإستراتيجية طهران، تبدو المنطقة وكأنها تعيد فتح فصل قديم لم يُغلق قط.

مصدر الصورة رونالد ريغان و مناحيم بيغن في مكالمة عام 1982 (وكالات)

انقسام أمريكي حول حرب لبنان

وفي لحظة تعكس حجم التوتر المتصاعد بين واشنطن وتل أبيب، كشفت تقارير صحفية أمريكية عن خلاف حاد بين ترمب ونتنياهو على خلفية العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مسار تفاوضي أوسع مع إيران.

وفي تقرير لمراسله أندرو سوليندر، أفاد موقع أكسيوس الإخباري أن قاعة مجلس النواب الأمريكي شهدت في جلسة يوم الأربعاء، مواجهات كلامية عاصفة أثارت انقساما حادا داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، بسبب مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الحرب في لبنان.

وفي تلك الجلسة، تعرض ترمب لهزيمة نادرة بعد أن أقر مجلس النواب للمرة الأولى قرارا يقضي بوقف الحرب على إيران، والحدّ من صلاحيات ترمب في مواصلتها، كما يطالب بسحب القوات الأمريكية.

وفي تفاصيل ما حدث في تلك الجلسة، أوضح موقع أكسيوس أن التوترات وصلت إلى ذروتها عندما قادت النائبة الديمقراطية رشيدة طليب تحركا برلمانيا للتصويت بالقوة على تفويض يحد من التدخل العسكري الأمريكي في لبنان، مما أثار غضب النواب المحافظين والمعتدلين الذين اعتبروا الخطوة تقويضا للعمليات الأمريكية الجارية لدعم الاستقرار وحماية البعثات الدبلوماسية.

مصدر الصورة رشيدة طليب قادت تحركا للتصويت على مشروع قانون يحد من صلاحيات ترمب لخوض حرب في لبنان (أسوشيتدبرس)

وتطورت النقاشات إلى تبادل الاتهامات، مما أدى إلى شلل مؤقت في جلسة المجلس لأكثر من ساعة، لا سيما بعد المواجهة المباشرة بين النائبة طليب والنائب الجمهوري ماكس ميلر، الذي وجه انتقادات لاذعة وحادة لها أدت إلى مطالبة الأخيرة بحذف كلماته من السجل الرسمي للكونغرس.

إعلان

وأشار الموقع إلى أن مجلس النواب استجاب لطلب النائبة الديمقراطية وحذف كلمات ميلر من السجل، ومع ذلك أصر العضو الجمهوري في بيان أُلحق بالسجل على موقفه قائلا "نعم لقد قلتها، وأنا أتحمل مسؤوليتها وأتمسك بها".

ووفقا لتقرير أكسيوس وصحيفة ذا هيل، فإن ترمب أجرى خلال الأسبوع اتصالين متوترين مع نتنياهو طالب خلالهما بوقف عملية عسكرية إسرائيلية واسعة كانت تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله.

وأكد ترمب لاحقا في مقابلة مع صحيفة نيويورك بوست، أنه كان "منزعجا" من استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وقال إنه أبلغ نتنياهو بوضوح قائلا "علينا أن نوقف هذا الأمر".

مصدر الصورة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (يمين) وصف نتنياهن وصف نتنياهو بأنه "مجنون" (الفرنسية)

وذكر الموقع الإخباري أن ترمب استخدم لغة أكثر حدة خلال المكالمة، إذ وصف نتنياهو بأنه "مجنون" بسبب إصراره على توسيع الهجوم، مضيفا أن "الجميع يكرهون إسرائيل بسبب ذلك".

وبعد ساعات من الاتصال، تراجعت إسرائيل عن تنفيذ الغارة الكبرى التي كانت تخطط لها في بيروت.

المعادلة المعقدة

من زاوية أخرى، ركزت صحيفة ذا هيل في تقريرها على الكيفية التي تدير بها إيران هذا الصراع، معتبرة أن طهران نجحت في تحويل الساحة اللبنانية إلى أداة ضغط قوية في محادثات السلام والمفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة.

وأشار التقرير إلى أن طهران تعمدت ربط ملف التهدئة في لبنان بمسارات تفاوضية أخرى تشمل إعادة فتح مضيق هرمز -الذي يمر عبره خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز وتسبب إغلاقه في قفزات حادة بأسعار الوقود عالميا- بالإضافة إلى ملف برنامجها النووي.

ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تأكيده أمام الكونغرس أن واشنطن تبذل جهودا حثيثة للفصل بين المسار اللبناني الإسرائيلي وملف إيران، إلا أن طهران تحاول باستمرار دمج الأوراق معا لتحقيق مكاسب إستراتيجية.

وأكد روبيو أن الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية "تستطيعان التوصل إلى اتفاق سلام غداً"، معتبرا أن العقبة الأساسية تتمثل في وجود حزب الله ونفوذه العسكري والسياسي داخل لبنان.

ويرى المسؤولون الأمريكيون أن التراجع الإسرائيلي عن ضرب بيروت بضغط من ترمب يُعد "مكسباً" لإيران، التي اشترطت وقف التصعيد ضد حليفها الأساسي حزب الله للمضي قدما في أي تفاهمات بحرية أو اقتصادية.

ورغم إعلان التوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية مشروط بانسحاب مقاتلي حزب الله إلى شمال نهر الليطاني والكف عن شن هجماته على إسرائيل، فإن الخبراء ينظرون إلى الساحة اللبنانية بوصفها برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة.

وتبرز هنا معضلة تمكين الدولة اللبنانية، فحين تطالب أطراف داخل إسرائيل، مثل ساريت زهافي رئيسة مركز ألما للأبحاث، بمنح الجيش الإسرائيلي حرية العمل العسكري للقضاء التام على البنية التحتية لحزب الله، ترى الإدارة الأمريكية -حسب ذا هيل- أن الحل المستدام يكمن في تقوية المؤسسات الشرعية اللبنانية.

مصدر الصورة صورة مركبة لرونالد ريغان (يمين) ودونالد ترامب (غيتي إيميجيز)

التاريخ يعيد نفسه

وفي تحليل رصين لتطورات المشهد الماثل في الشرق الأوسط، تناولت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية تفاصيل المكالمة التي جرت بين ترمب ونتنياهو يوم الاثنين الماضي، وأعادت إلى الأذهان واحدة من أشهر المواجهات الأميركية الإسرائيلية خلال حرب لبنان عام 1982.

إعلان

وأشارت الصحيفة إلى أن أوجه التشابه الصارخة بين الهجوم العسكري الإسرائيلي الحالي على لبنان وما حدث في الغزو الشهير عام 1982، تمثلت في رئيس أمريكي غاضب، وعاصمة لبنانية مهددة، ورئيس وزراء إسرائيلي يواجه ضغوطا داخلية، لكنه يضطر في النهاية إلى الاستجابة للمطالب الأمريكية، كما أن المفاوضات الدبلوماسية كانت في الحالتين مهددة بالانهيار بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وأوضحت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي رونالد ريغان أجرى اتصالا غاضبا برئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في أغسطس/آب 1982، عندما كانت قواته تقصف بيروت الغربية لملاحقة منظمة التحرير الفلسطينية ، مما تسبب في سقوط مئات الضحايا من المدنيين.

وكتب ريغان لاحقا في مذكراته أنه أبلغ بيغن بأن القصف "يجب أن يتوقف فورا وإلا فإن مستقبل العلاقة بين البلدين سيكون في خطر".

وذكرت فايننشال تايمز في تقريرها أن ريغان استخدم كلمة "الهولوكوست" (المحرقة) عمدا خلال المكالمة وأخبره أن صورة الطفل الرضيع البالغ من العمر 7 أشهر الذي بُترت ذراعاه خلال القصف، باتت "رمزا" لحربه على لبنان، وبعد نحو نصف ساعة فقط من ذلك الاتصال، توقف القصف الإسرائيلي.

ما يجري اليوم ليس تكرارا للتاريخ بقدر ما هو كارثة مستمرة لا نستطيع الخروج منها، فنحن نعود دائما إلى الأماكن نفسها ونفعل الأشياء نفسها مرة بعد أخرى، فإذا تعذر الحل العسكري فلا مناص من تسوية دبلوماسية

بواسطة المخرج الإسرائيلي جوزيف سيدار

ولفتت الصحيفة البريطانية إلى ملمح إستراتيجي بالغ الأهمية، مشيرة إلى أن "رضوخ نتنياهو المهين" لمطالب ترمب جعلته في مرمى هجمات السياسيين من اليسار واليمين على حد سواء في إسرائيل.

فعلى الرغم من أن إسرائيل في عهد بيغن غزت لبنان دون موافقة أمريكية واضحة، فإن العلاقات تطورت اليوم لدرجة جعلت ضابط الاستخبارات السابق شموئيل بار، يحذر قائلا "نحن نعيش وضعا فريدا من نوعه. الناس يتحدثون عن أن إسرائيل لم تعد دولة مستقلة، بل دولة تابعة للولايات المتحدة".

ومضت الصحيفة إلى القول إن استيلاء الجيش الإسرائيلي مجددا على قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان أعاد إلى الذاكرة حرب 1982 والاحتلال الإسرائيلي الذي استمر 18 عاما وانتهى بالانسحاب عام 2000.

ونقلت الصحيفة عن المخرج الإسرائيلي جوزيف سيدار قوله إن ما يجري اليوم ليس "تكرارا للتاريخ" بقدر ما هو "كارثة مستمرة لا نستطيع الخروج منها"، مضيفا "نعود دائما إلى الأماكن نفسها ونفعل الأشياء نفسها مرة بعد أخرى"، قبل أن يؤكد أنه "إذا لم يكن هناك حل عسكري لهذه الأزمة، فليس أمامنا خيار سوى التوصل إلى تسوية دبلوماسية".

وفي محصلة هذه التحليلات والتقارير، يمكن القول إن الأمر لا يتعلق فقط بخلاف عابر بين ترمب ونتنياهو أو بجولة جديدة من القتال بين إسرائيل وحزب الله، لأن المشهد الأوسع يكشف عن منطقة ما زالت أسيرة صراعاتها القديمة، حيث تعود الأسماء والأماكن نفسها إلى الواجهة جيلا بعد جيل.

وبينما تتردد أصداء مكالمات الغضب بين البيت الأبيض وتل أبيب، يبقى السؤال الذي لم يجد جوابا منذ حرب لبنان الأولى: هل تستطيع القوة العسكرية فرض الاستقرار، أم أن المنطقة محكومة بإعادة إنتاج أزماتها مرة بعد أخرى؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا