بعد مرور 10 أيام على بداية الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تحت اسم "الغضب الملحمي" كما تسميها واشنطن أو "زئير الأسد" كما أطلقت عليها تل أبيب ، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد فجرتا مشكلة تفوق قدرتهما على حلها، رغم أنهما تصورا في الساعات الأولى للحرب أنهما وجهتا ضربة قاضية تهدف إلى شلّ بنية القيادة في طهران وزعزعة استقرار النظام باغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري ومسؤولي الاستخبارات الإيرانية.
لكن في غضون ساعات، تبدد أي أمل في أن تحد هذه الضربات الدقيقة من نطاق الحرب، حيث أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ليس فقط على إسرائيل، بل أيضاً في جميع أنحاء الخليج. دوت صفارات الإنذار في تل أبيب وحيفا. اصطدمت الصواريخ بطائرات اعتراضية فوق الدوحة وأبو ظبي. في قاعدة العديد الجوية في قطر - المقر الأمامي للقيادة المركزية الأمريكية - احتمى الأفراد بينما كانت الطائرات الاعتراضية تحلق فوق رؤوسهم. استنفرت الدفاعات الجوية الأمريكية في قاعدتي الظفرة بالإمارات العربية المتحدة وعلي السالم بالكويت. وأبلغت قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية عن رصد طائرات مسيرة. ورفعت حالة التأهب القصوى للقوات البحرية قرب مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
في تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال روبرت بيب أستاذ العلوم السياسية ومدير مشروع الأمن والتهديدات في جامعة شيكاغو الأمريكية إنه لا يمكن اعتبار الضربات الإيرانية مجرد أعمال انتقامية متفرقة، أو محاولات يائسة من نظام يحتضر. بل إنها تمثل استراتيجية تصعيد أفقي، ومحاولة لتغيير مسار النزاع من خلال توسيع نطاقه وإطالة أمده. وتتيح هذه الاستراتيجية لطرف أضعف تغيير حسابات خصم أقوى. ورغم أن الولايات المتحدة قد ألحقت ضررا بالغا بإيران، فإنه يتعين عليها إدراك تداعيات رد الإيرانيين، وإلا، ستجد نفسها تفقد السيطرة على الحرب التي أشعلتها.
تستند استراتيجية إيران في التصعيد الأفقي إلى نمط واضح عبر أربعة أبعاد، أولها المرونة، في مواجهة الضربة الأمريكية الإسرائيلية الأولى. فبعد أن شنت الولايات المتحدة ضربات استباقية تهدف إلى شل الجيش الإيراني، استطاعت طهران القيام برد واسع النطاق في غضون ساعات من فقدان المرشد الأعلى والعديد من كبار القادة، وهو ما يشير إلى نجاح استراتيجية إيران في استمرارية القيادة والقدرة العملياتية.
ثانيا، توسيع نطاق الصراع إلى ما هو أبعد من أراضيها، ما أدى إلى ما يسميه الباحثون "مضاعفة الانكشاف". فبدلا من حصر الرد في أراضي إسرائيل وحدها، شنت إيران ضربات أو استهدفت مواقع في تسع دول على الأقل، معظمها تستضيف قوات أمريكية وهي أذربيجان، والبحرين، وقبرص، والعراق، والأردن، والكويت، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. وكانت رسالة طهران واضحة لا لبس فيها: الدول التي تستضيف القوات الأمريكية ستواجه عواقب وخيمة، والحرب التي أشعلتها إسرائيل والولايات المتحدة ستنتشر.
ثالثا، تسييس الصراع من خلال اختيار الأهداف التي وجهت إليها إيران ضرباتها. وقد أسفر رد إيران عن إغلاق المطارات، وحرق الممتلكات التجارية، ومقتل عمال أجانب، وتعطيل أسواق الطاقة. واضطر قادة الخليج إلى طمأنة المستثمرين والسياح الأجانب. وانتقلت الحرب إلى قاعات مجالس الإدارة والبرلمانات. وفي الولايات المتحدة، أثار اتساع نطاق الحرب قلق أعضاء الكونجرس. وأدى ذلك إلى دخول جهات فاعلة عديدة في الصراع، يسعى كل منها لتحقيق مصالح متميزة، ولا يوجد تنسيق كامل بينها، وكلها قادرة على تغيير مسار التصعيد بما يتجاوز سيطرة واشنطن.
أما البعد الرابع الأخير لاستراتيجية إيران فهو عامل الوقت. فكلما طال أمد الضغط على دول متعددة، زادت احتمالية تفاقم الصراع بفعل السياسة داخل دول المنطقة وفيما بينها. وبدون وجود حلف ناتو مماثل في الشرق الأوسط، أو جنرال أمريكي واحد يدير فعليا العمليات العسكرية لجميع الدول التي تستهدفها إيران، يزداد خطر سوء التنسيق. فعلى سبيل المثال، طرح مسؤولون أمريكيون فكرة إشعال فتيل تمرد عرقي في المناطق الكردية بإيران للمساعدة في استهداف الحرس الثوري الإسلامي. لكن ذلك قد يثير ردود فعل غاضبة من العراق وسوريا وتركيا، وهي دول لن ترحب بتمرد كردي قوي في المنطقة. كما يظهر إسقاط ثلاث طائرات أمريكية بنيران صديقة فوق الكويت المشاكل اللوجستية والتنسيقية التي تُعوق أي محاولة لصدّ التصعيد الإيراني في الخليج.
في الوقت نفسه يشير تنصيب مرشد أعلى جديد موالٍ للحرس الثوري إلى استمرار طهران في التصعيد الأفقي. كما تعد استراتيجية التصعيد الأفقي الإيرانية استراتيجية سياسية، تستهدف بشكل مباشر الجمهور الذي تسعى إيران إلى استمالته، وهو الشعوب الإسلامية في المنطقة التي قد لا تتفق أيديولوجيًا مع إيران، لكنها عموما تحمل مشاعر سلبية تجاه إسرائيل.
لا يقتصر التصعيد الأفقي على استهداف نطاق أوسع من الأهداف فحسب، بل يكمن أثره الأعمق في تغيير نظرة الخصم للمخاطر. ففي الحرب القصيرة، تُقاس المخاطر بعدد الطلعات الجوية ومعدلات الاعتراض. أما في الصراع الممتد، فتمتد المخاطر إلى المجال السياسي. ويُجبر الصراع المطوّل على اتخاذ خيارات صعبة.
إذا ما طالت هذه الحرب، فقد تضطر حكومات الخليج لتي وسعت بهدوء علاقاتها مع إسرائيل إلى إظهار هذا التوافق بشكل أوضح. وهذا الوضوح خطير، إذ لا يزال الرأي العام العربي يعارض بشدة الموقف العسكري الإسرائيلي العدواني في المنطقة. وكلما طال أمد الصراع، ازدادت صعوبة حفاظ هذه الدول على هذه الشراكة مع إسرائيل دون أن تثير سخطا داخليا.
في الوقت نفسه فإن استمرار الحرب لفترة طويلة سيؤدي إلى إعادة تشكيل السياسة الأمريكية. فضربة خاطفة قد تحشد الدعم للرئيس الأمريكي، ولو مؤقتا، رغم أن استطلاعات الرأي تُشير إلى أن معظم الأمريكيين يعارضون الحرب بعد أسبوعٍ واحد فقط من بدايتها. لكن عندما تتحول الضربة الخاطفة إلى حرب إقليمية مرهقة وترتفع أسعار الطاقة ، وتتكبد القوات الأمريكية خسائر في الأرواح والعتاد، مع غموض أهداف الحرب سيثور القلق في الداخل الأمريكي. وبالفعل فقد أبدت قطاعات كبيرة من الطيف السياسي والاجتماعي المؤيد للرئيس دونالد ترامب خوفا من التورط في الشرق الأوسط، واتهمت القادة الأمريكيين بالخضوع للسياسات الإسرائيلية. وكلما طالت العمليات العسكرية الأمريكية، اتسعت الانقسامات داخل قاعدة ترامب الشعبية.
أخيرًا، يؤدي إطالة أمد الحرب إلى تفاقم التهديدات غير المتكافئة. فمن المرجح دخول جماعات ومليشيات غير نظامية إلى دائرة الصراع في الخليج إذا استمر لفترة طويلة، خاصة إذا ما أرسل ترامب قوات برية ولو بشكل محدود للاشتراك في المعركة. وقد تستهدف الجماعات المسلحة الجديدة والقائمة، الساعية لاستغلال الغضب الإقليمي، قادة يُظهرون تحالفا واضحا مع العمليات الأمريكية. وما بدأ كتبادلٍ صاروخي بين الدول قد يتطور إلى مشهدٍ أوسع من العنف والاضطرابات.
وإذا كانت استراتيجية إيران هي توسيع نطاق الصراع وتسيسه، فإن الولايات المتحدة أمام خيارٍ صعب. أحد هذه الخيارات هو مضاعفة الجهود، حيث تستطيع تكثيف حملتها الجوية لضرب القدرات الإيرانية على إطلاق الصواريخ، وتهيئة الظروف لتوسيع نطاق السيطرة الجوية على الأجواء والمراقبة على الأرض. لكن السيطرة الجوية الدائمة، لا تفضي إلى سيطرة سياسية، وبدون سيطرة سياسية أكبر، ستظل إيران تشكل تهديدا حقيقيًا للمصالح الأمريكية، لا سيما مع استمرار برنامجها النووي بشكل أو بآخر.
لذلك فالبديل الأشد فاعلية من وجهة نظر البروفيسور روبرت بيب مؤلف كتاب "القصف من أجل النصر: القوة الجوية والإكراه في الحرب." هو مسارعة إعلان واشنطن "تحقيق" أهداف عملية "الغضب الملحمي" وإنهاء وجود قواتها الجوية والبحرية الهائلة المُتمركزة قرب إيران. وهذا السيناريو يمكن أن يضع إدارة ترامب، على المدى القريب، في مواجهة انتقادات سياسية حادة لاحتمال عدم إتمامها المهمة، لكنه سيتيح لها الانتقال إلى قضايا أخرى أكثر إلحاحا، مثل تلبية الاحتياجات الاقتصادية الداخلية، والحد من التداعيات السياسية لقرار مهاجمة إيران.
وبالتالي، يجد ترامب نفسه أمام معضلة حقيقية، إذ عليه أن يقرر ما إذا كان على إدارته تحمّل تكاليف سياسية قصيرة ومحدودة الآن، أم تحمّل تكاليف سياسية أطول وأكثر غموضًا لاحقا. فلا يوجد مخرج سحري يضاعف المكاسب السياسية لواشنطن. كل خيار الآن يحمل في طياته تكاليف اقتصادية ومخاطر سياسية؛ فالضربة الأولى ربما حلت مشكلة تكتيكية، لكنها خلقت مشكلة استراتيجية. في ضوء هذه الحقائق، قد يكون الخيار الأمثل للولايات المتحدة هو قبول خسارة محدودة الآن بدلا من المخاطرة بتفاقم الخسائر لاحقا.
تحرير: حسن زنيند
المصدر:
DW