( CNN )-- أعلنت الحكومة المصرية إجراءات للسيطرة على ضغوط التضخم بفعل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، في ظل التصعيد العسكري في المنطقة على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، حيث تضغط الزيادة في تكاليف الوقود والكهرباء وأسعار السلع الأساسية على القدرة الشرائية للمواطنين .
لمواجهة هذه التحديات، قال رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، إن الحكومة ناقشت مؤخرًا موضوع التضخم مع اتحاد الصناعات واتحاد الغرف التجارية، وتم تشكيل مجموعة عمل تضم الوزراء المعنيين وممثلي هذه الاتحادات لدراسة تداعيات زيادة أسعار الوقود وارتفاع سعر العملة، وتحديد مدى التأثير وموعد ظهوره الفعلي.
وأوض مدبولي أن أي زيادة في الأسعار على المدى القصير يجب أن ترافقها مراقبة دقيقة للتضخم، لأن ارتفاعه يؤدي تلقائيًا إلى رفع أسعار الفائدة، ما يؤثر بشكل مباشر على المستثمرين وتعاملاتهم مع البنوك .
ويأتي ذلك بعد أن كشف مدبولي عن حجم الزيادة في فاتورة الطاقة، لافتًا أن تكاليفها قبل الحرب كانت نحو 560 مليون دولار شهريًا، وارتفعت إلى أكثر من 1650 مليون دولار نتيجة زيادة أسعار الوقود، مع التركيز على السولار الذي ارتفع سعر الطن منه من 665 دولارًا إلى 1665 دولارًا. كما أضاف أن أي زيادة في سعر السولار تؤدي تلقائيًا إلى زيادة أسعار السلع الأخرى، ما ينعكس على التضخم ويزيد العبء على المواطنين، لذلك يتم تحريك الأسعار جزئيًا مع ترشيد الاستهلاك كوسيلة لتخفيف هذه الأعباء .
وفي محاولة لتوفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، تابع رئيس الوزراء مشروع "كاري أون" لمنافذ البيع الحديثة، الذي يهدف أيضًا إلى تعزيز استقرار الأسواق .
وتعكس هذه التطورات ضغوطًا أوسع على قطاع الطاقة، إذ ارتفعت فاتورة الطاقة في مصر بشكل ملحوظ من نحو 1.2 مليار دولار في يناير/كانون الثاني إلى نحو 2.5 مليار دولار، مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود عالميًا وتداعيات التوترات الإقليمية، ما يضيف أعباء إضافية على الاقتصاد ويغذي موجة التضخم، بحسب مدبولي.
تتزامن هذه الضغوط مع تراجع سعر الجنيه، حيث بلغ سعر الدولار في السوق الرسمي بأكبر بنكين حكوميين نحو 54.6 جنيهًا لأول مرة في تاريخه، وذلك قبل اجتماع لجنة السياسات النقدية للبنك المركزي المقرر في 2 أبريل/نيسان المقبل لتحديد أسعار الفائدة .
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تسارع وتيرة التضخم قبل التصعيد العسكري في المنطقة، إذ سجل معدل التضخم الشهري في المدن 2.8% خلال فبراير/شباط 2026، مقارنة بـ1.2% في يناير/كانون الثاني، فيما ارتفع المعدل السنوي إلى 13.4% مقابل 11.9% في الشهر السابق، وهو ما يعكس اتجاهًا صعوديًا للأسعار حتى قبل موجة ارتفاع الطاقة الحالية .
في هذا الإطار، قال طارق متولي، نائب رئيس بنك بلوم السابق، إن استمرار الأزمة الحالية لأكثر من شهر قد يؤدي إلى تأثير سلبي ملموس على التضخم في مصر، متوقعًا أن يبدأ انعكاس ذلك عمليًا خلال الشهر المقبل، متوقعًا امتداد آثاره إلى الاستثمار والسياحة والنشاط الاقتصادي بشكل عام حال استمرار التوترات في المنطقة .
وأوضح متولي، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، أن انخفاض قيمة الجنيه بنسبة تتراوح بين 13 و14%، وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، يمثلان العاملين الرئيسيين وراء الضغوط التضخمية الحالية في مصر والعالم، مشيراً إلى أن الإجراءات الأخيرة مثل رفع أسعار الطاقة وتحريك سعر الصرف ساهمت في زيادة التضخم بدلاً من الحد منه، وكان من الممكن تدرج هذه الإجراءات لتخفيف آثارها على الاقتصاد .
وتوقع متولي قيام البنك المركزي بتثبيت أسعار الفائدة خلال الشهر المقبل، موضحًا أن أي تعديل مستقبلي سيكون مرتبطًا بتطورات الأزمة والحرب، مؤكدًا أهمية التدرج في رفع الأسعار لتقليل العبء على المواطنين دون الإضرار بالاستثمار والأسواق المالية .
من جانبه، قال الخبير المصرفي، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبدالعال، إن مصر تواجه ضغوطًا تضخمية متزايدة نتيجة زيادة أسعار الوقود بقرار إداري، إضافة إلى انخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار، حيث تؤثر هذه العوامل على التضخم الأساسي، كذلك رفع أسعار الوقود بنسبة تتراوح بين 17 و30% قد يرفع معدل التضخم بين 2 و3%، مع احتمالية زيادة أكبر نتيجة تأثير انخفاض سعر الصرف على فاتورة الاستيراد، ما يخلق تضخمًا مستوردًا إلى جانب التضخم الداخلي .
وأوضح عبد العال، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، أن أي زيادة في التضخم نتيجة هذه القرارات الإدارية ستظهر تدريجيًا على مختلف القطاعات، بدءًا من النقل والخدمات، ثم الصناعات التحويلية والزراعة، قبل أن تنتقل إلى السلع الغذائية، وهو ما قد يستغرق بين أربعة وثمانية أشهر إذا استمرت حالة التوتر الجيوسياسي الحالية .
وأضاف أن في حال استمرار التصعيد العسكري وفشل الجهود المبذولة للسيطرة على التضخم وارتفاعه إلى مستويات 19 أو 20%، فإن السياسة النقدية ستتحول إلى سياسة تقييدية، مع رفع تدريجي لأسعار الفائدة، تحسبًا لحدوث تضخم مصحوب بركود محتمل .
وعن اجتماع لجنة السياسات النقدية للبنك المركزي المقرر في 2 أبريل/نيسان، أشار عبد العال إلى أن التوقع الأقرب ليس رفعًا ولا خفضًا للفائدة، وإنما تجميدًا للأسعار، وهو ما وصفه بأنه أشبه بالتثبيت الإداري المؤقت، يتيح مرونة ربما لعقد اجتماع استثنائي قبل الاجتماع التالي إذا تطلبت الأوضاع ذلك .
وقال إن هذا الأمر قد يمنح البنك المركزي مجالًا أكبر للتعامل مع أي تغيرات مفاجئة في الأسواق أو أسعار الصرف، كما يعطي مرونة قوية مقارنة بالتثبيت التقليدي، ويتيح السيطرة على السياسة النقدية في ظل حالة عدم اليقين الناتجة عن الأحداث الجيوسياسية.
المصدر:
سي ان ان