قال الكاتب ستيفن إم والت في مقال بمجلة "فورين أفيرز" المرموقة إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتبّع نهجا وصفه "الهيمنة الافتراسية" في التعامل مع الخصوم والحلفاء على حد سواء.
وجاء في مستهل المقال التحليلي أن المحللين والكُتّاب سعوا، منذ أن تولى دونالد ترمب، رئاسة الولايات المتحدة لأول مرة عام 2017 (الولاية الأولى)، إلى إيجاد توصيف دقيق يعبّر عن مقاربته للسياسة الخارجية الأمريكية.
فقد وُصف نهجه بأنه "واقعي، أو قومي، أو تجاري قديم الطراز، أو إمبريالي، أو انعزالي". وكل واحد من هذه الأوصاف -في رأي والت- يلتقط جانبا من رؤيته للعالم، لكنه يعجز عن الإحاطة بطبيعتها الكاملة.
ويذهب المقال إلى أن الإستراتيجية الكبرى التي تحكم سياسة ترمب الخارجية، لا سيما في ولايته الرئاسية الثانية، يمكن فهمها على نحو أدق بأنها "هيمنة افتراسية".
وأوضح الأستاذ الجامعي أن الهيمنة الافتراسية تهدف إلى استغلال الموقع المميز الذي تحتله الولايات المتحدة في النظام الدولي لا لبناء علاقات مستقرة ومتبادلة المنفعة، بل لاستخلاص التنازلات، وفرض الإتاوات، وانتزاع مظاهر الخضوع من الحلفاء والخصوم على حد سواء.
وفي منظور الكاتب، تنطلق هذه الهيمنة من تصور للعالم باعتباره ساحة صراع صفري، حيث إن أي مكسب يحققه طرف آخر يُعد خسارة مباشرة للولايات المتحدة، حتى وإن كانت المكاسب الكلية لجميع الأطراف أكبر.
وفي اعتقاد والت أن هذا النهج قد يحقق نجاحا محدودا على المدى القصير، نظرا لما لا تزال الولايات المتحدة تتمتع به من قدرات اقتصادية وعسكرية ومزايا جغرافية. غير أن ذلك محكوم عليه بالفشل على المدى البعيد، "لأنه غير ملائم لعالم يتسم بتعدد مراكز القوة"، ولا سيما في ظل صعود الصين بوصفها ندّا اقتصاديا وعسكريا فعليا.
ففي نظام دولي متعدد الأقطاب، تمتلك الدول الأخرى بدائل تقلل اعتمادها على الولايات المتحدة، وتحد من قدرتها على فرض الإملاءات، وفق المقال.
فإذا استمرت الهيمنة الافتراسية في توجيه الإستراتيجية الأمريكية خلال السنوات المقبلة، فإنها ستؤدي -بحسب والت- إلى إضعاف الولايات المتحدة وحلفائها معا، وإلى استثارة استياء عالمي متزايد، وإيجاد فرص مغرية لمنافسي واشنطن الرئيسيين، فضلا عن جعل الأمريكيين أقل أمنا وازدهارا ونفوذا.
ولفهم هذا التحول، يعيد والت تتبع تطور بنية القوة العالمية خلال العقود الثمانية الماضية. ففي عالم الحرب الباردة الذي كان يتميز بالثنائية القطبية، تصرفت الولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة "حميدة" اتجاه حلفائها في أوروبا وآسيا، انطلاقا من اقتناع بأن ازدهارهم وأمنهم عنصران أساسيان في إستراتيجية احتواء الاتحاد السوفياتي آنذاك.
في نظام دولي متعدد الأقطاب تمتلك الدول الأخرى بدائل تقلل اعتمادها على الولايات المتحدة وتحد من قدرتها على فرض الإملاءات
صحيح أن واشنطن استخدمت تفوقها الاقتصادي والعسكري أحيانا بصرامة، كما حدث في أزمة السويس عام 1956 أو عند التخلي عن قاعدة الذهب عام 1971، لكنها في الوقت نفسه ساعدت حلفاءها على إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وأسست نظاما من القواعد والمؤسسات التي عززت الازدهار المشترك، ومنحت الدول الأضعف صوتا ومكانا على طاولة صنع القرار، كما يرى الكاتب.
