في سوريا، البلد الذي شهد نزاعاً مسلحاً وحروباً داخلية استمرت نحو 14 عاماً واستقطبت جهاديين من مختلف انحاء العالم، ارتبطت الكثير من السوريات بهؤلاء الجهاديين. ينفرد هذا التحقيق الميداني الحصري لـ DW عربية من مدينة الرقة السورية، بلقاء صحفي للمرة الأولى مع أرملة المقاتل الأمريكي الشهير "راسل دينيسون" الذي ذاع صيته في صفوف تنظيم داعش وقتذاك، ومع أرملة جهادي بريطاني الجنسية كان مقرباً من زعيم "داعش" أبو بكر البغدادي .
وقد أنجب هؤلاء المقاتلون أطفالاً يعيشون مع أمهاتهم مجهولي النسب، بعد رفض جميع الدول والحكومات الغربية والعربية منحهم جنسية آبائهم، أو حتى الاعتراف بوجودهم، وبقيت تلك الأمهات في حيرة من أمرهنّ وأطفالهن يكبرون عاماً تلو الأخر دون مدارس أو أسم عائلة يحميهم من تبعات المستقبل.
ففي منزل ريفي بأطراف مدينة الرقة الواقعة في شمال سوريا، تروي أم إسحاق وهي أم لطفلين من أب بريطاني كان قيادياً في صفوف تنظيم "داعش" الإرهابي، قبل مقتله في معركة الباغوز بداية عام 2019 بريف محافظة دير الزور شرقي البلاد؛ ترك لها جرحاً لن يندمل وأطفالاً يكبرون عاماً تلو الأخر أمام ناظريها، بغياب لقب عائلة والدهم وجنسيته ولا تمتلك هذه الأم أي وثيقة تثبت نسبهم أو حتى تاريخ ولادتهم.
هذه السيدة هي واحدة من آلاف النساء السوريات اللواتي ارتبطن بمقاتلين أجانب ؛ سرعان ما تحولت زيجاتهن إلى كابوس وتركة ثقيلة تتحمل المرأة أعباء مسؤوليتها بمفردها. وذكرت (أم إسحاق) وهي في منتصف عقدها الثالث من العمر في حديثها لـ DW عربية، بأنها ارتبطت بجهادي بريطاني في شهر فبراير/ شباط 2015 أدعى أن اسمه "إسكندر عمر الجمالي"، لتكشفت لاحقاً أن: "هذا الاسم كان غير حقيقي، شغل رئاسة مصانع تطوير الأسلحة بالتنظيم، حيث كان يصنع الأسلحة والطائرات المسيرة"، بحسب أم إسحاق.
أم اسحاق: أهلي وحتى محيطي يرفضون التعامل معي أو اللعب مع أطفالي ويقولون إنهم أطفال (دواعش)، وهذه مأساة مضاعفة لما نحن فيه اليوم".صورة من: Kamal Sheikho/DW
وقالت إن زوجها إسكندر وبعد ارتباطهما بـأقل من شهر، "تزوج من جهادية هولندية فرزوها له من ديوان التنظيم مكافأة لخدماته، ثم تزوج حلبية في نفس العام وتزوج للمرة الرابعة بفتاة من الرقة". غير أنه لم ينجب أي أطفال إلا من زوجته الثانية بعد البريطانية أم إسحاق، وعن موقف عائلتها ومحيطها الاجتماعي من هذا المصير أكدت بان الغالبية يرفضون التعامل: "أهلي وحتى محيطي يرفضون التعامل معي أو اللعب مع اطفالي ويقولون إنهم أطفال (دواعش)، وهذه مأساة مضاعفة لما نحن فيه اليوم".
أثناء حديثها جلس إبنها إسحاق البالغ من العمر 10 سنوات وكان يشكو من وجود شظية في رأسه ويحتاج إلى عمل جراحي، وأشارت والدته إلى أن هذه الشظية: "تعرض لها خلال سنوات مكوثنا بالرقة 2016 وتعرضها لقصف طيران التحالف الدولي"، أما أخاه الاصغر يعقوب (8 سنوات) والذي جلس على مقربة كانت ملامحه انجليزية، هادئ الطباع وقليل الكلام يشبه والده بحسب الأم وقالت، "أطفالي اليوم محرومون من مقاعد الدراسة، والسبب غياب البطاقة الشخصية ودفتر العائلة، لم أستطع تسجيلهم في أي مدرسة، يضاف لها عجز حالتنا المادية مما حرمهم من التعليم والعلاج المناسب".
وخلال سنوات حكمه على مناطق شاسعة في سوريا ومراكز مدن حضرية بين أعوام 2014 و2019، تمكن تنظيم "داعش" من استقطاب آلاف الجهاديين من جميع أنحاء العالم، وقدرت المملكة المتحدة وقتذاك عدد مواطنيها الذين التحقوا بالتنظيم بـ 850 شخصاً بينهم 145 امرأة و50 طفلاً، أحدهم كان الجهادي إسكندر.
وتتساءل هذه الأرملة بحيرة كونها تجهل حقيقة نسب زوجها السابق أو اسم عائلته ولم يتواصل معها أي فرد من أفراد أسرته، ومصير مجهول يكتنف طفليها اللذين لا يمتلكان ثبوتيات شخصية داخل البلد الذي وُلدوا ونشأوا فيه، وأضافت بحسرة: "عندما أسعفهم للطبيب أو أي مستشفى يكون أول سؤال: ما هو أسم الأب وماذا يعمل، وهذا الجواب لا أملكه وأعجز عن كشف حقيقة والدهم"، وكل المعلومات التي تمتلكها إنه وبعد دخوله لسوريا منتصف 2014 انتسب بدايةً لصفوف جبهة النصرة ثم التحق بصفوف "داعش" وكان أميراً فيها حتى مقتله.
وبحسب أم إسحاق كان إسكندر متزوجاً من بريطانية رفضت بشدة مرافقته في سفره إلى سوريا، لكنها بقيت على تواصل معه طوال وجوده، وعلقت على حداثة مقتله: "بعد مقتله تواصلت زوجته البريطانية مرة وكانت تعلم مصيره، لكنها رفضت إعطائي اية معلومات عن عائلته أو عنوان سكنهم، ولم ترد على باقي الاتصالات". وعندما سمعت نبأ قتله: "صراحة فرحت كثيرا وصرخت من شدة سعادتي، أتذكر مرة ضربني في الشارع لدرجة أن المقاتلين جاؤوا مسرعين حتى خلصوني منه، بقيت ساعة كاملة مغمى عليّ من شدة الخوف، كان ظالماً"، على حد تعبيرها.
للمرة الأولى تتحدث أم استبرق البالغة (38 عاماً) والمتحدرة من مدينة الرقة وهي أرملة الجهادي الأمريكي "راسل دينيسون"؛ في حديث صحفي خصته لـ DW عربية كيف كان زوجها السابق من بين أوائل الأمريكيين الذين انضموا إلى تنظيم "داعش"، يرجح مقتله بعبوة ناسفة او قصف طيران للتحالف الدولي اثناء معركة الباغوز ربيع 2019.
دينيسون كان ينحدر من ولاية فلوريدا الأمريكية ويعيش في ولاية بنسلفانيا، وتقول هذه السيدة: "دخل سوريا بداية 2015 ليغضب والده كثيراً ثم قطع علاقته معه كلياً، وبقيت والدته تتواصل معه وترسل الأموال، لأنه كان مصاباً عندما جاء إلى الرقة نهاية العام نفسه"، وذكرت ايضاً كان لديه صحفي أمريكي: "وهو صديق مقرب كثيراً منه بقي يتواصل معه حتى مقتله"، على حد قولها.
وهذه السيدة التي اتشحت بالسواد ولم يظهر منها سوى عينيها، أوضحت أنهما تزوجا سنة 2016 وتنقلوا بين معظم المناطق التي خضعت آنذاك لسيطرة التنظيم، "عندما وصل الرقة كان مصاباً في قدمه، لم يعمل شيئاً وكان يعيش على كفالة التنظيم وهي عبارة عن 50 دولار أمريكي شهرياً، لكن والدته كانت تساعدنا مادياً". وكشفت أم استبرق أن دينيسون التحق بدايةً بصفوف "جبهة النصرة" والتي عرفت فيما بعد بـ" هيئة تحرير الشام " التي كان يقودها الرئيس الحالي أحمد الشرع قبل توليه رئاسة سوريا نهاية 2024، وأشهر إسلامه ثم بايع تنظيم "داعش" وكان اسمه الحركي "أبو يوسف جلال الدين".
ونوهت بأن علاقتهما في البداية كانت تتسم بالحب والتفاهم: "كان طيبا ويحكي العربية قليلا، لكن خلافاتنا زادت وقرر أن يبقى مع التنظيم حتى قتل في الباغوز، وأنا نزحت لمخيم الهول ثم رجعت لعند أهلي بالرقة عبر كفالة العشائر".
تقول أم استبرق إن حياة زوجها الجهادي الداعشي دينيسون كان يلفها الغموض، سيما بعد توجيه التنظيم اتهامات له بالتجسس والتخابر مع جهات دوليةصورة من: Kamal Sheikho/DWغير أن حياة الجهادي دينيسون كان يلفها الغموض، سيما بعد توجيه التنظيم اتهامات له بالتجسس والتخابر مع جهات دولية، لتقول: "نهاية 2018 اعتقله التنظيم وبقي أكثر من شهر في السجن بتهمة التخابر والتجسس لصالح أجهزة مخابرات دولية"، ونقلت بأن زوجها وبعد خروجه من السجن ألح كثيراً على الانشقاق والهروب إلى تركيا أو دولة ثانية.
أما اليوم وبعد سنوات من مقتل زوجها، لا تخفي هذه السيدة أنها تتعرض للتنمر الاجتماعي وتلاحقها وصمة الارتباط بـ"داعشي أمريكي"، وتعاني الرفض الاجتماعي من قبل أهلها والجيران، لأنها أرملة مقاتل أجنبي وأنجبت منه أطفالا لا يحملون جنسية والدهم. وعن أبرز التحديات التي تواجه حياتها اليومية تضيف قائلة: "لا اثباتات لبناتي، لا دفتر عائلة ولا قيد مدني ولا نمتلك حتى وثيقة واحدة تثبت نسبهم وزواجي من مواطن أمريكي، وأن هذه البنات من صلبه".
وبعد مضي عام وعدة أشهر على تولي الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع وسيطرة "هيئة تحرير الشام" وحلفائها على السلطة، والأخيرة كانت على صراع واقتتال استمر لسنوات ضد تنظيم "داعش"، تعهدت في مايو/أيار العام الماضي، بدمج المقاتلين الأجانب في وزارة الدفاع، تتساءل أم استبرق عن حالها وحال الكثير من السوريات اللواتي فقدن أزواجهن، وما إذا ستتمكن من تجنيس أبنتيها إذ يُنظر إليهن كمجهولتي النسب.
وكان دينيسون قد أعطى أم استبرق رقم صحفي أمريكي كانت تربطهما صداقة قوية بقيا على تواصل حتى مقتله، وأكدت أنه طلب من صديقه أن يتكفل بإيصالها إلى أهله ووالدته، "راسلت الرقم كثيراً لكنه لا يجيب رغم مناشداتي له"، وأوضحت أن ابنتها استبرق تبلغ من العمر اليوم 9 سنوات وتتساءل كثيراً عن جدتها وأهل والدها، وتضيف: "ابنتي استبرق كبرت وتسألني دائماً عن جدتها وأهل أبيها، لأن دينيسون كان يحدثها عن أمه كثيراً، وكيف تعيش في منزل جميل في أمريكا ولديها حديقة كبيرة".
تغيب الأرقام والإحصاءات الرسمية عن عدد السوريات اللواتي تزوجنّ بمقاتلين أجانب ويصعب حصر أعداد أطفالهنّ، غير أن الكثير من واقعات الزيجات تمت في مدينة الرقة نظراً لأنها كانت أول مدينة حضرية سيطرَ عليها التنظيم في سوريا، وخضعت لسيطرته ما يقرب 4 سنوات متتالية بين أعوام 2014 و2017 قبل دحره على يد قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية. ومن بين هذه الزيجات قصة ثلاثة أخوات تزوجنّ من مقاتلين عرب مهاجرين من نفس العائلة.
تقول إحدى هذه السيدات وتدعى أم محمد لـ DW عربية تتحدر من بلدة المنصورة بريف مدينة الرقة من جهتها الجنوبية الغربية، إنها متزوجة من مقاتل تونسي من العاصمة تونس، وتونس كانت ثالث أكبر دولة صدرت مقاتلين أجانب إلى سوريا خلال سيطرة "داعش"، وقدرت أعدادهم بنحو 3 آلاف مقاتل التحقوا بصفوف التنظيم، فيما بلغ أعداد المقاتلين من دول الاتحاد الروسي بـ 3400 مقاتل، وكان عدد المقاتلين الذين قدموا من الأردن يبلغ نحو 3 ألاف ومن فرنسا جاء 1900 جهادي.
وبحسب أم محمد كان زوجها يلقب بـ "أبو بصير التونسي" محتجزاً لدى قوات " قسد " قبل أن ينقل الشهر الماضي إلى العراق، ولا تعرف عنه آية معلومات وما إذا قدم لمحاكمة، ولديها ثلاثة أطفال أكبرهم يبلغ من العمر 12 عاماً، وعن أخواتها البنات اللواتي تزوجن من مقاتلين عرب، تقول: "أختي الثانية متزوجة من مقاتل بحريني قتل في استعصاء سجن الحسكة قبل 6 سنوات وعندها طفل واحد، أما أختنا الثالثة متزوجة من مقاتل مغربي قتل بمعركة الباغوز ولديها طفلان منه".
مدينة الرقة في شمال سوريا كانت عاصمة خلافة داعش حين كان يسيطر على أجزاء واسعة من شمال وشرق سورياصورة من: Kamal Sheikho/DWولا توجد إحصائية دقيقة بحالات زواج السوريات بالمقاتلين الأجانب وبحسب تقارير صحفية نشرت في العام 2018، يوجد حوالي 1750 حالة زواج لسوريات من مهاجرين أجانب، أنجبنّ قرابة 1830 طفلًا مجهولي النسب، وبحسب خبراء قانونيين تنعكس تبعات هذه الزيجات على الأطفال بالجردة الأولى، لبقائهم بدون أوراق ثبوتية، بلا مدارس، بلا رعاية صحية، ولا يحق لهم التنقل لغياب السجلات الرسمية، وبالتالي لا وجود قانوني لهم.
ويشير المحامي والقانوني جوان محمد لـ DW عربية إلى أن زواج السوريات من جهاديين أجانب الذين إما قتلوا او يقبعون خلف السجون؛ ولم يثبتوا زيجاتهم بشكل قانوني رسمي، "فالقانون السوري لا يمنح الجنسية لأطفال الأم السورية من أب أجنبي، وفي حال ثبت شرعاً وقانوناً أن الأب مجهول، يتم تسجيل الطفل على أسم أمه، بعد إجراءات طويلة ومعقدة ومصادقتها من المحاكم الشرعية".
وعن هذه الزيجات، تقول الناشطة الاجتماعية نورا خليل مديرة منظمة (شمس للتأهيل والتدريب) والتي عملت في مخيمات الهول وروج شمال شرقي سوريا، إن هذا الزواج: "يطلق عليه زواج عابر للجنسيات، تزداد نسبته خلال فترات الحروب والأزمات. فزواج السوريات من أجانب دمر مستقبل الأطفال بسبب ضياع نسبهم، وعدم القدرة على معرفة هوية الأب الحقيقية"، مما جردهم قانونياً من حقوقهم في التعليم والرعاية الصحية ولم ترد اسماؤهم في السجلات الرسمية، ولن يحصلوا على بطاقات الهوية.
وكانت منظمة اليونيسف الأممية قد حذرت في تقرير لها من أن السوريين الذين لم يسجلوا رسمياً واقعات زواجهم، "لم يتم تسجيل مواليدهم، يعملون بذلك على زيادة عدد النساء غير المحميات اجتماعياً، والأطفال الذين يفتقرون إلى وثائق الهوية والأهلية الاجتماعية"، وأشار التقرير إلى أن السوريين كانوا يفتقرون لآليات وصول ميسرة للتسجيل الرسمي، "وإذا استمر الوضع القائم فهناك خطر ظهور جيل من الأطفال السوريين مجهولي النسب والهوية ضمن حدوده بعد انتهاء الأزمة السورية"، حسبما ورد في التقرير.
تحرير: عارف جابو
المصدر:
DW