أثار اضطراب إمدادات الطاقة على خلفية الحرب في الشرق الأوسط مخاوف من أزمة محتملة في وقود الطائرات.
وتلقي هذه المخاوف بظلالها على قطاعي الطيران والسياحة، وسط توقعات بإمكان حدوث نقص في وقود الطائرات في أوروبا خلال الأسابيع المقبلة.
وقد ألغت عدة شركات طيران، بينها الخطوط الجوية التركية، بعض رحلاتها في مسعى إلى خفض النفقات، فيما تباطأت الحجوزات قبيل موسم السياحة بسبب حالة عدم اليقين.
غير أن خبراء في مجال الطاقة، تحدثوا إلى بي بي سي التركية، يقولون إن تركيا قادرة بسهولة على تلبية احتياجاتها المحلية من وقود الطيران، بل إنها في موقع المصدّر الصافي له.
أما العاملون في قطاع السياحة، فيقرّون بأن القطاع يواجه ضغوطاً بسبب ارتفاع الأسعار، لكنهم يشددون في الوقت نفسه على أن تركيا لا تزال من الوجهات السياحية الأكثر تفضيلاً.
فما الذي ينتظر تركيا في المرحلة المقبلة؟
تعتمد تركيا إلى حد كبير على الخارج في تأمين احتياجاتها من الطاقة. لكن الصورة تبدو مختلفة تماماً عندما يتعلق الأمر بوقود الطائرات.
فالنفط الخام المستورد يخضع للتكرير في المصافي التركية، ويتم تحويله إلى وقود للطائرات.
وتقول الدكتورة مهدان ساغلام، مديرة مركز دراسات الطاقة والمناخ في مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية في تركيا، إن "تركيا تعدّ بلداً مصدّراً لوقود الطائرات، وهي تنتجه عادة محلياً".
وتوضح ساغلام، في حديثها إلى بي بي سي التركية، أن المصافي في تركيا تعتمد غالباً على النفط "المتوسط إلى الثقيل" المستورد من روسيا والعراق وأذربيجان.
وتتصدر إنتاج وقود الطيران مصافي شركة تكرير النفط التركية "توبراش"، ومصفاة "ستار" التابعة لشركة الطاقة الحكومية الأذربيجانية "سوكار" في تركيا.
ووفقاً لبيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة في تركيا، صدّرت البلاد في فبراير/شباط نحو 402 ألف طن من وقود الطائرات، في مقابل واردات بلغت نحو 59 ألف طن فقط.
ويشير خبير الطاقة علي عارف أكتُرك إلى أن ارتفاع أسعار النفط الخام، بفعل مخاطر الإمداد، انعكس مباشرة على تكاليف وقود الطائرات.
ويقول أكتُرك، في حديثه إلى بي بي سي التركية: "في العالم كله، أصبح النفط الخام في يد من يستطيع الحصول عليه"، مضيفاً: "وبطبيعة الحال، أثّر هذا الهيكل من التكاليف بشدة على وقود الطائرات. فقد ارتفعت الأسعار بنسبة 70 في المئة، واقتربت في بعض الحالات من 100 في المئة".
وبحسب بيانات جمعتها وكالة بلومبرغ، كادت أسعار وقود الطائرات في أوروبا أن تتضاعف بين فبراير/شباط ونهاية أبريل/نيسان.
ويقول أكتُرك إن تركيا، حتى إن لم تواجه مخاطر مباشرة في الإمدادات، ستتأثر حتماً بارتفاع الأسعار.
ويضيف: "ستواجه بالتأكيد ضغوطاً على مستوى التكاليف. لا مفر من ذلك. ليست لدى تركيا إمكانية للحصول على وقود رخيص. ولا أحد في العالم يملك هذه الإمكانية".
وترى مهدان ساغلام أيضاً أن ارتفاع الأسعار يبدو أمراً لا مفر منه، قائلة: "في السابق، كانت تركيا تدفع 60 دولاراً للبرميل، أما حالياً فسعر خام الأورال، الذي يُشترى من روسيا، يدور حول 105 دولارات للبرميل. وبالتالي، أنتم تدفعون تكلفة إضافية حتى قبل دخول النفط إلى المصفاة".
وتضيف أنه مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن على نحو مماثل، يرتفع سعر وقود الطائرات بدوره.
وتربط ساغلام محدودية تأثر تركيا بأزمة الوقود الحالية بمصادر النفط والغاز الطبيعي التي تعتمد عليها البلاد أساساً.
وتقول: "ما دامت الإمدادات من روسيا لا تواجه مشكلة، لا نتوقع أن تشهد تركيا صدمة في المعروض. فحصة دول الخليج تكاد تكون ضئيلة جداً. فعلى سبيل المثال، بما أننا لا نستورد الغاز من قطر، فإن عدم قدرة قطر على تزويد العالم بالغاز، أو إعلانها حالة قوة قاهرة، لم يؤثر علينا".
ووفقاً لبيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة في تركيا، تصدرت روسيا قائمة الدول التي استوردت منها تركيا النفط في فبراير/شباط، بنسبة 42 في المئة، تلتها العراق بنسبة 18 في المئة، ثم كازاخستان بنسبة 15 في المئة.
شعرت تركيا بتأثير صدمة الطاقة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز على نحو محدود.
غير أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال تعطل الإمدادات من روسيا، وهي المصدر الذي تستورد منه تركيا الحصة الأكبر من نفطها.
وتذكّر الدكتورة مهدان ساغلام بالهجمات التي شنتها أوكرانيا خلال الأشهر الأخيرة على منشآت نفطية روسية، قائلة:
"إذا استمرت الأزمة على نحو يبقي مضيق هرمز مغلقاً، وتضررت البنى التحتية للطاقة، وواصلت أوكرانيا استهداف روسيا، وإذا امتدت الأزمة حتى سبتمبر/أيلول أو استغرقت عاماً كاملاً، فقد تضطر تركيا عندها إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة بكثير".
وتحذر ساغلام من أن "سيناريو الكارثة بالنسبة إلى تركيا سيكون خروج روسيا من المعادلة".
يرى خبراء أن ارتفاع أسعار وقود الطائرات سينعكس أيضاً على قطاع السياحة.
ولهذا السبب، ألغت شركات الطيران 13 ألف رحلة منذ بداية مايو/أيار، وكانت إسطنبول من بين الوجهات الأكثر تأثراً بإلغاء الرحلات.
وتقول الشركات إنها لا تواجه حالياً مشكلة في إمدادات الوقود. لكن خبراء يحذرون من أن خطر حدوث نقص يزداد مع استمرار الاضطرابات في عمليات التسليم.
ويقول علي عارف أكتُرك إن شركات الطيران "تحاول تحسين إدارة تكاليفها عبر إلغاء الرحلات التي تكون فيها الطاقة الاستيعابية ونسب الإشغال منخفضة".
ويحذر أكتُرك من أن ضغوط التكاليف قد تشتد خصوصاً على منظمي الرحلات السياحية الذين يبيعون باقات عطلات "شاملة" تتضمن تذاكر الطيران أيضاً.
ويضيف: "إذا كانوا قد باعوا هذه الباقات بأسعار ثابتة، فقد يؤدي ذلك إلى تقليص أرباحهم، بل وربما القضاء عليها".
ويقول خبير الطاقة إن تركيا قد تسجل، للسبب نفسه، "قدراً من التراجع" في إيراداتها السياحية عام 2026، مضيفاً: "يمكن القول إن فرصتنا في بلوغ هدف إيرادات سياحية سنوية قدرها 68 مليار دولار تبدو ضعيفة".
ووفقاً للبيانات الرسمية، ارتفع عدد السياح الأجانب الذين زاروا تركيا بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار بنسبة 4.2 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إلى 9.2 مليون شخص. كما ارتفعت إيرادات السياحة بالنسبة نفسها، لتبلغ 9.9 مليار دولار.
وكان وزير الثقافة والسياحة التركي، محمد نوري أرصوي، قد قال في مؤتمر صحفي عقده في نهاية أبريل/نيسان إن البلاد دخلت مرحلة "ترقب حذر" في الربع الثاني من عام 2026، مشيراً إلى أن حجوزات اللحظة الأخيرة ستكون العامل الحاسم في السوق إلى حين التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم.
يقول رئيس اتحاد وكالات السفر التركية "تورساب"، فيروز باغليكايا، في تصريح خطي لبي بي سي التركية، إن ارتفاع الأسعار يشكل "عاملاً ضاغطاً" على قطاعي الطيران والسياحة.
وشدد باغليكايا على أن مطار إسطنبول كان، وفق بيانات المنظمة الأوروبية لسلامة الملاحة الجوية "يوروكونترول"، "المطار الأعلى حركة جوية في أوروبا" بين 30 أبريل/نيسان و6 مايو/أيار، مضيفاً:
"إذا أخذنا في الاعتبار أن الحركة التي سيخلقها قطاع السياحة ستزداد أكثر في الفترة المقبلة، يمكننا القول إن دور مطار إسطنبول وتركيا في قطاع الطيران العالمي سيواصل التعزز.
وأملنا أن تنتهي التوترات في العالم في أقرب وقت ممكن، وأن تعود حركة السفر الدولية إلى مسارها الطبيعي".
ويرى الدكتور جم قيناي، مؤسس فنادق "ماجيك لايف" ومبتكر نظام "الإقامة الشاملة"، أن ارتفاع أسعار وقود الطائرات يؤثر مباشرة على إيرادات تركيا السياحية، نظراً إلى أن الغالبية الكبرى من السياح يصلون إلى البلاد جواً.
ويحذر قيناي، في حديثه إلى بي بي سي التركية، قائلاً: "حتى لو كان هناك تباطؤ حالياً، وحتى لو بدا الأمر كأنه لا يترك أثراً كاملاً بعد، فإن استمرار هذا الوضع سيؤثر علينا أيضاً".
ويشير قيناي إلى أن أسعار منظمي الرحلات السياحية ورحلات الشارتر لم تسجل زيادات بعد، قائلاً إن "الحجوزات لا تزال تُقبل بالأسعار المعلنة في الكتالوغات العادية".
ويرى مؤسس فنادق "ماجيك لايف" أن تراجع الحجوزات لا يعود إلى ارتفاع الأسعار بقدر ما يرتبط بـ"الضغوط النفسية" الناجمة عن الأزمة.
ويقول: "عادة، في بداية مثل هذه الأزمات، يدخل الضيوف في حالة ترقب قبل إجراء حجوزات جديدة".
وبحسب قيناي، يحاول أصحاب الفنادق ومنظمو الرحلات السياحية "تحفيز" السياح عبر تمديد فترة الحجز المبكر من نهاية أبريل/نيسان إلى نهاية مايو/أيار.
ويقول العامل في قطاع السياحة إنه إذا لم تكن هذه الأساليب كافية، فقد تتدخل الدولة أيضاً:
"إذا واصلت تكاليف الرحلات الارتفاع، واستمرت أسعار النفط في الصعود، فقد تقدم الدولة حوافز لرحلات الشارتر. أي قد تقول رسمياً: أنا أتحمل الزيادة في أسعار النفط. وتطبق آليات دعم مؤقتة لشركات الطيران.
وقد حدثت أمور مماثلة في الماضي، والجمهورية التركية تمتلك هذه الخبرة".
ولم تعلن السلطات الرسمية حتى الآن ما إذا كانت ستتخذ تدابير من هذا النوع لدعم قطاع السياحة.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة