حين أعلن الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، من على منصة في باريس، أنه "لا وجود لشيء اسمه شعب فلسطيني"، لم تكن العبارة زلة لسان في سجال عابر، بل تكثيفا فجا لمنهج سياسي لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يلاحق أصحابها في سجلهم وذاكرتهم وحقهم في تعريف أنفسهم.
فالمحو، في الحالة الفلسطينية، لا يبدأ من لحظة القصف، ولا يكتمل بالتهجير وحده. يبدأ حين ينازع الفلسطيني على اسمه، ثم على تاريخه، ثم على الوثيقة التي تثبت جذوره، ثم على اللغة التي تصف ما جرى له بوصفه اقتلاعا لا "نزاعا"، واحتلالا لا "تعقيدا سياسيا"، وجريمة قابلة للمساءلة لا مأساة سائبة بلا فاعل.
من هذه الزاوية، تلتقي مواد نشرتها وسائل إعلام بريطانية عند خط واحد من خطوط المواجهة: فالهوية الفلسطينية ليست ميراثا ثقافيا يستدعى عند الحاجة، بل ميدان صراع مفتوح؛ على الوثيقة التي تحفظ الأصل، وعلى الشاهد الذي يطالب بالإنصاف، وعلى اللغة التي تصر على تسمية الاحتلال باسمه، وترفض أن يتحول اقتلاع شعب كامل إلى قصة بلا جذور، أو ذاكرة بلا دليل، أو مظلمة بلا مسؤول.
تكشف صحيفة الغارديان تفاصيل عملية سرية استمرت 10 أشهر لإنقاذ ملايين الوثائق التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( أونروا). لم تكن تلك الوثائق مجرد سجلات إدارية؛ بل حملت بطاقات تسجيل أصلية للاجئين، وشهادات ميلاد وزواج ووفاة، ومواد توثق أصول عائلات فلسطينية هُجّرت من قراها ومدنها عام 1948.
ولهذا قال مسؤول في أونروا إن تدميرها كان سيكون "كارثيا"، لأنها قد تمثل الدليل الوحيد الذي يثبت أن فلسطينيين عاشوا يوما في أماكن محددة قبل اقتلاعهم منها. هنا يصبح الأرشيف سجلا مضادا للمحو، لا ذاكرة محفوظة في صناديق فحسب؛ ويصبح إنقاذه جزءا من معركة أوسع على حق الفلسطيني في أن يُعرّف نفسه من خلال تاريخه، لا من خلال اللجوء وحده.
وقد جرى تهريب الوثائق من غزة في ظروف شديدة الخطورة، بعد عودة موظفين إلى مجمع أونروا في مدينة غزة تحت القصف، ثم نقلها إلى رفح، ومنها تدريجيا إلى مصر والأردن. أما وثائق القدس الشرقية فنُقلت سرا بعدما اشتدت الضغوط الإسرائيلية على أونروا وتزايدت الهجمات على مقرها، قبل أن تمنع قوانين إسرائيلية جديدة الوكالة من العمل داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في يناير/كانون الثاني 2025.
وللمفارقة، فإن خروج الأرشيف من فلسطين كان شرطا لحمايته. ففي عمان بدأت عملية واسعة لرقمنة نحو 30 مليون وثيقة، بما يتيح لاحقا لكل لاجئ فلسطيني الوصول إلى شجرة عائلته ووثائقها، وبناء خرائط توثق أنماط التهجير عام 1948. إنها ذاكرة تُنقل من مكانها كي لا تُمحى، لكنها تبقى مشدودة إلى المكان الذي انتُزعت منه.
وينقل تقرير آخر في الغارديان المعركة من الأرشيف إلى القانون؛ فقد علّق قاض فيدرالي أمريكي العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب على فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، معتبرا أن الإدارة سعت على الأرجح إلى معاقبتها بسبب مضمون خطابها.
وكانت ألبانيز قد انتقدت حرب إسرائيل على غزة، ودعت المحكمة الجنائية الدولية إلى النظر في ملاحقات تتعلق بجرائم حرب قد تطال إسرائيليين وأمريكيين. وبحسب التقرير، منعتها العقوبات من دخول الولايات المتحدة ومن استخدام النظام المصرفي فيها، قبل أن يرى القاضي أن ما فعلته لا يتجاوز التعبير عن رأي غير ملزم.
هذا التفصيل القانوني يكشف بعدا أوسع؛ فالصراع على فلسطين لا يتوقف عند منع الرواية التاريخية من البقاء، بل يمتد إلى منعها من التحول إلى مساءلة. فإذا كان الأرشيف يثبت جذور الاقتلاع، فإن القانون يطرح السؤال التالي: من يتحمل المسؤولية؟ ومن يملك حق تسمية الجرائم والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها؟
أما تقرير صحيفة آي بيبر البريطانية عن دخول الأمير هاري على خط النقاش البريطاني حول غزة ومعاداة السامية، فيضيء ساحة ثالثة: المجال العام الغربي، حيث ظل الحديث عن فلسطين محاطا بحذر شديد، ومهددا في كل لحظة بالخلط بين نقد الدولة الإسرائيلية والعداء لليهود كجماعة دينية أو إثنية.
يشير التقرير إلى أن هاري دخل السجال الفلسطيني الإسرائيلي مشددا على خطورة تصاعد معاداة السامية في بريطانيا، لكنه أكد أيضا مشروعية الاحتجاج على أفعال الدول، وضرورة عدم إسكات النقد الموجه إلى سياسات تثير أسئلة جدية بموجب القانون الإنساني الدولي. كما لفت إلى القلق "العميق والمبرر" إزاء حجم الخسائر في غزة ولبنان، داعيا إلى توجيه الغضب نحو الدولة لا نحو شعب أو دين كامل.
غير أن اللافت، كما يورد التقرير، أنه تحدث عن "الدولة" دون أن يسمي إسرائيل صراحة. وهذا الغياب ليس تفصيلا لغويا بسيطا؛ بل يعكس حساسية النقاش البريطاني، حيث يبدو أن نقد إسرائيل يحتاج إلى تمهيد طويل، وتحوط دائم، ولغة شديدة الانضباط كي لا يُعاد تأطيره أو إسقاطه في خانة أخرى.
ما تكشفه هذه النصوص أن الهوية الفلسطينية تُحاصر على مستويات متعددة؛ تُهدد ماديا حين تصبح الوثائق عرضة للتدمير أو المصادرة، وتُضغط قانونيا حين يُعاقب من يدعو إلى مساءلة إسرائيل، وتُقيَّد خطابيا حين يصبح الدفاع عن الفلسطينيين مشروطا بتوازنات لغوية وسياسية خانقة.
وفي كل مستوى، يظهر المعنى نفسه: الفلسطيني يُطالَب دائما بإثبات ما يفترض أنه بديهي؛ أنه كان هنا، وأن اقتلاعه موثق، وأن انتهاك حقوقه ليس شأنا إنسانيا عابرا، وأن نقد الدولة التي تحتله وتقصفه لا يساوي عداء لدين أو جماعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة