في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في أول استهداف للعاصمة اللبنانية بيروت منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، شنت إسرائيل غارة على منطقة حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت، استهدفت قائد قوة "الرضوان" التابعة لحزب الله مالك بلوط، وسط تقديرات إسرائيلية بنجاح عملية الاغتيال.
ويضع هذا التطور الهدنة أمام اختبار حقيقي، ويطرح تساؤلات مباشرة بشأن تجدد الاختراقات الأمنية، والرسائل السياسية التي تسعى تل أبيب لتوجيهها إلى بيروت وواشنطن وطهران في آن واحد.
وللإجابة عن هذه التساؤلات، يمكن تفكيك المشهد وأبعاده من خلال المحاور التالية:
سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس إلى الإعلان عن العملية، في حين نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول كبير أن مقر الحزب المستهدف كان قد أصدر تعليمات بخرق وقف إطلاق النار.
وبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن مالك بلوط يتولى قيادة " قوة الرضوان" -وحدة النخبة الهجومية في حزب الله- منذ نحو عامين، إثر اغتيال المسؤول السابق للقوة.
وتضاربت الروايات الإسرائيلية غير الرسمية بشأن طريقة التنفيذ، فبينما تحدثت إذاعة الجيش عن هجوم بمقاتلات حربية، ذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" أن بارجة حربية أطلقت 3 صواريخ من البحر المتوسط.
اللافت في توقيت العملية -بحسب الإعلام الإسرائيلي- أنها تأتي في اليوم الأول لتسلّم القائد الجديد لسلاح الجو الإسرائيلي عومر تيشلر مهامه، مما قد يعكس محاولة إسرائيلية لتقديم "إنجاز عملياتي" سريع يرد على الانتقادات الداخلية لحكومة نتنياهو بشأن تقييد حرية عمل الجيش في لبنان.
تُعَد قوة الرضوان وحدة النخبة الهجومية في حزب الله، أُسست إبان حرب عام 2006 باسم "قوات التدخل السريع"، قبل أن تأخذ اسمها الحالي عام 2008 نسبة إلى القائد العسكري عماد مغنية -الذي كان لقبه "الحاج رضوان"- إثر اغتياله في دمشق.
وتتمحور مهام القوة حول التسلل خلف الخطوط الإسرائيلية والسيطرة على أراض داخل إسرائيل، ويخضع مقاتلوها لتدريبات مكثفة في لبنان وإيران بإشراف الحرس الثوري الإيراني.
وشملت سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية عددا من أبرز قادتها، من عماد مغنية عام 2008، إلى وسام طويل عام 2024، وصولا إلى إبراهيم عقيل في سبتمبر/أيلول 2024 الذي كان آخر من تولى قيادتها قبل بلوط.
يفتح هذا الاستهداف الباب مجددا أمام التساؤل عن مدى الاختراق الأمني لصفوف الحزب.
ويوضح الخبير العسكري إلياس حنا في حديث للجزيرة أن إسرائيل لم تكن في "عمى استخباراتي" خلال فترة الهدنة، فبينما كان حزب الله يعيد تنظيم وتسليح نفسه مع منظومة قيادية جديدة، كانت الاستخبارات الإسرائيلية تجمع معلوماتها التكتيكية وتراقب هذه المنظومة، لتنقض عليها فور حصولها على "الضوء الأخضر" من عناصر الاستخبارات البشرية الموجودة على الأرض.
ورغم الأنباء الأولية التي رافقت الحدث عن استهداف "اجتماع" لقادة النخبة، اكتفت إذاعة الجيش الإسرائيلي بالإشارة إلى أن نائب قائد قوة الرضوان لم يكن موجودا في موقع الغارة، ولم يُقتل.
لا تكتسب هذه الغارة دلالتها من تجاوزها نطاق الاستهداف المحدود جنوب نهر الليطاني فقط، بل من كونها جرت بضوء أخضر من واشنطن، فقد نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول كبير أن عملية الاستهداف "جرت بالتنسيق مع الولايات المتحدة".
هذا الإعلان كما يرى الكاتب والمحلل السياسي نقولا نصيف، يجعل الأمريكيين -الذين يُفترض أنهم يؤدون دور رعاية المفاوضات والحرص على وقف إطلاق النار- يظهرون وكأنهم "شركاء" لإسرائيل، يتركون لها حرية العمل الأمني والعسكري بدلا من كبحها.
لم تكن غارة بيروت معزولة عن مشهد ميداني أوسع، فقد تزامنت مع تصعيد في وتيرة القصف الإسرائيلي وعمليات نسف لقرى الجنوب وبلداتها، وتوسع الغارات لتشمل البقاع الغربي وشمال الليطاني، في خروج واضح عن نمط الاستهداف الذي ساد خلال الأسابيع الماضية.
وفي ضوء هذا التصعيد المتدحرج، تتقاطع قراءات المراقبين للمشهد عند 3 مستويات رئيسية:
المستوى الميداني والأمني: تكريس العودة لسياسة الاغتيالات الدقيقة واستهداف مراكز الثقل في الحزب، متجاوزة خطوط الهدنة الجغرافية.
المسار اللبناني الإسرائيلي: يشير مراسل الجزيرة مازن إبراهيم إلى أن إسرائيل تسعى لتوجيه رسالة نارية إلى دوائر صنع القرار في بيروت، مفادها أنها ستفاوض "تحت النار" وتحتفظ بحرية حركتها العسكرية، ويأتي هذا ردا على تأكيد الجانب اللبناني أن أولوية المفاوضات هي وقف إطلاق النار، ورفض رئيس الجمهورية أي لقاء مع نتنياهو.
المسار الأمريكي الإيراني: محاولة للتأثير في المحادثات غير المباشرة التي تدور عبر الرسائل المتبادلة في باكستان. وهنا، يبرز الموقف الذي نقله رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري عن وزير الخارجية الإيراني بتأكيده أن لبنان سيكون جزءا من أي اتفاق شامل.
وفي هذا السياق الأخير، يذهب محللون إلى أن نتنياهو يحاول بهذا التصعيد عرقلة التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني وشيك، والسعي لـ"فصل المسارات" لإبقاء الساحة اللبنانية مفتوحة للاستهداف بعيدا عن أي صفقة إقليمية.
تضع الغارة الأخيرة، وما رافقها من تصعيد واسع، اتفاق وقف إطلاق النار الهش أمام أخطر اختباراته. ومع غياب الموقف الرسمي لحزب الله حتى اللحظة، تتجه الأنظار إلى شكل الرد المحتمل.
وبحسب المحلل السياسي علي حيدر، فإن المعادلات السابقة تفترض ردا واضحا من الحزب في العمق الإسرائيلي، وهو ما قد يقابله رد فعل إسرائيلي يخرج عن نطاق الجنوب اللبناني.
وأمام هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال المهم: هل كانت هذه الغارة تمهيدا لتصعيد متبادل يعيد المنطقة إلى مربع الحرب المفتوحة، أم أن الأطراف ستحتوي الضربة وتنقذ مسار التفاوض؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة