الدوحة- في خطاب ألقاه أمام قمة الويب العالمية بالدوحة، اليوم الثلاثاء، استعرض المدير العام لشبكة الجزيرة الإعلامية الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني إستراتيجية مشروع "النواة"، وهو مبادرة طموحة لإعادة تعريف دور الصحافة في العصر الرقمي، مؤكدا أنه ليس مشروعًا تقنيا فحسب، ولا منصةً جديدة، بل إعادة بناء للفكرة المركزية التي تقوم عليها الصحافة نفسها، وذلك من خلال دمج عميق بين التقنية المتقدمة والمسؤولية الأخلاقية والمهنية، في استجابة جذرية للتحديات البنيوية التي فرضتها الثورة الرقمية على المشهد الإعلامي العالمي.
وضمن هذه المبادرة، قدم الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني ثلاثية فلسفية جديدة لوظيفة الإعلام المعاصر، هي: "الآن، والمعنى، والإنسان"، مشددا على أن هذه الثلاثية "ليست شعارًا، بل محاولة عملية لإعادة التوازن بين السرعة والمعنى، وبين قوة التقنية وكرامة الإنسان".
وفي رؤية شاملة للتحولات الرقمية، طرح المدير العام للجزيرة تشخيصا للأزمة المعرفية المعاصرة، مؤكدا أن "العالم لم يعد يعاني من ندرة في المعرفة بل من فائض فيها"، وأن التحدي الحقيقي "لم يعد في الوصول إلى المعلومة، ولا في سرعة تداولها، بل في القدرة على فهمها، ووضعها في سياقها، وتحويلها من تدفّق عابر إلى وعي قادر على الفعل والمسؤولية".
وضمن جلسات القمة التكنولوجية الأبرز عالميا، التي يستضيفها مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات حتى الرابع من فبراير/شباط الجاري، وجه المدير العام للجزيرة دعوة إلى قادة التكنولوجيا العالميين لبناء "شراكة بين صحافة مسؤولة وتقنية ذات التزام أخلاقي"، لإنتاج "عالم أكثر قدرة على الحوار، وأكثر مقاومة للكراهية، وأكثر استعدادًا لحل النزاعات بالمعرفة لا بالتحريض".
وكشف الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني عن تفاصيل مشروع "النواة"، الذي وصفه بأنه نتاج "عملية إعادة تفكير شاملة في دورنا، وفي مسؤوليتنا، وفي وظيفة الإعلام الإخباري في العصر الرقمي"، مؤكدا أن المشروع يمثل استجابة عميقة للتحديات البنيوية التي فرضتها الثورة التكنولوجية على المجال الإعلامي.
وأوضح أن المشروع يدمج "بشكل عميق التقنية بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية"، مشيرا إلى أن شبكة الجزيرة "أخذت على عاتقها تعظيم القدرة على تمكين الصحفي من إنتاج المعنى، وتعزيز قدرته على القيادة المسؤولة للحظة الإخبارية، وتمكين الصحافة من الكشف اللحظي للحقائق وتمييزها، ورصد الانحيازات، وتعظيم أثر السياق وفهمه".
ولفت إلى أن "النواة" تعيد توجيه الصحفي بعيدا عن الوظائف الآلية والتكرارية، نحو تركيز أكبر على مهام الصحافة الحقيقية، ورسالتها السامية والأخلاقية، في محاولة لاستعادة الدور الجوهري للإعلام بوصفه صانعا للمعنى لا مجرد ناقل للأحداث.
وفي شرحه للفلسفة التي يقوم عليها المشروع، قدم المدير العام للجزيرة ثلاثية تعبّر عن وظيفة الإعلام اليوم، وهي: الآن، والمعنى، والإنسان، موضحا أن "الآن" يمثل لحظة الحدث كما تقع، هو الشهادة على الواقع، ونقل الحقيقة بصدق ودقة، دون تزييف أو إنكار، لكنه حذر من أن "الآن وحده لا يكفي"، مضيفا أن "المجتمعات لا تُدار باللحظة فقط، ولا تُبنى القرارات على العاجل وحده".
وهنا يأتي دور "المعنى"، كما أوضح، وهو "تفكيك ما حدث، وربطه بسياقه، وفهم أسبابه ومآلاته، وتحويل الوقائع من أحداث متفرقة إلى معرفة قابلة للفهم والنقاش"، أما "الإنسان"، فشدد على أنه "الغاية من كل ذلك"، مؤكدا أن الهدف هو إنسان لا نريده مجرد مستهلك للتدفق، ولا رقمًا في معادلات التفاعل، بل فاعلا واعيًا، قادرًا على الفهم، واتخاذ الموقف، والمشاركة المسؤولة في الشأن العام.
واختتم حديثه عن المبادرة بالتأكيد على أن "هذه الثلاثية ليست شعارًا، بل محاولة عملية لإعادة التوازن بين السرعة والمعنى، وبين قوة التقنية وكرامة الإنسان".
وفي تحليل للتحولات الرقمية، رصد الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني الطبيعة المزدوجة للثورة التكنولوجية، مؤكدا أنه رغم إسهام التقنية في كسر احتكار المعلومة، وفي إتاحة المنصات لمن لم يكن لهم صوت، وفي تمكين الأفراد والمجتمعات الذين لم يحجزوا مقعدا بين الأقوياء من سرد قصصهم، وكشف مظلوميتهم، ومخاطبة العالم مباشرة من دون وسطاء، فإنه يحذر من الوجه الآخر لهذه الثورة.
وأشار إلى أن الخوارزميات واقتصاد الانتباه ومنطق التفاعل الآني "أسهمت في صعود أشكال جديدة من الشعبوية، وفي تعميق الانقسام بدل الحوار"، مضيفا أن هذه الأنظمة الرقمية "تكافئ الصدمة والمبالغات، وتضخم الغضب، وتختزل القضايا المعقدة في ثنائيات حادة"، مبينا أن ما يحدث "ليس دائما بفعل نوايا سيئة، بل بفعل أنظمة رقمية وتقنية مصممة بطريقة معينة".
ولفت إلى أن نتيجة ذلك أن "كثيرا من الناس أصبحوا محاطين بفيض من المحتوى، لكنهم أكثر وحدة، وأشد اغترابًا، وأقل قدرة على إنتاج معنى مشترك مع الآخرين"، محذرا من أنه في بعض السياقات وجدت خطابات الكراهية وتبرير العنف والتحريض بيئة خصبة للانتشار.
وفي وصفه للحالة الراهنة، قال المدير العام للجزيرة إن الفضاء الرقمي تحول "من ساحة حوار إلى مساحات متوازية لا يلتقي فيها المختلفون، ولا يسمع فيها أحد الآخر"، مشيرا إلى أنه "في هذا المشهد، يتراجع المعنى، ويضعف الشعور بالانتماء".
وفي تشخيصه للمرحلة الراهنة، أكد أن "الإنسان دخل مرحلة جديدة من تاريخه، تصل فيها الوقائع والأحداث في الزمن اللحظي، وتنتقل فيها الصور قبل أن تستقر معانيها، وتُعاد فيها صياغة الأحداث الكبرى داخل منظومات تقنية لا تتوقف عن العمل، ولا تترك دائما مساحة كافية للتأمل"، مضيفا أنه "في هذا العالم المتسارع، تتغيّر علاقتنا بالزمن، وبالمعرفة، وبالحدث نفسه".
واختتم هذا المحور بالتأكيد على أن "السؤال الجوهري" أصبح "ليس ما الذي نعرفه، بل كيف نفهمه، وماذا نفعل به"، مشددا على أنه "في هذا السياق، لا يمكن فصل التحولات التي يشهدها الإعلام عن التحولات العميقة التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية في بنية المجال العام".
ولم يفت المدير العام لشبكة الجزيرة أن يوجه دعوة لقادة التكنولوجيا العالميين إلى إعادة النظر في العلاقة بين الابتكار التقني والمسؤولية الإنسانية، مؤكدا أن ما نواجهه اليوم ليس صراعًا بين الصحافة والتقنية، ولا تناقضا بين السرعة والمعنى، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة بينهما على أساس من المسؤولية المشتركة.
ودعا إلى "صحافة مرنة، قادرة على مواكبة اللحظة دون أن تفقد عمقها، وعلى استخدام أدوات العصر دون أن تتخلى عن قيمها"، مشيرا إلى أن مثل هذه الصحافة يمكنها أن تُعيد للخبر سياقه، وللنقاش مساحته، وللاختلاف طابعه الإنساني.
كما دعا إلى "تقنية واعية، تضع الإنسان في قلب التصميم، وتُراعي أثر الخوارزميات على المجتمعات، وتُوازن بين التفاعل والمعنى"، مؤكدا أن هذه التقنية يمكنها أن تكون شريكا حقيقيًّا في تعزيز الفهم بدل تضخيم الانقسام، وفي توسيع التواصل بدل تكريس العزلة.
وشدد على أنه حين تلتقي صحافة مسؤولة بتقنية ذات التزام أخلاقي، لا ينتج محتوى أفضل فحسب، بل ينتج عالم أكثر قدرة على الحوار، وأكثر مقاومة للكراهية، وأكثر استعدادًا لحل النزاعات بالمعرفة لا بالتحريض، واصفا هذا العالم بأنه يفهم قبل أن يحكم، ويصغي قبل أن ينقسم، ويرى في التنوع مصدر قوة لا سببًا للصدام.
وفي تأكيده على الدور المحوري الذي يمكن أن تؤدّيه الصحافة في هذه المعادلة، قال إن الصحافة تدخل "في قلب المعادلة، ليس بوصفها ضحية للتقنية، ولا خصمًا لها، بل بوصفها إحدى الأدوات القليلة المتبقية القادرة على إعادة الربط بين الوقائع وسياقاتها، وبين الأصوات المختلفة، وبين الخبر ومعناه الإنساني".
وأشاد الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني بالدور الذي تؤدّيه الدوحة بكونها مركزا عالميا للحوار والتفاهم، قائلا إن المدينة "تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة عالمية للحوار، وجسر بين مناطق العالم، وملتقى للأفكار التي تبحث عن مستقبل أكثر توازنًا بين التقنية، والمعرفة، والإنسان".
وأكد أن استضافة الدوحة لقمة الويب العالمية يأتي في "لحظة لم تعد فيها التقنية قطاعًا منفصلا عن بقية مجالات الحياة، بل قوة مركزية تعيد تشكيل السياسة، والاقتصاد، والثقافة، وطريقة فهم الإنسان لنفسه وللعالم من حوله".
واختتم كلمته بالتأكيد على أن الرهان الذي يطرحه "من هنا، من قمة الويب العالمية في الدوحة" هو "أن نُسخّر الابتكار لخدمة الفهم، وأن نجعل من الإعلام والتقنية معا ركيزتين لعالم أكثر سلامًا، وأمنًا، وتواصلًا بين البشر".
يُذكر أن "قمة الويب قطر 2026" في نسختها الثالثة، تُعد الحدث التكنولوجي الأبرز عالميا، وتستضيفها العاصمة القطرية حتى الرابع من فبراير/شباط الجاري في مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات، وتأتي لتؤكد التحول الإستراتيجي لدولة قطر نحو اقتصاد المعرفة، حيث تتحول المدينة إلى "عصب رقمي" يجمع بين أقطاب التكنولوجيا من وادي السيليكون والمبتكرين من الأسواق الناشئة وكبار المستثمرين الدوليين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة