آخر الأخبار

عدالة انتقالية أم انتقائية؟ تقرير للغارديان: محاكمة مرتكبي الانتهاكات في سوريا بين المطالب والصفقات

شارك

يسلط تحقيق الغارديان الضوء على دور فادي صقر، القائد السابق في ميليشيا الدفاع الوطني، كوسيط بين الحكومة وشخصيات من النظام السابق، فقد ساهم، بحسب التقرير، في تسهيل اعتقال بعض المطلوبين، وفي الوقت نفسه التوسط مع آخرين.

كشفت صحيفة الغارديان البريطانية في تحقيق موسع أن اعتقال عنصر الاستخبارات السورية أمجد يوسف ، المتورط في مجازر حي التضامن بدمشق عام 2013، مثّل نقطة تحول بارزة في مسار المطالبة بالعدالة في سوريا، لكنه في الوقت ذاته فجّر جدلاً واسعاً حول طبيعة العدالة التي تسعى إليها السلطات الجديدة.

وبحسب التحقيق، فإن مقاطع الفيديو التي وثّقت قيام يوسف بإعدام مدنيين معصوبي الأعين ضمن سلسلة مجازر أودت بحياة ما لا يقل عن 300 شخص، تحولت إلى واحدة من أكثر الأدلة دلالة على وحشية النظام السابق، ما جعل اعتقاله مطلباً رمزياً للضحايا وعائلاتهم.

وفي هذا السياق نقلت الصحيفة عن أحمد الحمصي، الناشط في لجنة تنسيق التضامن، أن خبر الاعتقال قوبل باحتفالات استمرت أياماً، شارك فيها سكان من مناطق مختلفة، حيث جرى ذبح مواشٍ وتوزيعها على الناس، وسط مشاعر فرح عارمة.

اعتراف مثير للغضب.. واتهامات بالتستر

غير أن هذا الارتياح الشعبي سرعان ما تبدد، وفق تحقيق الغارديان، بعد بث وزارة الداخلية السورية مقطعاً مصوراً ليوسف، قال فيه إنه تصرف بمفرده في تنفيذ عمليات القتل.

واعتبر الحمصي، في تصريح نقلته الصحيفة، أن هذا الاعتراف يبدو قسرياً، ويهدف إلى التغطية على متورطين آخرين، مؤكداً أن الضحايا يطالبون بكشف جميع المسؤولين عن المجازر، وليس الاكتفاء بمحاكمة فرد واحد.

يوضح تحقيق الغارديان أن هذه التطورات تعكس انقساماً عميقاً داخل سوريا حول مفهوم العدالة الانتقالية ، ففي حين يطالب الضحايا بمحاسبة شفافة وشاملة، تتبنى بعض دوائر الحكم نهجاً يضع الاستقرار الأمني في المقدمة، حتى لو تطلب ذلك التساهل مع شخصيات كانت مرتبطة بنظام الأسد.

ونقلت الصحيفة عن علي الجاسم، الباحث في مركز دراسات النزاع بجامعة أوتريخت، قوله إن البلاد انتقلت من العدالة الانتقالية إلى ما وصفه بـ"العدالة الانتقائية والاستعراضية"، حيث يتم اعتقال عدد محدود من الأفراد وتقديمهم للرأي العام ككبش فداء.

كما أشار التحقيق إلى جلسة م حاكمة عاطف نجيب ، ابن خالة بشار الأسد والرئيس السابق للأمن السياسي في درعا، حيث اعتُبرت صورته داخل قفص المحكمة ومواجهته من أحد ضحايا التعذيب خطوة رمزية نحو العدالة، لكنها لا تكفي لتحقيق محاسبة شاملة.

تحذيرات من اختزال العدالة في استعراض عقابي

ونقلت الغارديان عن نوشا قبوات، رئيسة برنامج سوريا في المركز الدولي للعدالة الانتقالية، تحذيرها من أن التركيز على معاقبة عدد محدود من المسؤولين قد يعيق تحقيق العدالة الحقيقية.

وأكدت قبوات أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على العقاب، بل تشمل إعادة بناء المجتمع واستعادة الثقة، مشددة على ضرورة إشراك السوريين في هذه العملية كشركاء، لا مجرد متلقين.

وأشار تحقيق الغارديان أيضاً إلى الصفقات التي أبرمتها الحكومة السورية الجديدة مع شخصيات نافذة من النظام السابق، من بينهم محمد حمشو وسامر الفوز، حيث تضمنت هذه الصفقات تبادل أصول ومعلومات مقابل الحصول على الحماية أو التوصل إلى تسويات.

وحذر الجاسم، وفق ما نقلت الغارديان، من أن هذه الصفقات لا تمثل قطيعة مع الماضي، بل قد تسهم في إعادة إنتاج الهياكل السلطوية الاستبدادية نفسها.

كما منحت السلطات حماية مؤقتة لبعض المسؤولين الأمنيين السابقين مقابل تعاونهم الاستخباراتي، في إطار محاولات احتواء تمرد موالين للنظام السابق في الساحل السوري .

فادي صقر.. وسيط مثير للجدل

يسلط تحقيق الغارديان الضوء على دور فادي صقر، القائد السابق في ميليشيا الدفاع الوطني ، كوسيط بين الحكومة وشخصيات من النظام السابق، فقد ساهم، بحسب التقرير، في تسهيل اعتقال بعض المطلوبين، وفي الوقت نفسه التوسط مع آخرين.

ويواجه صقر اتهامات واسعة بالتورط في مجازر، من بينها أحداث حي التضامن، وهي اتهامات ينفيها بشكل قاطع، وينقل التحقيق عن الجاسم قوله إن حتى الداعمين لصقر يدركون تاريخه المثقل بالانتهاكات، لكنهم يرونه أداة مفيدة للوصول إلى متورطين آخرين، ضمن شبكة معقدة من الحسابات الأمنية.

ويشير التحقيق إلى أن الحكومة السورية تعاني انقساماً داخلياً بين تيار يدفع نحو عدالة انتقالية شاملة، وآخر يهيمن على القرار الأمني ويفضل مقاربة براغماتية.

وأكدت الغارديان أن هذا التوجه أثار استياء الضحايا، رغم استمرار بعضهم في منح الحكومة قدراً من الثقة، ونقلت الصحيفة عن الحمصي تأكيده أن المطالبة بالحقوق ستستمر، وأن عائلات الضحايا لن تتنازل عن حقها في العدالة.

ثغرات قانونية تعيق المحاسبة

ولفت التحقيق إلى أن الإطار القانوني الحالي في سوريا غير مهيأ لمعالجة جرائم الحرب بشكل كافٍ، إذ لا يتضمن قانون العقوبات تعريفاً مستقلاً لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.

كما قد يستغرق إقرار قانون خاص بالعدالة الانتقالية أشهراً، ما يعرقل تسريع وتيرة المحاسبة.

ورغم هذه التحديات، كشفت الغارديان أن هيئة العدالة الانتقالية تعمل على إعداد ملف قضائي ضد فادي صقر بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع توقع توسيع التحقيق ليشمل جميع المتورطين في مجازر التضامن.

ونقلت الصحيفة عن نائبة رئيس الهيئة، زهرة البرازي، تأكيدها أن "مجرد الاعتقال ليس عدالة"، في إشارة إلى ضرورة استكمال المسار القضائي.

واختتمت الغارديان تحقيقها بنقل شهادة الحمصي، الذي وثّق لسنوات الجرائم في حي التضامن سراً، حيث شدد على أن عودة السكان ورغبتهم في إعادة الإعمار تصطدم بحقيقة أن المنطقة تمثل موقع جريمة ومقبرة جماعية.

وأكد أن أي محاولة للبناء قبل تحقيق العدالة تمثل طمساً للأدلة، مشدداً على أن كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين شرط أساسي لتمكين السكان من المضي قدماً في حياتهم.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا