آخر الأخبار

الجيش التونسي بين الحياد والسياسة.. لماذا عاد الجدل الآن؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عند صعوده إلى السلطة لم يرتدِ الرئيس التونسي قيس سعيد بزة عسكرية لكنه ظهر بشكل متكرر في ثكنات وسط قيادات الجيش والجنود، وحرص على الاحتفال معهم في المناسبات الوطنية وخلال إفطار رمضان، وإحياء الذاكرة وتكريم الجرحى والضحايا من المؤسستين الأمنية والعسكرية.

لكن العلاقة لم تكن مجرد تقيد بالبروتوكولات، فمنذ أن وسّع الرئيس سعيد من صلاحياته في الحكم بعد إعلانه التدابير الاستثنائية في 25 يوليو/تموز 2021، ظهر الجيش التونسي كداعم لجهود السلطة، ليتقمص أدوارا مختلفة وغير مألوفة عن أدواره التقليدية ومن بينها:

اقرأ أيضا

list of 1 item
* list 1 of 1 تونس المستحيلة وتونس الممكنة end of list
* ساعد عبر مؤسسة الهندسة العسكرية في ترميم وتهيئة منشآت وساحات عمومية.
* قام بالإشراف على إنجاز مدينة صحية عقب أمر رئاسي بتكليف مؤسسة الصحة العسكرية.
* تكفل الجيش بإدارة جزء كبير من الأزمة الصحية المرتبطة بجائحة كورونا.
* قام بالتأمين اللوجيستي للانتخابات البرلمانية في عام 2022 والرئاسية في عام 2024. مصدر الصورة الجيش التونسي شارك في تأمين انتخابات 2024 (الفرنسية)

سجال متكرر

وفي الواقع فإن الاهتمام المتزايد بالجيش يعود حتى إلى سنوات قبل تولي سعيد الحكم، حيث زادت الحكومات، التي تعاقبت على السلطة منذ نهاية حكم زين العابدين بن علي في عام 2011، بشكل مطرد الميزانية المخصصة للدفاع في إطار خطة لتعزيز مكافحة الإرهاب.

وقد زاد حضور الجيش أكثر بعد عام 2019، مع دعم واضح للرئيس سعيد لقواته، بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة. لكن خلف هذا الدعم لماذا تضطر المؤسسة العسكرية إلى التذكير في كل مرة بأنها مؤسسة محايدة ملتزمة بقوانين الدولة والعقيدة العسكرية، وأنها فوق السجالات السياسية المشككة في استقلاليتها؟

لماذا هذا السجال المتواتر والحال أن الجيش في تونس عُرف على مدى عقود أنه مؤسسة متوارية عن السلطة ومؤسسات الحكم المدنية؟

مصدر الصورة الرئيس قيس سعيد يرأس مجلسا للأمن القومي بحضور قيادات من الجيش في 2022 (وكالة الأناضول)

ومساء أمس الخميس، أكدت وزارة الدفاع التونسية التزام المؤسسة العسكرية بالحياد واحترام قوانين الدولة، في ظل ما قالت إنها "محاولات متكررة للزج بها وبقياداتها في التجاذبات والمزايدات".

إعلان

وقالت الوزارة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، إن "الجيش الوطني هو جيش جمهوري قائم على الانضباط ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، في التزام تام بالحياد واحترام لقوانين الدولة والتراتيب العسكرية".

وأضافت أن ذلك يأتي ردا على ما وصفته بـ"تواتر محاولات الزج بالمؤسسة العسكرية وبقياداتها في التجاذبات والمزايدات، والتشكيك في حيادها واستقلاليتها".

وقد جاء البيان "النادر"، دون الإشارة بشكل واضح إلى الأسباب المباشرة للسجال أو مصدره، لكن التحليلات ذهبت إلى ربطه بما بدر من تعليقات من المعارضة وسط سياق يسوده تململ اجتماعي وترنح للوضع الاقتصادي الصعب.

دور مقيد خلف الثكنات

وتاريخيا، لا يملك الجيش في تونس تقليديا سجلا مؤثرا في السلطة السياسية، فمنذ بناء دولة الاستقلال بداية من خمسينيات القرن الماضي أبقت مؤسسات الحكم الوليدة الجنود خلف جدران الثكنات مع دور مقيد، ولم يُدفع بهم إلى الشوارع إلا في حالات نادرة، من بينها الكوارث الطبيعية المرتبطة بالفيضانات أو لإخماد احتجاجات خرجت عن السيطرة، أبرزها مواجهة السلطة مع الاتحاد العام التونسي للشغل في يناير/كانون الثاني 1978 أو خلال "ثورة الخبز" بين عامي 1983 و1984.

ويقدم الجيش نفسه كمؤسسة جمهورية محايدة، مستشهدا بحمايته للمؤسسات والأمن العام بعد حالة الانفلات التي أعقبت ثورة عام 2011 وسقوط حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي في ثورة شعبية، بدليل أنه لم يستولِ على السلطة.

لكن المؤسسة ذاتها واجهت انتقادات من المعارضة لإحجامها عن حماية دستور عام 2014 الذي صدر في فترة الانتقال الديمقراطي، وعدم التدخل ضد قرار الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو/تموز 2021 بتجميد أعمال برلمان منتخب وإعلان التدابير الاستثنائية في البلاد وحل هيئات دستورية لاحقا.

وقال الخبير التونسي رضوان المصمودي رئيس "مركز دراسات الإسلام والديمقراطية" -ومقره ب واشنطن– إن القوات المسلحة التونسية هي الجيش الوحيد في العالم العربي الذي لم يشارك قط في الشؤون السياسية أو الاقتصادية المحلية.

وأوضح في مقال كتبه بمجلة "فورين بوليسي" في سبتمبر/أيلول 2021 (بعد أشهر قليلة من إجراءات سعيد) أن دستور عام 2014 حدّد بوضوح دور الجيش بدعم السلطات المدنية مع الحياد التام، لكن ذلك تم انتهاكه في 25 يوليو/تموز، عندما نفذ جنود برفقة دبابات عسكرية أمر الرئيس التونسي بإغلاق مكتب رئيس الوزراء هشام المشيشي وكل مجلس النواب، ومنع أعضائه المنتخبين من دخول وإدارة شؤون الشعب.

ووصف المصمودي ذلك بأنه المرة الأولى في تاريخ تونس الحديث التي ينخرط فيها الجيش في الشؤون السياسية.

وركزت الانتقادات لاحقا على خطوات تعتبرها المعارضة مناقضة لمعايير الحيادية وخصائص الجيش الجمهوري، من بينها:


* استخدام الجيش لتطويق البرلمان ومنع النواب من الدخول إليه، بما يحمله ذلك من رمزية لطبيعة الحكم.
* مظاهر العسكرة في الشوارع، مع اعتماد السلطة التنفيذية على المؤسستين العسكرية والأمنية لفرض الإجراءات الاستثنائية.
* توسع اختصاص المحاكم العسكرية لمحاكمة مدنيين ومنتقدين للسلطة والجيش.
إعلان

وينظر أنصار الرئيس قيس سعيد إلى هذه الخطوات على أنها ضرورية وأن الجيش نفذ "أوامر دستورية" لحماية الدولة من الفوضى والتفكك والفساد.

لكن هل هذا يعني توافقا مع مفهوم الحياد الذي يقر به الجيش التونسي مرارا في عقيدته العسكرية؟

يوضح الخبير أيمن البوغانمي الباحث في العلوم السياسية بجامعة القيروان، في بودكاست نُشر بتاريخ 14 سبتمبر/أيلول 2022 على شبكة الجزيرة، أن الجيش يتميز بطبيعته بالغموض والصمت ولكنه في الوقت نفسه هو مؤسسة سياسية بامتياز لأنه يحتكر شيئين أساسيين، هما المعلومة الإستراتيجية والقوة الحاسمة، مما يضع مسألة الحياد في مفهومه العام على المحك.

وعلى العكس من ذلك، فإنه يُقصد بـ"الحياد" العملي، وفق الخبير، ألا يكون الجيش في صدارة المشهد السياسي، وألا يكون صاحب الصوت الحاسم في القرار السياسي، وهي معادلة كما يراها الباحث، تغيرت نسبيا بعد عام 2011 لكنها لا تنفي خضوع القادة العسكريين إلى السلطة السياسية والقائد الأعلى للقوات المسلحة وهي الأعراف الموروثة في تونس.

ويوضح البوغانمي للجزيرة أن "هذه الأعراف ليست ديمقراطية وكان يُفترض أن يقتنع الجيش بأنه لا ينبغي الخضوع للقيادة المدنية وبأن لا تستغله ضد سلطة أخرى. لكن حصل هذا لمحدودية معيار التجربة الديمقراطية في التجربة التونسية".

وينقل تقرير سابق (بتاريخ 5 أغسطس/آب 2021) نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية عن مسؤول عسكري متقاعد في تلك الفترة، لم تسمه، اعترافه بأن قرارات الرئيس سعيد قوبلت ببعض الارتياح في صفوف القوات العسكرية والعديد من السكان، ولكن "على الرغم من ذلك، فإن القلق ساد بعض الأوساط بسبب جمع كل السلطات في يد الرئيس"، وهو قلق عبّرت عنه بوضوح أحزاب معارضة وشخصيات سياسية، في تعليقات لم تخلُ من لوم مبطن إلى الجيش.

دور محتمل للجيش؟

بالعودة إلى البيان الصادر أمس الخميس، ومع أن وزارة الدفاع لم تذكر حادثة بعينها دفعتها إلى إصدار بيان جديد متوتر، فإنه لا يمكن إغفال أن التحرك يأتي بعد أسبوع من تصريحات مباشرة للرئيس السابق المعارض المنصف المرزوقي الموجود خارج البلاد، حول دور محتمل للجيش في المرحلة المقبلة، بما في ذلك الدفع بشخصية عسكرية بديلة للرئيس الحالي لتأمين انتقال سياسي نحو حقبة جديدة من الحكم.

مصدر الصورة الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي حذر من تفاقم خطير للوضع في تونس تحت حكم قيس سعيد (غيتي إيميجز)

وينظر المرزوقي إلى هذه الإمكانية من بين احتمالات أخرى بسبب ما يراه "تفاقما خطيرا للوضع في تونس"، لا تستثني منه في تقديره احتمال اندلاع احتجاجات جديدة شبيهة بتلك التي أشعلها بائع الخضار المتجول محمد البوعزيزي في عام 2010، والتي أدت في نهاية المطاف إلى انهيار نظام زين العابدين بن علي في عام 2011.

لكن تحرك وزارة الدفاع في تقدير كثيرين لا يمكن فصله أيضا عن سياق عام تعيشه تونس بسبب انحسار كبير لأنشطة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وما يُعبِّر عنه اختفاء تدريجي "للأجسام الوسيطة" منذ توسيع الرئيس قيس سعيد لصلاحياته في الحكم.

ويتلخص هذا السياق أساسا في:


* زيادة كبيرة في الأسعار وارتفاع في كلفة المعيشة أثرت على القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من التونسيين أدت إلى احتجاجات في الشارع.
* اعتقالات في صفوف المعارضة والنشطاء والمحامين والصحفيين.
* توقيف أو تعليق أنشطة منظمات من المجتمع المدني بدعوى التدقيق في مصادر التمويل الخارجي.
* ارتفاع أعداد المغادرين لتونس لسياسيين ومعارضين، وأيضا كفاءات في قطاعات حيوية مثل الطب والهندسة.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي أحمد الغيلوفي للجزيرة في برنامج "ما وراء الخبر" بتاريخ 16 مايو/أيار 2026، على قناة الجزيرة، إن المشهد الحقوقي في تونس "قاتم" ويتجه نحو مزيد من الانغلاق، معتبرا أن طبيعة النظام السياسي الحالي تجعل كل السلطات متمركزة بيد مؤسسة الرئاسة، بما أفقد المؤسسات الأخرى قدرتها على أداء دورها الرقابي أو التوازني.

إعلان

ويربط الغيلوفي -في تحليله- بين تصاعد قرارات الإيقاف والتعليق وبين ما وصفه بمحاولة تطويق كل الأجسام الوسيطة، سواء أكانت أحزابا أو نقابات أو جمعيات مدنية، مشيرا إلى أن البلاد "تستيقظ يوميا" على قرار جديد يتعلق بالإغلاق أو التوقيف أو الملاحقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا