رأى مسؤول أمني إسرائيلي سابق أن السجون الأمنية كانت لسنوات بمثابة "حاضنة" لقيادات الفصائل الفلسطينية، حيث جرت عمليات التوجيه، والفرز، ووضع الاستراتيجيات، وبناء التسلسلات الهرمية.
وفي حديث مع صحيفة "معاريف"، كشف موشيه فوزايلوف، الباحث الكبير في "معهد مسغاف للأمن القومي"، والذي شغل على مر السنين مناصب متنوعة في جهاز "الشاباك" والشرطة الإسرائيلية، ومن بينها رئيس قسم في الشاباك وعضو في هيئة أركان الجهاز، عما يحدث في واحدة من الساحات الأقل تحدثا عنها - ولكنها بحسب قوله الأكثر أهمية في "مكافحة الإرهاب".
ويدور الحديث حول السجون التي يُعتقل فيها أسرى من مختلف الفصائل الفلسطينية المسلحة، وبحسب فوزايلوف، فإن الأمر لا يقتصر على كونها منشأة احتجاز، بل هي حيز استراتيجي تشكلت فيه قيادة الفصائل على مدار عقود.
وقال فوزايلوف: "عندما تنشغل إسرائيل بمحاربة "الإرهاب"، يذهب التفكير البديهي نحو الساحات العلنية: غزة، الضفة الغربية، ولبنان. إلا أن أحد الإخفاقات التاريخية العميقة في مفهوم الأمن الإسرائيلي كان تجاهل حقيقة أن السجون الأمنية ليست مجرد منشآت احتجاز، بل هي وسيط أمني بحد ذاته - ساحة استراتيجية صامتة أدير فيها على مدار عقود صراع عميق على الوعي، والقيادة، ومستقبل الصراع".
واعتبر فوزايلوف أن السجن بالنسبة للفصائل الفلسطينية لم يُعتبر يوما "نهاية الطريق". فوفقاً لقوله، يشكل السجن حلقة منهجية في مسار التدرب على النضال. وداخل السجون، كما يقول، "جرت عمليات إعداد القلوب، وصياغة الوعي، وغرس أيديولوجيا فكرة "المقاومة"، وبناء الهياكل التنظيمية وتطوير القيادة. وفي بعض الأحيان، جرت دراسة منهجية للمجتمع الإسرائيلي وآلياته وأنماط تفكيره".
وأضاف: "بينما كانت إسرائيل تدير الحرب ضد الإرهاب خارج السجون، كان العدو يبني نفسه داخلها، تحت مسؤوليتها".
وبحسب قوله، تطورت على مر السنين طريقة منظمة شملت تعميق الوعي الأيديولوجي والوطني، والتعلم والحوار الفكري، وتحليل المجتمع الإسرائيلي، وإقامة قيادات للأسرى وغرس الانضباط والطاعة. ولاحقا، جرت -حسب تعبيره- عمليات فرز وتوجيه وتدريب للقيادات المستقبلية التي عادت إلى الميدان بهيبة وسلطة. وأشار إلى أنه "في الواقع، تحول السجن إلى حاضنة للتطور التنظيمي - إلى ساحة تلتف رأسيا على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية".
وكحالة دراسية، أشار فوزايلوف إلى زعيم "حماس" الراحل يحيى السنوار؛ حيث يقول إن السنوار دخل السجن في نهاية الثمانينيات كناشط ميداني بارز، وليس كقائد استراتيجي. ويزعم أن سنوات سجنه سمحت له بتوطيد مكانته، وتطوير تفكير استراتيجي، والتعمق في دراسة المجتمع الإسرائيلي وأنماط صنع القرار: "لقد دخل السجن كناشط فعال وخرج منه كقائد متبلور. السجن لم يحيّده - بل صاغه".
ومثال آخر طرحه فوزايلوف هو أحمد الجعبري، الذي دخل السجن -حسب قوله- وهو في رتبة متوسطة، فخضع لعملية توجيه وارتبط بشبكات المعرفة والقيادة. ومع إطلاق سراحه، تسلق بسرعة إلى قمة الذراع العسكرية وقاد عملية بناء القوة لـ"حماس": "مرة أخرى، استُخدم السجن كمحرك تدريب حاسم".
ووفقا له، استُخدمت السجون لعقود كساحة التفاف صامتة. فالمسلحون من كافة الأطياف التنظيمية "حظوا بمتابعة الأجهزة الأمنية حتى إحباط عملياتهم واعتقالهم"، ولكن بمجرد دخولهم السجن، "اختفوا تحت رادار المؤسسة الأمنية".
ولفت فوزايلوف إلى حدوث تغيير مفاهيمي كبير في السنوات الأخيرة؛ حيث تُعتبر السجون الأمنية اليوم حيزا عملياتيا وليس مجرد مكان للاحتجاز. فالمؤسسة، كما ذكر، تعمل بهدف تشويش العمليات التنظيمية للفصائل المسلحة داخل السجن، وتفكيك التسلسلات الهرمية، وقطع عمليات التوجيه، وتصعيب تبلور جيل جديد من القياديين.
المصدر: "معاريف"
المصدر:
روسيا اليوم