في تلك المرحلة -طبقا للمقال التحليلي- قادت الولايات المتحدة النظام الدولي لكنها كانت تصغي لشركائها، ونادرا ما سعت إلى إضعافهم أو استغلالهم. أما خلال مرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، فقد وقعت واشنطن في فخ "الغرور". واعتقد قادتها أن معظم دول العالم ترحب بالقيادة الأمريكية ومستعدة لتبني القيم الليبرالية التي تروج لها.
ونتيجة لذلك، تجاهل أولئك القادة مخاوف الآخرين، وخاضوا مغامرات عسكرية مكلفة في أفغانستان والعراق وغيرها، وانتهجوا سياسات دفعت الصين وروسيا إلى التقارب، وساهموا في فتح الأسواق العالمية بطرق سرّعت صعود الصين وأدت إلى اضطرابات مالية عالمية ورد داخلي "ساعد لاحقا في إيصال ترمب إلى البيت الأبيض".
ومع أن الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة لم تتردد في معاقبة أنظمة معادية أو تقويضها، فإن تلك السياسات كانت موجهة أساسا ضد خصوم معلنين، لا ضد الحلفاء.
كان الاعتقاد السائد لدى الإدارات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء أن بناء نظام عالمي ليبرالي سيعود بالنفع على الولايات المتحدة والعالم، وأن المعارضة الجدية ستظل محصورة في عدد محدود من "الدول المارقة".
أما في عهد ترمب، فيرى والت أن الولايات المتحدة تحولت إلى قوة "افتراسية مهيمنة "، لكن هذا التحول لا يمثل استجابة مدروسة لعودة التعددية القطبية، بل هو انعكاس مباشر لشخصية الرئيس الأمريكي ونهجه القائم على الصفقات، واقتناعه بأن بلاده تمتلك نفوذا هائلا ودائما على معظم دول العالم. وقد شبّه ترمب الولايات المتحدة بــ"متجر ضخم وجميل" يريد الجميع جزءا منه، مؤكدا أن الدول الأخرى "تريد أموالنا".
وخلال ولايته الرئاسية الأولى، تمكن مستشارون أكثر خبرة من كبح بعض نزعاته الافتراسية. لكن في ولايته الثانية، أُطلقت يده كليا، مدعوما بفريق اختير على أساس الولاء الشخصي، وبثقة متزايدة -وإن كانت في غير محلها- بقدرته على فهم الشؤون الدولية، حسب تعبير مقال فورين أفيرز.
يعرّف والت الهيمنة الافتراسية بأنها سلوك قوة عظمى مهيمنة تسعى إلى تنظيم علاقاتها مع الآخرين وفق منطق صفري خالص، بحيث تكون المكاسب دائما في صالحها، مبيِّنا أن الهدف منها ليس بناء علاقات مستقرة ومربحة للجميع، بل ضمان الحصول على الحصة الكبرى من كل تفاعل. ويفضل هذا النوع من الهيمنة ترتيبا يربح فيه الطرف المهيمن ويخسر الشريك، على ترتيب يربح فيه الطرفان لكن الشريك أكثر.
ومع إقرار الأكاديمي الأمريكي في مقاله بأن جميع القوى الكبرى تمارس أشكالا من السلوك الافتراسي وتسعى إلى تحقيق تفوق نسبي، فإن ما يميز الهيمنة الافتراسية هو الاستعداد لاستخلاص مكاسب غير متكافئة من الحلفاء والخصوم معا.
فبينما يدرك المهيمن "اللطيف" أن ازدهار شركائه يعزز أمنه وثروته، ويقدّر قيمة القواعد والمؤسسات التي تسهل التعاون الطويل الأمد، يرى المهيمن الافتراسي أن الاتفاقات لا تمتلك أي قيمة ذاتية، ويمكن تجاهلها أو تمزيقها إذا لم تعد تخدم مصلحته الآنية.
في هذا الإطار، تصبح الرسوم الجمركية والعقوبات المالية وأدوات الضغط الاقتصادي -في نظر الكاتب- وسائل أساسية لفرض شروط تجارة تخدم اقتصاد الدولة المهيمنة، أو لإجبار الدول الأخرى على تعديل سياساتها في قضايا غير اقتصادية. كما يُربط توفير الحماية العسكرية بالمطالب الاقتصادية، ويُتوقع من الحلفاء دعم الأجندة الأوسع للدولة المهيمنة.
تعتمد هذه الهيمنة أيضا على إبقاء الدول الأخرى في حالة خضوع دائم، مما يستلزم مظاهر رمزية متكررة من الإذعان. وقد تتخذ هذه المظاهر شكل إتاوات رسمية أو مديح علني أو طقوس ولاء تهدف إلى إحباط أي نزعة مقاومة، وإظهار المهيمن بوصفه قوة لا تُقهر.
وبحسب وجهة نظر والت فإن هذه الظاهرة ليست جديدة تاريخيا، فقد عرفتها إمبراطورية أثينا، والنظام الصيني التقليدي القائم على الجزية، والإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، وحتى العلاقات الاقتصادية القسرية لألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي مع حلفائهما. وفي كل هذه الحالات، سعت القوة المهيمنة إلى انتزاع فوائد غير متكافئة من شركائها الأضعف.
وفي عهد ترمب، تتجلى هذه العقلية بوضوح في "هوسه" بالعجز التجاري، واستخدامه الرسوم الجمركية لإعادة توزيع المكاسب الاقتصادية لصالح الولايات المتحدة. فهو يصف العجز بأنه "نهب"، ويعتبر أن الدول التي تحقق فوائض "تكسب"على حساب واشنطن. لذلك يفرض الرسوم أو يهدد بها لإجبار الحكومات والشركات الأجنبية على الاستثمار في الولايات المتحدة أو تغيير سياساتها.
ويمضي المقال إلى التذكير بأن ترمب لم يتردد في استخدام الرسوم وسيلة للضغط في قضايا سياسية داخلية لدول أخرى، كما فعل مع البرازيل وكندا والمكسيك وكولومبيا. وهو "لا يميّز" في ذلك بين الحلفاء والخصوم، ويعتمد سياسة التهديد "المتقلب" بوصفها أداة تفاوضية لإبقاء الآخرين في حالة ترقب دائم.
ويربط ترمب المطالب الاقتصادية بالاعتماد الأمني للحلفاء على الولايات المتحدة، وليس أدلُّ على ذلك من تلويحه بالانسحاب من التزامات دفاعية أساسية. غير أن هدفه -بحسب والت- ليس تعزيز قدرات الحلفاء الدفاعية، بل انتزاع تنازلات اقتصادية قصيرة الأمد.
ويخلص والت إلى أن هذا النهج، رغم ما قد يحققه من مكاسب آنية، يحمل في طياته بذور فشله. فالصين أصبحت تملك اقتصادا يضاهي نظيره الأمريكي في عدة مؤشرات، ولم تعد الولايات المتحدة "اللاعبة الوحيدة في العالم". كما أن سلوك التنمر يدفع الدول الأخرى إلى تنويع شراكاتها، وتقليص اعتمادها على واشنطن، والبحث عن شركاء أكثر موثوقية.
وفي النهاية، يحذر والت من أن الهيمنة الافتراسية ستقوض الشبكات والمؤسسات التي منحت الولايات المتحدة نفوذها التاريخي. وقد يكون التراجع بطيئا في البداية، لكنه قد يصبح مفاجئا وحادا. فالولايات المتحدة لن تنهار، لكنها ستخرج أضعف وأقل نفوذا مما كانت عليه. ولهذا، فإن التخلي عن الهيمنة الافتراسية، في نظره، ضرورة إستراتيجية لا مفر منها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة