آخر الأخبار

إيران بعد الهدنة.. اختبار الخلافات الداخلية حول التفاوض وحدود النقد

شارك

في وقت تؤكد فيه القيادة الإيرانية ضرورة الحفاظ على الوحدة الداخلية في مواجهة ما تصفه بـ"مخططات الأعداء"، شهدت الساحة السياسية والإعلامية في إيران خلال الأيام الأخيرة تطورات مرتبطة بالنقاش الدائر حول الحرب الأخيرة ومسار المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وأعلن المدعي العام في طهران تحريك دعوى ضد الصحفي والناشط السياسي عباس عبدي، والأستاذ الجامعي السابق والمحلل السياسي صادق زيبا كلام، على خلفية مقال للأول في صحيفة "اعتماد" ومقابلة للثاني مع وكالة "آنا". كما شمل الإجراء القضائي الوسيلتين الإعلاميتين اللتين نشرتا المقال والمقابلة.

وبحسب وكالة "ميزان" التابعة للسلطة القضائية الإيرانية، فإن الدعوى أُحيلت للنظر القضائي، من دون إعلان صدور حكم قضائي بحق عبدي أو زيبا كلام.

مصدر الصورة صادق زيبا كلام انتقد ما اعتبره خطابا أحادي الجانب تجاه الولايات المتحدة (الصحافة الإيرانية)

إدانات لإصلاحيين

تعود القضية إلى مواقف نشرها عبدي وزيبا كلام بشأن أجواء ما بعد الحرب وطريقة تعامل بعض التيارات السياسية مع ملف التفاوض والتجمعات المؤيدة للنظام.

فقد كتب عبدي في مقاله أن بعض من وصفهم بـ"متشددي الحرب المفتوحة" يتحدثون كما لو أنهم يمثلون موقف المرشد، ويدفعون باتجاه استمرار الحرب من دون معرفة دقيقة بظروف الميدان وأوضاع البلاد. كما قال إن غالبية الناس لن تتعاطف مع قرارات تفرضها "أقلية" عبر الشارع.

أما زيبا كلام، فقال في مقابلته إن جزءا من التجمعات الليلية يمثل محاولة لدفع الحكومة باتجاه خيارات معينة، في حين يعكس جزء آخر شعورا وطنيا. كما انتقد ما اعتبره خطابا أحادي الجانب تجاه الولايات المتحدة.

وجاءت هذه التصريحات بعد وقف إطلاق النار، وفي ظل حديث متزايد عن احتمال التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن.

يعد عباس عبدي من الوجوه المعروفة في التيار الإصلاحي الإيراني. وهو صحفي وناشط سياسي وباحث اجتماعي، وبرز في مراحل مختلفة من الحياة السياسية الإيرانية، قبل أن يصبح لاحقا من الأصوات الناقدة في الإعلام الإيراني.

إعلان

أما صادق زيبا كلام فهو أستاذ علوم سياسية سابق ومحلل سياسي معروف بمواقفه النقدية، خصوصا في ملفات السياسة الخارجية والعلاقة مع الغرب. وسبق أن واجه قضايا قضائية على خلفية مواقفه وتصريحاته الإعلامية.

مصدر الصورة عباس عبدي قال إن غالبية الناس لن تتعاطف مع قرارات تفرضها "أقلية" عبر الشارع (الصحافة الإيرانية)

يأتي هذا الجدل في مرحلة انتقال إيران من الحرب إلى ما بعدها، حيث عاد النقاش بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة وشروط أي اتفاق محتمل.

وخلال الحرب، هيمن خطاب الوحدة والتعبئة في مواجهة الهجمات، لكن بعد وقف إطلاق النار بدأت تظهر مواقف مختلفة بشأن كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة، لا سيما داخل التيار المحافظ نفسه.

فبينما تؤيد أطراف داخل مؤسسات الدولة استمرار المسار التفاوضي، تبدي أطراف أخرى تحفظا تجاه أي اتفاق قد يتضمن تنازلات، أو ترى ضرورة ممارسة ضغط سياسي وشعبي على الوفد المفاوض.

شعارات ضد قاليباف

وفي سياق متصل، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن رفع شعارات ضد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس الوفد المفاوض، خلال بعض التجمعات الليلية.

وانتقدت شخصيات سياسية إيرانية هذه الشعارات، معتبرة أن نقل الخلافات إلى الشارع قد يؤثر على صورة الوحدة الداخلية في مرحلة حساسة.

وتكتسب هذه الشعارات أهمية لأنها جاءت من تجمعات محسوبة على الشارع المؤيد للنظام، لا من أوساط المعارضة التقليدية.

كما ظهر جانب آخر من الخلاف داخل البرلمان، بعد نشر بيان داعم للوفد المفاوض برئاسة قاليباف. وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن عددا من النواب القريبين من سعيد جليلي ممثل المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي لم يوقّعوا على البيان.

ولا يعني عدم التوقيع بالضرورة رفضا مباشرا للمفاوضات، لكنه يشير إلى وجود تباين داخل التيار المحافظ بشأن طريقة دعم الوفد المفاوض وحدود التفويض السياسي الممنوح له.

مصدر الصورة محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني يرأس الفريق الإيراني المفاوض مع الولايات المتحدة (تسنيم)

ويأتي ذلك في ظل تنافس معروف بين تيار قاليباف، الذي يقدم نفسه بوصفه تيارا تنفيذيا داخل النظام، وتيار جليلي وتيار "جبهة بايداري" (الثبات)، الذي يتبنى مواقف أكثر تشددا تجاه الغرب.

ويعيد هذا التباين إلى الواجهة آثار الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حين تنافس محمد باقر قاليباف وسعيد جليلي، وهما من أبرز وجوه التيار المحافظ، في مواجهة مسعود بزشكيان الذي خاض السباق بوصفه المرشح الإصلاحي الأبرز.

وقال مصدر مطلع للجزيرة نت إن قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني اجتمع بقاليباف وجليلي قبل يومين من الاقتراع في مدينة مشهد، في محاولة لإقناع أحدهما بالانسحاب لصالح الآخر حتى لا تتوزع أصوات اليمين وتذهب الرئاسة إلى بزشكيان.

ووفق المصدر، انتهى الاجتماع إلى أن ينسحب جليلي لصالح قاليباف، غير أن ذلك لم يحدث، وبقي المرشحان المحافظان في السباق، قبل أن يتقدم بزشكيان إلى جولة الإعادة ثم يفوز بالرئاسة.

وتعود أهمية هذه الخلفية اليوم إلى أن التنافس بين معسكري قاليباف وجليلي لم ينتهِ مع الانتخابات، بل يظهر مجددا في الموقف من الوفد المفاوض وحدود دعمه داخل البرلمان.

مصدر الصورة تنافس معروف بين تيار قاليباف وتيار جليلي وتيار "جبهة بايداري" (حساب سعيد جليلي على إكس)

حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على تحول هذه الخلافات إلى تحركات شعبية واسعة. لكن تزامن الملاحقات القضائية، والشعارات ضد قاليباف، والتباين داخل البرلمان، يضع ملف التفاوض في صلب النقاش الداخلي الإيراني.

إعلان

ويتابع الشارع الإيراني هذه التطورات في ظل ضغوط اقتصادية وتداعيات الحرب والعقوبات، بينما تواصل القيادة السياسية التأكيد على ضرورة الوحدة.

وتضع التطورات الأخيرة إيران أمام نقاش داخلي بشأن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، وحدود الموقف من المفاوضات مع الولايات المتحدة.

فإلى جانب الملف القضائي المتعلق بعبدي وزيبا كلام، برزت شعارات ضد قاليباف في بعض التجمعات، وظهر تباين داخل البرلمان بشأن البيان الداعم للوفد المفاوض.

وتشير هذه الوقائع إلى أن ملف التفاوض لا يزال محل أخذ ورد داخل الساحة الإيرانية، حتى مع استمرار الخطاب الرسمي الداعي إلى الوحدة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا