يتحدث دونالد ترامب مع أحد الساسة الأوروبيين المفضلين لديه؟. جلس المستشار فريدريش ميرتس في المكتب البيضاوي بجانب الرئيس الأمريكي، الذي لا يمكن التنبؤ بتقلباته، وأخذ يمدحه بكلمات رنانة. يقول إنَّ ميرتس "رجل ناجح جدًا" وقائد ممتاز. في حين أنَّ اجتماعات قادة سياسيين آخرين سارت بشكل مختلف تمامًا في البيت الأبيض.
وعلى هذا النحو أيضًا سارت زيارة ميرتس الافتتاحية للولايات المتحدة الأمريكية في منتصف عام 2025. فقد تحدث ترامب كثيرًا، وشتم وكان يشرد في حديثه، بينما كان ميرتس يستمع ويضيف تعليقًا بسيطًا هنا وهناك. والتزم ميرتس بهذا الأسلوب. وحاول المستشار مناقشة النقاط الخلافية خلف أبواب مغلقة.
وزيارة المستشار الألماني الحالية إلى الولايات المتحدة الأمريكية كان مخططًا لها منذ فترة، ولكنها اكتسبت أولوية أعلى بعد الهجمات التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في نهاية الأسبوع الماضي. وبعد بدء الهجمات، أعلن ميرتس في برلين أنَّ ألمانيا تقف إلى جانب شريكتيها إسرائيل والولايات المتحدة ، وأدان الهجمات الإيرانية المضادة على أهداف كثيرة داخل إسرائيل وفي منطقة الخليج.
ترامب يشتم إسبانيا وميرتس يلتزم الصمت، ولكنه دافع في وقت لاحق أمام الكاميرات عن شريكه في الاتحاد الأوروبيصورة من: CNP/AdMedia/IMAGO
غير أنَّ ميرتس جاء أيضًا إلى واشنطن ليظهر وحدة الاتحاد الأوروبي في العديد من القضايا - مثل السياسة الجمركية والحرب في أوكرانيا . واستطاع ذلك بشكل محدود فقط. وبحضور المستشار الألماني، شتم ترامب إسبانيا التي سمحت لنفسها منع الولايات المتحدة الأمريكية من استخدام القواعد الأمريكية لقيام بضربات جوية على إيران. وحتى أنَّه ذهب إلى حدّ الإعلان عن وقفه التجارة مع إسبانيا، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي.
وبدوره التزم ميرتس الصمت حيال هذه النقطة أيضًا، بل حثّ إسبانيا حتى على إنفاق 3 بالمائة أو أكثر من ناتجها المحلي الإجمالي من أجل الدفاع. وبعد الاجتماع في المكتب البيضاوي، سارع ميرتس ليوضح في حوارة مع قنوات تلفزيونية ألمانية أنَّه دافع عن الإسبان أمام ترامب. وقال: "أخبرته بكل وضوح: لا يمكنك هنا إبرام عقد منعزل مع ألمانيا أو مع كل أوروبا ولكن ليس مع إسبانيا".
وكانت مشائيلا كوفنر، رئيسة مراسلي دويتشه فيله، حاضرة خلال زيارة المستشار لترامب، وتقول: "زيارة مكتب ترامب البيضاوي تبدو دائمًا مثل القفز عبر حلقة سياسية مشتعلة. وحتى ميرتس لم يكن يعلم قبل ذلك أين سينتهي به المطاف مع ترامب. وبدا عليه أنَّه لم يكن مستعدًا للكلمات القاسية التي استخدمها ترامب ضد إسبانيا وبريطانيا". وذلك لأنَّ لندن أيضًا كانت قد ترددت في البداية في السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعد بريطانية، ولكنها وافقت في النهاية.
ولكن ميرتس جاء إلى واشنطن لمناقشة السياسة الجمركية المثيرة للجدل والحرب في أوكرانيا . لقد ألغت مؤخرًا المحكمة العليا الأمريكية جزءًا كبيرًا من الرسوم الجمركية القاسية التي فرضها الرئيس الأمريكي على دول في جميع أنحاء العالم. والآن يريد ترامب اعتماد أساس قانوني مختلف من أجل فرض رسوم جمركية بنسبة 15 بالمائة، وهذا يعادل إلى حد ما اتفاقًا مع الاتحاد الأوروبي من العام الماضي.
ولكن بعد الاضطرابات الأخيرة بسبب حكم القضاة في المحكمة العليا الأمريكية وتهديدات ترامب الجمركية قبل ذلك، لم يصادق الاتحاد الأوروبي على هذا الاتفاق بعد. وهنا يرى ميرتس فرصًا للتفاوض من جديد. وقال ميرتس إنَّه أشار لترامب مثلًا بوجود عجز كبير بالنسبة لأوروبا في التبادل التجاري مع الولايات المتحدة في مجال الخدمات.
وأضاف أنَّ ترامب لا يفكر إلا في تبادل البضائع: "حتى الآن لم نفكّر في معاقبة هذه الخدمات المقدمة من أمريكا إلى أوروبا برسوم جمركية خاصة"، كما قال المستشار محذّرًا - ولكن كعادته أمام الكاميرات الألمانية بعد انتهاء لقائه مع ترامب.
وقد بدا ذلك مثل تهديد صغير. ليس بأسلوب ترامب، ولكنه بدا كذلك على أية حال. وكذلك أوضح المستشار مدى أهمية المسائل التجارية بالنسبة له من خلال لفتة بسيطة: فقد أهدى ترامب نسخة طبق الأصل عن اتفاقية تجارية تم عقدها بين دولة بروسيا (الألمانية) والولايات المتحدة الأمريكية في عام 1785. وهذه كما قال ميرتس هي أول اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة ودولة أخرى. وهي وثيقة من نظام قائم على قواعد يقوّضها ترامب باستمرار. ولكن من غير الواضح إن كان ترامب يتأثر بمثل هذه الإيماءات.
ولم تتضح الأمور كثيرًا فيما يتعلق بالحرب العدوانية الروسية على أوكرانيا، المستمرة الآن منذ أكثر من أربع سنين. وقبل إقلاعه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أكد ميرتس على أنَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يكون مستعدًا لقديم تنازلات إلا عندما تضغط واشنطن على روسيا من جديد. وكان المستشار قد أضاف - وكأنَّه يردد تعويذة - أنَّه لا يجوز التوصل إلى حل تفاوضي من دون مشاركة الأوروبيين. ولكن هذا يحدث باستمرار.
أعده للعربية: رائد الباش (ع.ج.م)
المصدر:
DW