آخر الأخبار

صانع ترمب.. قصة ولادة الظاهرة

شارك

لا يمكن فهم صعود دونالد ترمب في السياسة الأمريكية بوصفه مجرد نتاج طموح فردي أو ظرف سياسي عابر، بل يرتبط ذلك بسياق أعمق تشكّلت فيه شخصيته وأساليبه منذ بداياته الأولى في عالم المال والأعمال. وفي هذا السياق، تبرز العلاقة مع المحامي الأمريكي روي كون بوصفها لحظة تأسيسية، أسهمت في صياغة نمط تفكير قائم على الصدام، وتحدي القواعد، واستخدام النفوذ بوصفه أداة مباشرة لتحقيق الأهداف.

وقد تحوّلت هذه العلاقة من مجرد ارتباط مهني إلى علاقة تأثير عميق، انتقلت فيها أساليب كون إلى ترمب، لتظهر لاحقًا في سلوكه السياسي وخطابه العام، بما يعكس تداخل البعد الشخصي مع الممارسة السياسية في تشكيل نموذج قيادي مثير للجدل داخل الولايات المتحدة، على النحو الذي ذكره الباحث محمد الناسك في دراسته بمركز الجزيرة للدراسات وتحمل عنوان: "بين التلمذة والسلطة: المرشد روي كون وبناء نمط القيادة الترمبية"

مصدر الصورة التلميذ والأستاذ (غيتي)

أولًا: روي كون نموذج القوة المنفلتة

1. من محامي السلطة إلى صانع النفوذ

تُبرز الدراسة شخصية روي كون بوصفها نموذجًا استثنائيًا في الحياة السياسية والقانونية الأمريكية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد جمع بين النفوذ السياسي، والعلاقات الواسعة، والقدرة على التأثير في مراكز القرار، مستفيدًا من شبكة ممتدة من الروابط التي شملت السياسيين والإعلام ورجال الأعمال وحتى الجريمة المنظمة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "هرمز" بين الإغلاق والفتح.. معركة التكاليف
* list 2 of 2 الحرب على إيران.. والتقشف في أفريقيا end of list

ولم يكن صعوده قائمًا على الالتزام بالقواعد المهنية أو الأخلاقية، بل على تجاوزها؛ حيث ارتبط اسمه بقضايا مثيرة للجدل، من بينها دوره في محاكمات التجسس خلال الخمسينات، وعلاقته بالسيناتور مكارثي، إضافة إلى اتهامات متكررة بالاحتيال والتلاعب واستغلال النفوذ. ومع ذلك، استطاع أن يحافظ على حضوره وتأثيره لفترة طويلة، مستفيدًا من قدرته على المناورة والإفلات من العقاب.

2. فلسفة الصراع.. الهجوم بلا اعتذار

تميّزت شخصية كون بفلسفة واضحة تقوم على مبدأ ثابت.. الهجوم الدائم، وعدم التراجع، ورفض الاعتذار.

إعلان

وقد انعكس ذلك في ممارساته القانونية والسياسية، حيث لم يكن يتعامل مع القانون بوصفه إطارًا ضابطًا، بل كأداة يمكن توظيفها أو الالتفاف عليها.

كما اتسم سلوكه بالتناقضات الحادة؛ فقد جمع بين ادعاء القيم المحافظة وممارسة سلوكيات تناقضها، وبين العمل داخل النظام والسعي لتقويض قواعده.

هذا النمط من التفكير، القائم على القوة والتأثير بدلًا من القواعد، شكّل الأساس الذي انتقل لاحقًا إلى ترمب، ليس فقط كتكتيك، بل كمنهج متكامل في التعامل مع الخصوم والمؤسسات.

مصدر الصورة روي كون الأب الروحي لترمب(صحف أمريكية)

ثانيًا: ترمب تلميذ كون من العقار إلى السياسة

1. التكوين الأول.. من التقاضي إلى بناء النفوذ

تبدأ العلاقة بين ترمب وكون في سبعينات القرن الماضي، في سياق قضية تتعلق بالتمييز العنصري في عقارات عائلة ترمب.

وفي هذه اللحظة المفصلية، لم يقدّم كون مجرد دفاع قانوني، بل قدّم نموذجًا كاملًا للتعامل مع السلطة، يقوم على المواجهة بدل التسوية.

ومنذ ذلك الحين، أصبح كون أكثر من مجرد محامٍ؛ إذ تحوّل إلى مستشار دائم، ومرشد في إدارة الصفقات، وبناء العلاقات، وتحقيق المكاسب. وقد لعب دورًا مهمًا في عدد من المشاريع الكبرى لترمب، من بينها صفقات عقارية وتخفيضات ضريبية، ما أسهم في ترسيخ مكانته داخل النخبة الاقتصادية في نيويورك.

2. من رجل أعمال إلى ظاهرة سياسية

لا تقف تأثيرات كون عند حدود المسار المهني لترمب، بل تمتد إلى تشكيل شخصيته العامة وأسلوبه السياسي. فقد تبنّى ترمب نهجًا يقوم على التصعيد، واستخدام الإعلام، وتضخيم الصراعات، وتجاهل الأعراف التقليدية في العمل السياسي.

وقد ظهر هذا التأثير بوضوح في حملاته الانتخابية وخطابه العام، حيث اعتمد على الهجوم المباشر، والتشكيك في الخصوم، وتقديم نفسه بوصفه خارج المنظومة التقليدية. كما انعكس في ميله إلى التراجع عن المواقف أو تغييرها بصورة مفاجئة، وهو ما جعله شخصية مثيرة للجدل ومحل اهتمام دائم من الإعلام والرأي العام.

وفي الوقت نفسه، تكشف الدراسة عن مفارقة لافتة في هذه العلاقة؛ إذ إن ترمب، رغم تأثره العميق بكون، لم يتردد في الابتعاد عنه مع تراجع نفوذه، ما يعكس طابعًا براغماتيًا حادًا في سلوكه، يتسق مع الفلسفة التي تعلمها منه.

مصدر الصورة الرئيس دونالد ترامب (رويترز)

الخلاصة

تُظهر الدراسة أن فهم شخصية دونالد ترمب وسلوكه السياسي يظل ناقصًا دون تحليل العلاقة التي جمعته بروي كون، باعتبارها علاقة تأسيسية أسهمت في نقل نموذج قائم على القوة والهيمنة إلى المجال السياسي. فترمب لم يبتكر هذا النموذج، بل ورثه وطوّره، مستفيدًا من السياق الإعلامي والسياسي المعاصر.

وفي هذا الإطار، لا تبدو "الظاهرة الترامبية" مجرد حالة فردية، بل تعبيرًا عن نمط أوسع في السياسة الحديثة، حيث يتراجع دور القواعد والمؤسسات لصالح الشخصيات القادرة على توظيف النفوذ والإعلام والصراع لتحقيق مكاسب سريعة.

ومن ثم، فإن دراسة هذه العلاقة لا تفسر مسار ترمب فحسب، بل تفتح الباب لفهم تحولات أعمق في طبيعة القيادة السياسية في العصر الحديث.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا