تشهد الأسابيع الأخيرة تصعيدا ملحوظا في سياسات إيران تجاه معارضيها المقيمين في الخارج، والتي لم تقتصر على الملاحقة السياسية المباشرة، بل امتدت لتشمل أدوات ضغط قانونية وإدارية ومالية، وفرض قيود تحول دون إدارة ممتلكاتهم، إضافة إلى استهداف ذويهم داخل البلاد، في الوقت الذي وصف فيه معارضون ومراقبون تلك الإجراءات بـ"القمع العابر للحدود".
ومنذ اندلاع الحرب، وثقت تقارير حقوقية وإعلامية حالات متعددة لقيام السلطات الإيرانية باعتقال أو استدعاء أفراد من عائلات معارضين ونشطاء مقيمين في الخارج، في خطوة يُنظر إليها على أنها وسيلة ضغط مباشرة لإسكات الأصوات المعارضة.
بالتوازي مع ذلك، اتجهت السلطات إلى تشديد القيود على الخدمات القنصلية المقدمة للإيرانيين في الخارج، لا سيما عبر منظومة الخدمات الإلكترونية المعروفة باسم "ميخك" التابعة لوزارة الخارجية الإيرانية، إذ أعلن المدعي العام الإيراني محمد كاظم موحدي، أن وزارة الخارجية تلقت تكليفا رسميا صادرا بموجب أمر قضائي يقضي بوقف العمل بإمكانية إعداد وتنظيم الوكالات الخاصة بنقل الملكيات عبر المنظومة.
وتعد هذه المنصة إحدى الأدوات الرئيسية التي يعتمد عليها الإيرانيون المقيمون خارج البلاد لإنجاز معاملاتهم الرسمية، بما في ذلك إصدار وتجديد جوازات السفر، وإعداد الوكالات القانونية، ومتابعة مختلف الشؤون الإدارية والقنصلية.
مصادرة أموال إعلاميين ومعارضين
قبل عدة أيام، وبأمر من السلطة القضائية، قررت طهران مصادرة الأصول المسجلة والممتلكات الخاصة بأكثر من 400 شخصية معارضة، وادعت أن هذا الإجراء يأتي في إطار ما يعرف بـ"قانون تشديد عقوبات التجسس والتعاون مع الدول المعادية ضد الأمن والمصالح الوطنية".
ونشرت وكالة "فارس" التابعة للحرس الثوري الإيراني قائمة قالت إنها صادرة عن السلطة القضائية، وتضم أسماء أشخاص تم تجميد أو مصادرة أصولهم المالية، على خلفية اتهامات تتعلق بـ"دعم العدو"، وتضم عددًا من الصحفيين والإعلاميين المقيمين خارج البلاد، إلى جانب شخصيات عامة أخرى.
ملاحقة في الخارج
تقول بعض عائلات معارضين إيرانيين في المنفى إن الحكومة الإيرانية تقوم باعتقال أفراد من أسرهم وتهدد بمصادرة ممتلكاتهم، في إطار حملة قمع جديدة تستهدف الأصوات المعارضة بعد اندلاع الحرب، وفق ما أفاد به عدد منهم لوكالة "أسوشيتد برس" الأميركية.
ومع تصاعد الحرب، شددت السلطات الإيرانية من تهديداتها لكل من يتواصل مع وسائل إعلام أجنبية أو ناشطين، قبل أن يمتد هذا الضغط إلى ترهيب النشطاء المقيمين في المنفى.
ونقلت صحيفة "الغارديان" البريطانية، عن صحفيين يعملون في مؤسسات إعلامية تنتقد طهران، قولهم إنهم يواجهون ترهيبًا وتهديدات متصاعدة قد تصل إلى العنف الجسدي، في ظل اتهامات للنظام الإيراني بمحاولة إسكات وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية مثل "بي بي سي فارسي" و"إيران إنترناشونال".
وقبل أيام، استُهدفت مكاتب قناة "إيران إنترناشونال" في لندن بمحاولة هجوم حرق متعمد، حيث أُلقي "وعاء مشتعل" داخل موقف سيارات مبنى مجاور، بحسب شرطة العاصمة البريطانية.
"قمع عابر للحدود"
بدوره، قال الكاتب الحقوقي وخبير الشأن الإيراني نظام مير محمدي إن "تصاعد ملاحقة النظام الإيراني للمعارضين في الخارج لم يعد حوادث أمنية متفرقة، بل هو سياسة رسمية ثابتة تُدار بعقلية القمع العابر للحدود، وتقوم على التهديد والتجسس والتحريض على العنف ومحاولات الاغتيال والخطف".
وأوضح "محمدي" في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية" أن "النظام الذي يعجز عن كسر إرادة الشعب في الداخل يحاول نقل ساحة الصراع إلى الخارج عبر إرهاب منظم يستهدف الأصوات التي تفضح جرائمه وتقدم بديلًا ديمقراطيًا، كما أن هذه الملاحقة ليست دفاعًا عن أمن قومي، بل دفاع عن سلطة قائمة على القمع وتصدير الأزمات".
واعتبر أن "الإجراءات التي اتّخذت ضد المعارضين في الخارج تتخذ طيفًا واسعًا، من بينها عمليات التجسس وجمع المعلومات عن النشطاء والجاليات، ومحاولات اختراق الصفوف عبر العملاء والواجهات، والتهديدات المباشرة وغير المباشرة، والضغط على العائلات داخل إيران كأداة ابتزاز، وحملات التشويه والتحريض التي تمهّد لاعتداءات جسدية أو محاولات اغتيال".
وشدد على أن "أخطر ما في الأمر هو استخدام بعض البعثات الدبلوماسية الإيرانية كمراكز تشغيل، ما يجعل حماية المعارضين مسؤولية على عاتق الدول المضيفة، لا قضية خلاف سياسي يمكن التغاضي عنها".
المصدر:
سكاي نيوز