رسمت صحيفة التايمز البريطانية صورة قاتمة للأزمة الإنسانية المتفاقمة في مياه الخليج العربي، حيث يجد نحو 20 ألف بحار أنفسهم محاصرين على متن قرابة ألفي سفينة عالقة منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يوم 28 فبراير/شباط الماضي.
وفي تقرير بعنوان "عالقون في مضيق هرمز طيلة عشرة أسابيع.. كيف ينجو البحارة؟"، وصفت روز جورج في الصحيفة أوضاع هؤلاء البحارة بأنها أشبه بـ"سجن عائم" يواجه فيه الطواقم الخوف والعزلة ونقص الإمدادات، إلى جانب خطر دائم من الصواريخ والمسيرات التي تعبر فوق رؤوسهم.
وتستهل جورج تقريرها باقتباس للكاتب البريطاني صامويل جونسون من القرن الثامن عشر، شبه فيه حياة البحار بالسجن مع احتمال الغرق، لكنها تؤكد أن جونسون نفسه لم يكن ليتخيل حجم المأساة الحالية.
وبحسب المنظمة البحرية الدولية، فإن ما يحدث اليوم في مضيق هرمز يمثل أزمة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ الملاحة الحديثة. وينقل التقرير شهادات مباشرة لبحارة عالقين وسط منطقة الحرب، إذ قال أحدهم إنه شاهد مسيرات وصواريخ إيرانية تحلق على ارتفاع منخفض، بينما كانت أصوات المقاتلات الحربية تملأ السماء.
وأضاف المتحدث أن أكثر ما يخيفه هو احتمال سقوط صاروخ أو طائرة مسيّرة على سفينته، خصوصا أن كثيرا من السفن محملة بالنفط، ما يجعلها أشبه بـ"قنابل عائمة".
وتوضح كاتبة التقرير أن العمل البحري يعد أصلا من أكثر المهن قسوة نفسيا، فالبحارة يقضون شهورا طويلة في عزلة داخل سفن ضخمة بأطقم صغيرة ومتعددة الجنسيات، مع ندرة الإجازات وصعوبة مغادرة الموانئ. كما أن بيئة العمل المختلطة ثقافيا قد تزيد الشعور بالوحدة والاغتراب.
وتشير الكاتبة إلى أن البحارة واجهوا أزمات خطيرة من قبل، مثل القرصنة الصومالية أو الإغلاق الطويل خلال جائحة كورونا، لكن مسؤولي المنظمة البحرية الدولية يؤكدون أن الأزمة الحالية "تفوق كل ما سبق". وقد بدأت معاناة الطواقم تتفاقم مع تناقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب، إذ اضطر بعضهم إلى غلي مياه غير آمنة للاستهلاك بعد نفاد مخزون المياه العذبة.
وينقل التقرير عن زارير إيراني، وهو ربان هندي سابق يتمتع بخبرة بحرية تبلغ 14 عاما، قوله إن مصير البحارة يعتمد بدرجة كبيرة على استعداد شركات الشحن لتحمل التكاليف الإضافية اللازمة لإيصال الوقود والمياه والمؤن، في ظل المخاطر الأمنية المرتفعة.
وتلقت نقابة عمال النقل الدولية أكثر من ألفي طلب استغاثة منذ اندلاع الحرب، شملت شكاوى تتعلق بالأجور والعقود ونقص الغذاء والمياه وطلبات الإجلاء.
وتصف روز جورج العبء النفسي الهائل الذي تتحمله عائلات البحارة، مشيرة إلى أن كل سفينة تضم في المتوسط نحو 26 فردا، ما يعني آلاف الأسر التي تعيش حالة قلق يومي على مصير أبنائها.
وفي مشهد مثير للرعب، تستعيد الكاتبة حادثة ناقلة النفط الهندية "سانمار هيرالد"، التي تعرضت لإطلاق نار من زوارق إيرانية أثناء محاولتها عبور المضيق. وقد التقط عبر اللاسلكي صوت ضابط السفينة وهو يصرخ في حالة هلع: "لقد منحتموني الإذن بالعبور… لماذا تطلقون النار الآن؟ دعوني أعود".
وتخلص جورج إلى أن هؤلاء البحارة ليسوا جنودا ولا أطرافا في الحرب، بل عمال عاديون خرجوا إلى البحر لإعالة أسرهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أسرى صراع لا يملكون أي قدرة على الهروب منه أو التأثير فيه.
المصدر:
الجزيرة