آخر الأخبار

لماذا يخاف ترمب من بابا الفاتيكان؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في مطلع عام 1077، وقف الإمبراطور الألماني هنري الرابع حافي القدمين، مرتديا ثوبا صوفيا خشنا، أمام قلعة كانوسا في شمال إيطاليا، ينتظر 3 أيام و3 ليال في صقيع الشتاء، ويطلب من البابا غريغوري السابع رفع الحرمان الكنسي عنه. كان الحرمان الكنسي قرارا رسميا من الكنيسة يقضي بإخراج فرد ما عمليا من "جماعة المؤمنين"، بحيث يُمنَع من الصلاة في الكنيسة أو الحصول على دفن مسيحي عند وفاته، ما يجعله "منبوذا" على الصعيد الديني.

سياسيا، كان الحرمان الكنسي سلاحا بيد البابا في مواجهة أي أحد حتى الإمبراطور نفسه. ولذا لم تكن اللحظة التي وقف فيها هنري الرابع حافيا أمام قلعة كانوسا لحظة تذلُّل فحسب، بل ذروة صراع سياسي بين القيصر والكنيسة، فقد تحدَّى هنري سلطة البابا في تعيين الأساقفة، فردَّ عليه البابا بحرمانه وعزله. أما ما تلى ذلك فكان انزلاق أوروبا نحو حقبات مديدة من التصدُّع بين قوة السيف وسلطان القداسة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 نيويورك تايمز: تبقى لطهران 40% من مسيّراتها و60% من منصات الصواريخ
* list 2 of 2 أكبر حملة إقالات في تاريخ الجيش.. لماذا يكره ترمب الجنرالات؟ end of list

منذ ذلك الحين، أصبح مصطلح "الذهاب إلى كانوسا" في الذاكرة الغربية استعارةً عن التذلُّل أو إبداء الندم الشديد أمام سلطة أعلى وأعتى تتدثَّر بالمُقدَّس المطلق. كانت تلك العبارة شعارا رفعه المستشار الألماني الشهير أوتو فون بِسمارك عام 1872 في صراعه مع الكنيسة الكاثوليكية في خضم مشروع توحيد ألمانيا (في ظل هيمنة البروتستانتية) ومخاوف بِسمارك من أن يؤثر ولاء الألمان الكاثوليك للبابا على ولائهم لألمانيا.

"تمثل واقعة كانوسا مثالا لخضوع السلطة السياسية للسلطة الدينية، بينما تمثل حقبة البابوية الأفنيونية النموذج المناقض تماما، حيث أخضعت الكنيسة قسرا للسلطة السياسية"

وبينما تمثل واقعة كانوسا مثالا لخضوع السلطة السياسية للسلطة الدينية المسيحية، فإن حقبة "البابوية الأفنيونية" تقدم النموذج المناقض تماما، حيث أخضعت الكنيسة قسرا للسلطة السياسية. بدأت تلك الحقبة الممتدة من 1309-1376 عندما أسر الملك فيليب الرابع ملك فرنسا البابا بونيفاس الثامن ونقله قسرا إلى فرنسا حيث لقى حتفه في ظروف غامضة، وذلك على خلفية صراع حول سلطة الكنيسة على الملوك، والضرائب التي فرضها الملك فيليب على رجال الدين.

إعلان

سرعان ما تم انتخاب بابا فرنسي للكنيسة (كليمنت الخامس) ونقلت البابوية قسرا إلى أفينيون حيث وضعت فعليا تحت الهيمنة السياسية الفرنسية لـ7 عقود، ما تسبب لاحقا في انقسام كنسي لم يحل إلا في مجمع كونستانس (المجمع المسكوني السادس عشر "1414 -1418"). وما بين حادثة كانوسا وبابوية أفينيون، يعود التجاذب بين السلطة السياسية والدينية في العالم المسيحي، في صورة السجال القائم بين الرئيس الأمريكي ترمب، مُمثلا لسلطة الدولة الأمريكية، والبابا ليو، مُمثلا للكنيسة الكاثوليكية، التي فقدت الكثير من سلطانها السياسي على مر القرون، لكنها لم تفقد تأثيرها الروحي في صفوف المسيحيين الكاثوليك حول العالم.

صحيح أنه لم يعُد حاكم يذهب أحد إلى كانوسا، لا فعليا ولا مجازا، كما لا تخضع الكنيسة لسلطة "أفينيون". ومع ذلك لا تزال رمزية كلا الحدثين قائمة، حيث ترفض السلطة السياسية أي شكل من أشكال الحضور السياسي للمؤسسة الدينية لا يتوافق مع توجهاتها، وإن كان في صورة توجيهات أخلاقية مجردة، فيما ترغب البابوية في إخضاع السياسة لقدر من المعايير الأخلاقية التي لا تُعجب البيت الأبيض، المؤسسة السياسية الأقوى في العالم.

مصدر الصورة لوحة إذلال كانوسا تظهر هنري الرابع عند مدخل قلعة كانوسا عام 1077للحصول على إلغاء قرار الحرمان الكنسي الذي أصدره البابا غريغوري السابع (غيتي)

رؤساء وبابوات

تاريخيا، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، اتسمت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والكرسي الرسولي بالكثير من التذبذب وعدم الاستقرار. حافظت واشنطن على روابط دبلوماسية محدودة مع الكنيسة إلا أن تنامي المشاعر المعادية للكاثوليكية في أمريكا دفع الكونغرس عام 1867 إلى قطع التمويل عن أي بعثات دبلوماسية أمريكية لدى الفاتيكان. تزامن ذلك مع محاولات القائد العسكري جوزيبي غاريبالدي ضم روما (شاملة الفاتيكان) إلى إيطاليا، والتي بلغت ذروتها عام 1870 بتوحيد الأراضي الإيطالية وإنهاء السلطة السياسية للبابا والكنيسة.

" تنامي المشاعر المعادية للكاثوليكية في أمريكا دفع الكونغرس عام 1867 إلى قطع التمويل عن أي بعثات دبلوماسية أمريكية لدى الفاتيكان"

عكست هذه القطيعة مخاوف من أن يصبح الفاتيكان قوة أجنبية غير ديمقراطية تتدخل في السياسة الأمريكية، لا سيما بعد حادثة اغتيال الرئيس أبراهام لينكولن (1865) والزج بشخصيات كاثوليكية بارزة في القضية دون دليل مثبت. منذ ذلك الحين، ولمدة تقترب من قرن من الزمان، تعامل الجانبان عبر مبعوثين غير رسميين، حتى مع بدء رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين القيام بزيارات رفيعة المستوى إلى البابوية بداية من وودرو ويلسون في عام 1919، وثيودور روزفلت عام 1959.

لم تُستأنف العلاقات الدبلوماسية الكاملة إلا في عام 1984، عندما افتتح الرئيس رونالد ريغان والبابا يوحنا بولس الثاني سفارتين رسميا، مما شكّل نقطة تحول في العلاقة، نحو تحالف ضمني بُني في معظمه على أساس المناهضة المشتركة للشيوعية.

"بلغ التعاون بين البيت الأبيض والفاتيكان ذروته خلال الحرب الباردة، حيث ساهمت الشبكات المرتبطة بالكنيسة في إيصال الأموال والدعم إلى حركات مناهضة للشيوعية"

بلغ التعاون بين البيت الأبيض والفاتيكان ذروته خلال الحرب الباردة، حيث يعتقد أن شبكة الفاتيكان من الكهنة والأساقفة والسفراء البابويين في الدول الشيوعية شكلت مصدرًا استخباراتيًا فعليًا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية. في إيطاليا وشرق أوروبا، ساهمت الشبكات المرتبطة بالكنيسة في إيصال الأموال والدعم إلى حركات مناهضة للشيوعية، مثل حركة تضامن البولندية، بينما ساعدت الكنيسة الكاثوليكية في إضفاء الشرعية على البدائل المدعومة غربيًا للأنظمة الماركسية.

مصدر الصورة رونالد ريغان (يمين) والبابا يوحنا بولس الثاني يقفان على منصة في مطار فيربانكس بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1984 (شترستوك)

بعد الحرب الباردة، انتقد الفاتيكان مرارًا التدخلات العسكرية الأمريكية، لا سيما حرب العراق عام 2003 و"الحرب على الإرهاب" الأوسع نطاقًا، بحجة أن استخدام القوة المفرطة ينتهك مبادئ الحرب العادلة ويضر بالمكانة الأخلاقية لأمريكا. في الوقت نفسه، دعمت شخصيات في الفاتيكان، مثل الكاردينال جوزيف راتزينغر (الذي أصبح لاحقًا البابا بنديكت السادس عشر)، بهدوء إعادة انتخاب جورج دبليو بوش (من خلال تشجيع الناخبين الكاثوليك ضمنيا على عدم انتخاب منافسه جون كيري بسبب موقفه المؤيد للإجهاض)، ما أظهر اضطرابا واضحا في موقف الكنيسة حين اضطرت للاختيار بين رفض الحروب وبين دعم التوجهات الاجتماعية المحافظة.

"انتقد الفاتيكان مرارًا التدخلات العسكرية الأمريكية، لا سيما حرب العراق عام 2003، لكن البابا بنديكت السادس عشر دعم ضمنيا رئاسة جورج بوش الابن"

في عهد باراك أوباما وجو بايدن (وهو ثاني رئيس كاثوليكي لأمريكا بعد جون كيندي)، استقرت العلاقات نسبيا. وقّعت الولايات المتحدة والكرسي الرسولي أول اتفاقية حكومية دولية بينهما بشأن الشفافية الضريبية عام 2015، وأكدت زيارة بايدن للبابا فرنسيس عام 2021 على تقارب وجهات النظر حول تغير المناخ والهجرة والفقر. ومع ذلك، فقد استمرت الخلافات الحادة في السياسات حول قضايا مثل الإجهاض والمثليين التي عارضها الفاتيكان باستمرار بينما حمتها أو وسّعت نطاقها العديد من الإدارات الأمريكية خاصة الديمقراطية.

إعلان

في عهد إدارة ترمب الأولى، كان التوتر هو السمة الغالبة للعلاقات. ففي عام 2016 قال البابا فرانسيس (وهو أول بابا من أصول لاتينية) إن من "يُفكِّر في بناء الجدران بدلا من الجسور ليس مسيحيا"، في إشارة إلى ترمب والجدار الحدودي مع المكسيك، الذي كان يُروِّج له أثناء فترته الرئاسية الأولى لمواجهة المهاجرين القادمين من المكسيك ومن أمريكا اللاتينية. وقد ردَّ ترمب حينها قائلا إن كلام البابا كان مُخزيا، ووصفه بأنه "بوق للمكسيكيين".

ترمب وليو الرابع عشر.. توترات متفاقمة

"حين تبسطون أيديكم أستر عيناي عنكم، وإن كثَّرتم الصلاة لا أسمع، أيديكم مملوءة دما"

بواسطة (بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر- مقتبسا سفر إشعيا 1:15)

أدى انتخاب البابا ليو الرابع عشر في مايو/أيار 2025 إلى تفاقم التوتر. وُلد ليو في شيكاغو باسم روبرت فرانسيس بريفوست، وأصبح أول بابا من أصول أمريكية وهو يحمل الجنسيتين الأمريكية والبيروفية. في البداية، سادت تكهنات بأن خلفيته الأمريكية ستُسهّل العلاقات مع واشنطن، لكن خطابه العلني سرعان ما وضعه في خلاف مع إدارة ترمب.

انتقد البابا ليو في خطابه الافتتاحي حول "حالة العالم" في يناير/كانون الثاني 2026 التحول من الدبلوماسية إلى القوة الأحادية، مُهاجمًا ضمنيًا "مبدأ مونرو" الذي تبنّاه ترمب، والذي أكّد على الهيمنة العسكرية الأمريكية الساحقة في نصف الكرة الغربي وخارجه. وحذّر البابا من أن الدبلوماسية القائمة على القوة تحلّ محل الحوار القائم على التوافق، وتحدّى بشكل مباشر استخدام البيت الأبيض للقوة العسكرية ضد إيران وفنزويلا وأماكن أخرى.

مصدر الصورة

بلغت ذروة التوتر في أبريل/نيسان 2026، عندما هدّد دونالد ترمب، في بيان انتشر على نطاق واسع، بـ"إبادة حضارية" إذا لم تمتثل إيران للمطالب الأمريكية، وهو ما فُسّر على نطاق واسع على أنه تهديد بإبادة جماعية للشعب الإيراني. وجّه البابا ليو نداء فوريا للسلام، وأدان من وصفهم بـ"القادة الذين تلطخت أيديهم بالدماء"، وهو تعبير فُسِّر على نطاق واسع على أنه توبيخ مباشر لترمب. وهو ما رد عليه الرئيس الأمريكي بالقول إنه "لا يريد بابا يرى أن امتلاك إيران للأسلحة النووية أمر مقبول، ولا يريد بابا يرى أن هجوم أمريكا على فنزويلا أمر فظيع".

"مندوب البنتاغون أخبر ممثل البابا أن الولايات المتحدة تملك القوة العسكرية لفعل ما تشاء في العالم وأن الكنيسة من الأفضل لها أن تنحاز إلى جانبها"

خلف الكواليس لم تكن الأمور أقل توترا. ففي يناير/كانون الثاني 2026، التقى مدير مكتب سياسات البنتاغون إلبريدج كولبي، مع الكاردينال كريستوف بيير، سفير الفاتيكان لدى الولايات المتحدة، لعقد اجتماع مغلق في وزارة الحرب. ووفقًا لتقارير صحفية، ألقى كولبي ما وُصف بـ"المحاضرة اللاذعة"، مؤكدًا أن الولايات المتحدة "تمتلك القوة العسكرية لفعل ما تشاء في العالم" وأن الكنيسة الكاثوليكية "من الأفضل لها أن تنحاز إلى جانبها".

أشارت المصادر أيضا أن المسؤول الأمريكي استدعى تهديد "بابوية أفينيون"، ملوحا بسياسات أمريكية صارمة تهدد استقلال الكنيسة. من جانبها، وصفت وزارة الحرب الأمريكية هذه الأنباء بأنها "خاطئة ومشوّهة"، مؤكدة أن كولبي عقد اجتماعا "جادا ومحترما ومهنيا" مع ممثل الكنيسة ناقش مجموعة من المواضيع، شملت دور الأخلاق في السياسة الخارجية، ومنطق إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، وأوروبا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية ومواضيع أخرى.

وبصرف النظر عن دقة واقعة التهديد، من الواضح أن السجال بين ترمب والفاتيكان متجذر في أبعاد جيوسياسية ولاهوتية على السواء. فالفاتيكان، في عهد البابا ليو الرابع عشر، يُصرّ على ضرورة أن تتحدث الكنيسة باسم الضمير والسلام حتى لو كان ذلك يعني مقارعة أقوى دولة في العالم. في المقابل، يعتبر البيت الأبيض تعليقات البابا نوعا غير مقبول من الممارسة السياسية. ودينيا، يثير هذا السجال انقساما لا يمكن تجاهله في المجتمع الكاثوليكي في أمريكا، بين الولاء للكنيسة، وبين تأييد الرئيس الذي انتخبه السواد الأعظم من المتدينين المحافظين.

"يثير هذا السجال انقساما لا يمكن تجاهله في المجتمع الكاثوليكي في أمريكا، بين الولاء للكنيسة، وبين تأييد الرئيس"

بعبارة أخرى، ثمَّة سجال هُنا بين نموذجين للشرعية، الأول الشرعية الشعبوية الكاريزمية مع زعيم يدَّعي تمثيل الشعب، ويُوظِّف الدين كأداة تعبئة، والثاني شرعية المؤسَّسات التقليدية والأخلاق بمعناها الديني، هكذا يمكن وصف الصدام بين ترمب والبابا بأنه أكثر من تناقض في الرؤى؛ إنه محاولة لإعادة تعريف من يملك الحق في تفسير الضمير العام و"المقدس"، غير أن هذا الصدام من المرجح أن تكون له تداعيات مباشرة على السياسة الأمريكية، داخليا وخارجيا على السواء.

إعلان

الداخل الأمريكي.. تآكل الحلف الكاثوليكي–اليميني

داخل واشنطن، يتحول الصراع بين ترمب والبابا إلى جدال جماهيري مُؤثِّر في الحياة السياسية والانتخابات. فقد صوَّت الكاثوليك في انتخابات عام 2024 لصالح ترمب بفارق 10 نقاط كاملة عن منافسته كامالا هاريس، وهو فارق كبير مقارنة بانتخابات 2020 التي تقاسم فيها ترمب وبايدن الأصوات الكاثوليكية بالتساوي تقريبا.

ولكن في فبراير/شباط 2026، قبل الحرب الإيرانية مباشرة، أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة واشنطن بوست بالتعاون مع شبكة "إيه بي سي" وشركة إيبسوس أن 41% من الكاثوليك الأمريكيين يؤيدون ترمب، بانخفاض عن نسبة 48% في العام السابق. وفي استطلاع رأي آخر أجرته شبكة "إن بي سي" في مارس/آذار 2026، تبين أن 42% من الناخبين الأمريكيين المسجلين لديهم رأي إيجابي في البابا ليو، مقابل 8% فقط لديهم رأي سلبي و50% قالوا إنهم محايدون.

"صوَّت الكاثوليك في انتخابات عام 2024 لصالح ترمب بفارق 10 نقاط كاملة عن منافسته كامالا هاريس"

يجادل كثير من المراقبين بأن هذا التغير (وإن لم يصبح جذريا بعد) ينذر بتآكل زخم "الحلف الكاثوليكي-اليميني" الواقف خلف ترمب، خاصة في مناطق الغرب الأوسط. وقد دعا الأسقف روبرت بارون، عضو لجنة حرية الدين في عهد ترمب، إلى تقديم "اعتذار" للبابا، ووصف التصريحات بأنها "غير لائقة ومسيئة". كما أصدر رئيس مجلس الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة بول كوكلي بيانا أكد فيه أن البابا ليس "منافسا سياسيا" لترمب، بل هو "نائب المسيح"، ما اعتبره مراقبون ردا حازما على محاولة الإدارة الأمريكية النيل من الكنيسة. ومن شأن انقلاب أساقفة كاثوليك على ترمب أن يُفقِد الجمهوريين أصواتا مفصلية في ولايات مثل بنسلفانيا وأوهايو، حيث يُشكِّل الكاثوليك كتلة مُعتبرة في الولايتيْن.

في القلب من هذا المأزق، يجد نائب الرئيس جيه دي فانس نفسه في موضع محرج، فهو كاثوليكي اعتنق الكاثوليكية حديثا (عام 2019)، وقد عُدَّ صمته عن هذا الصدام ضربا من التواطؤ مع الرئيس، ما عرضه لهجوم من قبل العديد من الرموز الكاثوليكية. وقد حاول فانس تجاوز أزمته بإمساك العصا من المنتصف في تصريحاته لـ فوكس نيوز عندما قال: "ليَلتَزِم الفاتيكان بالأخلاق والرئيس بالسياسة"، وهو تصريح رأى فيه كثيرون محاولة يائسة لفانس في الموازنة بين ولائه لترمب وإيمانه الديني الجديد والمحافظة على شعبيته الجماهيرية في ظل تطلعه للترشح للرئاسة في الانتخابات القادمة عام 2028.

على مستوى الإعلام والصحافة، سُجِّل تصدُّع في الجبهة اليمينية. فقد أعلن شون هانيتي، حليف ترمب في فوكس نيوز دعمه للرئيس، وشن هجوما على البابا ما سلط الضوء على الشرخ بين اليمين والكنيسة. أما الديمقراطيون فيعمدون اليوم إلى تصوير البابا ليو على أنه "رمز السلام" لأسباب انتخابية واضحة، وقد بدأوا بالفعل حملات رقمية لاجتذاب الكاثوليك الوسطيين بخطاب إعلامي تبشيري مضمونه أن "الإيمان الحقيقي يرفض الحرب".

"في الكونغرس، انبرى مجموعة من النواب الجمهوريين الكاثوليك، لرأب هذا الصدع المتنامي ومحاولة احتواء تداعياته"

في الكونغرس، انبرى مجموعة من النواب الجمهوريين الكاثوليك، لرأب هذا الصدع المتنامي ومحاولة احتواء تداعياته. مثلا، دعا النائب رايان زينك (جمهوري من مونتانا) الرئيس ترمب إلى "إصلاح" العلاقات مع البابا ليو الرابع عشر و"التخلي" عن خلافه المستمر معه، معترفًا بأنه بوصفه "كاثوليكيا" يشعر بالألم جراء هذا الخلاف. كما أصدر النائب برايان فيتزباتريك (جمهوري – بنسلفانيا) بيانا وصف فيه تصريحات ترمب بأنها "إهانة للكنيسة"، و"إساءة للمؤمنين الكاثوليك" داعيا إياه إلى الاعتذار والتراجع.

هذا التمرُّد الكاثوليكي الداخلي، وإن بقي محدودا حتى الآن، يعكس مخاوف الجمهوريين من خسارة أصوات الكاثوليك الذين يُشكِّلون نحو 22% من الناخبين في الانتخابات النصفية القادمة، خاصة في الولايات المتأرجحة التي صوتت لترمب والحزب الجمهوري في انتخابات عام 2024، وتظهر ميولا للديمقراطيين في الانتخابات المقبلة.

مصدر الصورة النائب برايان فيتزباتريك أصدر بيانا وصف فيه تصريحات ترمب بأنها "إهانة للكنيسة" و"إساءة للمؤمنين الكاثوليك" داعيا إياه إلى الاعتذار والتراجع (شترستوك)

البابا والقارة العجوز

على الضفة الأخرى من الأطلسي، يثير السجال بين ترمب والبابا الكثير من المواقف، خاصة في معقل البابوية في إيطاليا. انتقدت رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني، التي تُعدّ من أبرز الشخصيات المحافظة القريبة من ترمب، هجوم الرئيس الأمريكي على البابا ليو معتبرة أنها "غير مقبولة"، ومؤكدة أن من واجب البابا أن يدعو إلى السلام وأن يدين كل أشكال الحرب". وتواجه روما إحراجا داخليا خاصة، يتمثل في الموازنة بين التقارب مع واشنطن، وبين الحماية الرمزية للكرسي الرسولي، خاصة بعدما ردَّ ترمب على ميلوني وهاجمها بشدة رغم إشادته السابقة بها.

"يجد الفاتيكان في أوروبا إذن حلفاءه الأهم، ليس فقط في دول الجنوب ذات الأغلبية الكاثوليكية مثل إيطاليا وإسبانيا، ولكن حتى في غرب أوروبا مثل فرنسا وحتى ألمانيا"

وفي فرنسا، زار الرئيس إيمانويل ماكرون الفاتيكان في 9–10 أبريل/نيسان 2026 والتقى البابا ليو الرابع عشر، في زيارة رسمية وُصفت بأنها تعكس تقدير فرنسا لدوره كأحد أبرز أصوات الدعوة للسلام في زمن النزاعات. يجد الفاتيكان في أوروبا إذن حلفاءه الأهم، ليس فقط في دول الجنوب ذات الأغلبية الكاثوليكية مثل إيطاليا وإسبانيا، ولكن حتى في غرب أوروبا مثل فرنسا وحتى ألمانيا. حيث يجد المسؤولون الأوروبيون سببا إضافيا للنأي بأنفسهم عن سياسات ترمب، خوفا من إغضاب قواعدهم الشعبية، خاصة من المتدينين الكاثوليك.

مصدر الصورة البابا ليو الرابع عشر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت خلال لقاء خاص في الفاتيكان في 10 أبريل/نيسان 2026 (شترستوك)

يخوض ترمب مقامرة إذن بسجاله مع البابا والكنيسة، وهي مقامرة تفاداها أسلافه من الرؤساء مهما كانت خلافاتهم مع الكنيسة. فقد امتدح جورج بوش الابن، على سبيل المثال، يوحنا بولس الثاني رغم انتقاد الأخير فظائع العراق، واحتفظ بمسافة دبلوماسية محسوبة بدقة. غير أن ترمب يرى في ليو خصما يستحق المواجهة، ويفترض أن القوة المُطلقة لا يجب أن يوقفها أحد، ولا حتى الكرسي الرسولي. لكنه في مغامرته تلك، يخاطر بخسارة حلفائه من الكاثوليك المُتدينين، وبإحداث المزيد من التشظِّي في الكتلة الغربية.

إعلان

ثمَّة مآلات محتملة للصدام الراهن بين ترمب والبابا، أولها وأسهلها التراجع التكتيكي للإدارة عن اللغة التصعيدية ومحاولة فتح قنوات دبلوماسية تعيد الاتصالات بين الفاتيكان وواشنطن إلى طبيعتها. وثانيها وأقربها إصرار ترمب على موقفه، ومن ثمَّ اتَّساع الشرخ مع الجماهير الكاثوليكية ما يهدد حظوظ ترمب وحزبه في الانتخابات النصفية التي يواجهون فيها تحديات كبيرة بالفعل.

"أظهرت هذه الأزمة بالفعل حجم الانفصال القيمي بين كُتلتين داخل الغرب نفسه يُفترض أنهما كانتا حلفاء في مواجهة الليبرالية"

وفي المجمل، وأيا كانت نتيجة الصدام الحالي، فإنه يعد غير مسبوق في عُمقه واستخدامه المكثف للرموز الدينية، وهي يشي بتصدُّع بين تيار اليمين السياسي وبين الجمهور الديني التقليدي وهو التحالف الذي حمل ترمب والعديد من الأحزاب اليمنية الأوروبية إلى السلطة. لقد أظهرت هذه الأزمة بالفعل حجم الانفصال القيمي بين كُتلتين داخل الغرب نفسه يُفترض أنهما كانتا حلفاء في مواجهة الليبرالية.

عناوين بعض الصحف الإيطالية تناولت تصريحات ترمب بشأن البابا ليو الرابع عشر استخدمت كلمات مثل "غضب" و"هجوم صادم" و"إهانة" و"انشقاق ترمب" (أسوشيتد برس)

في جوهره، يعد خلاف ترمب والبابا جزءا من صراع طويل الأمد حول التوازن الصحيح بين السلطة الأخلاقية والقوة السياسية العسكرية. وما بين إذلال "كانوسا" الذي يرفضه ترمب كما رفضه بيسمارك، وأشباح "أفينيون" التي تخشاها الكنيسة، ثمَّة أسئلة قديمة للظهور من جديد من ثنايا الشروخ الاجتماعية في المجتمع الغربي: هل تحتاج السياسة إلى ضابط أخلاقي يوجه بوصلتها؟ أم أن القوة سوف تظل تحتكر الحقيقة، بما في ذلك تعريف الدين والمقدس؟"

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل إيران أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا