في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
القدس المحتلة- يثير الاتفاق بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية ( قسد) موجة قلق واسعة في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، التي ترى فيه تحولا إستراتيجيا قد يعيد رسم موازين القوى في شمال سوريا، ويقوّض رهانات سابقة على تفكيك البلاد عبر تشجيع نزعات الانفصال لدى بعض المكونات.
وتقرأ مراكز البحث الإسرائيلية الاتفاق بوصفه خطوة تنهي مرحلة التعويل الكردي على الحماية الأميركية، وتفتح الباب أمام اندماج تدريجي ضمن الدولة السورية برعاية وتفاهمات إقليمية، في مقدمتها الدور التركي.
كما أن هذا التطور يعزّز النفوذ التركي في الجغرافيا السورية، ويمنح أنقرة موقعا متقدما في صياغة الترتيبات الأمنية والسياسية في شمال البلاد، بما يحد من هامش المناورة الإسرائيلي.
وتشير التحليلات الإسرائيلية إلى أن الأكراد كانوا يعوّلون طويلا على مظلة الدعم الأميركي، كما كان يُنظر إلى الدروز، بحسب هذه الرؤية، بوصفهم آخر أقلية يمكن توظيفها لخلق توازنات تعوق استعادة سوريا لوحدتها الكاملة.
لكنَّ تراجع الالتزام الأميركي تجاه "قسد"، وتقدُّم مسار التفاهم مع دمشق، يعني -من وجهة نظر تل أبيب– سقوط "السور الدفاعي" الذي كان يفصل الأكراد عن الدولة المركزية.
وفي السياق، يحذّر محللون إسرائيليون من أن توحيد الصف السوري ولو جزئيا سيُضعف مشروعات التفتيت، ويقلّص فرص قيام كيانات منفصلة في الشمال والجنوب، وهو ما تراه إسرائيل مساسا بمصالحها الإستراتيجية القائمة على إبقاء سوريا ساحة مجزّأة وضعيفة.
ويذهب بعضهم إلى القول إن بقاء الدروز أقلية وحيدة خارج هذا المسار قد يعرّضهم لضغوط أميركية متزايدة للانخراط في ترتيبات تراعي وحدة الدولة، بما يُضعف أي رهان إسرائيلي على استخدام الورقة الدرزية عامل توازن.
وتُجمِع القراءات الإسرائيلية على أن اتفاق دمشق و"قسد" لا يقتصر على بُعد داخلي سوري، بل يحمل دلالات إقليمية أوسع، من قبيل تعزيز الدور التركي، وتراجع المظلة الأميركية للأكراد، وانكماش فرص تقسيم سوريا، بما يفرض على تل أبيب إعادة تقييم للسياسات القائمة بشأن الملف السوري.
وبحسب مراسل الشؤون السياسية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" إيتمار آيخنر، فإن الاتفاق بين دمشق و"قسد" يثير قلقا بالغا في إسرائيل التي كانت تراهن على إضعاف الدولة السورية عبر الدفع نحو انفصال منطقتي الأكراد والدروز وإقامة كيانات مستقلة فيهما.
ويرى آيخنر أن هذا المسار يتعرض الآن لانتكاسة واضحة بعد توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع و"قسد" اتفاق دمج الأخيرة في مؤسسات الدولة السورية، بما يشمل وقفا لإطلاق النار بين الطرفين.
ووصف المراسل الإسرائيلي هذا التطور بأنه "سيئ جدا بالنسبة لإسرائيل"، محذرا من أنه قد يترك انعكاسات مباشرة على أي مفاوضات مستقبلية محتملة بين تل أبيب ودمشق بشأن ترتيبات أو تفاهمات أمنية.
لكن ما تَعُده تل أبيب الأخطر في هذا الاتفاق هو -بحسب آيخنر- تعاظم النفوذ التركي في سوريا، فإسرائيل كانت تصر على إبعاد أنقرة ومنع أي وجود عسكري تركي على الأرض السورية، إلا أن دمج "قسد" في الدولة وتراجع مشروع الكيان الكردي المستقل يعني -برأيه- أن تركيا خرجت الرابح الأكبر من هذا التحول.
وخلص إلى أن على إسرائيل أن تتكيف مع "الواقع الجديد" في سوريا، إذ يتراجع رهان التفتيت لصالح معادلة إقليمية تعزّز موقع أنقرة وحلفائها.
وتحت عنوان "حكم روجافا (في إشارة إلى الأكراد) يتلاشى: شمال سوريا يتحول إلى قنبلة موقوتة وإسرائيل لديها ما يدعو للقلق"، قدَّم الباحث وأستاذ اللغة العربية في قسم دراسات الشرق الأوسط والإسلامية بجامعة حيفا الدكتور يارون فريدمان قراءة إسرائيلية معمَّقة لما يجري في سوريا، وخاصة في ضوء الاتفاق بين دمشق و"قسد" وتداعياته الإقليمية.
وقال فريدمان في مقال له بصحيفة "معاريف" إن الانسحاب الأميركي أتاح لما يسميه "النظام السوري الجديد – نظام الشريعة" التمدد في المناطق الكردية، وهو ما يهدد بتفكيك حكم "روجافا" الذاتي، الذي كانت إسرائيل تَعُده كيانا قريبا من واشنطن وتل أبيب، ومروّجا لقيم ديمقراطية ودور المرأة.
وأوضح أن انهيار هذا الكيان لا يعني فقط خسارة حليف محتمل لتل أبيب، بل يفتح الباب أيضا أمام أخطار أمنية، منها احتمال عودة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية وإطلاق سراح مقاتليه، بما يشكل تهديدا إقليميا مباشرا، بحسب ما تراه تل أبيب.
ويرى فريدمان أن شمال سوريا أصبح "قنبلة موقوتة" مع تراجع المشروع الكردي وصعود التيارات الجهادية و"الإسلاميين الجدد" بوصفهم المستفيد الأكبر من التحولات.
ولفت إلى أن هذا المسار يعمّق القلق الإسرائيلي من طبيعة النظام السياسي والأمني الذي يتشكل في سوريا بعد الحرب وسقوط نظام بشار الأسد.
ويشير الباحث فريدمان إلى أن دمج "قسد" في الدولة السورية، مع تنامي النفوذ التركي والقطري، ينذر بتشكل واقع أمني جديد على الحدود الشمالية لإسرائيل، ينبغي التعامل معه في تل أبيب بأنه إشارة إنذار مبكر.
وبناء عليه، يختم الكاتب قائلا "لا يُنظر إلى الاتفاق إسرائيليا بأنه عامل استقرار، بل تحول إستراتيجي يعيد رسم موازين القوى، ويعمّق المخاوف من البيئة الأمنية والسياسية الناشئة شمالا".
من جانبه، يقول محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة "هآرتس" الدكتور تسفي بارئيل إن استسلام الأكراد في سوريا وتوقيع الاتفاق بين دمشق و"قسد" يشكل إنجازا إستراتيجيا ل تركيا في مقابل كونه ضربة لإسرائيل.
ويشير إلى أن تراجع الدعم الأميركي أجبر الأكراد على تنازلات واسعة أنهت مشروعهم الانفصالي، تاركا الدروز وحدهم أقلية قادرة على تحدي وحدة الدولة، وهو ما يُتوقع أن يزيد الضغوط عليهم قريبا.
ويرى بارئيل أن الاتفاق يمنح تركيا تفوقا إقليميا على حساب إسرائيل، إذ يعزز موقعها ضمن موازين القوى في سوريا والمنطقة، ويقيد في الوقت نفسه هامش الحركة والمناورة الإسرائيلية في الأراضي السورية.
كما أن تنامي الدورين التركي والسعودي -وفق بارئيل- يسهم في رسم واقع سياسي جديد، يبرز فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لاعبا مركزيا في صياغة معادلات الشرق الأوسط، في مقابل تراجع الدور الإسرائيلي الذي يمثله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ويرى بارئيل أن سقوط الحماية الأميركية للأكراد يترك الدروز وحدهم في مواجهة الدولة السورية المركزية، وهو ما قد يزيد الضغط الأميركي عليهم وعلى إسرائيل لإجبارهم على الاندماج في النظام، وتحويل الدعم السابق إلى محاولة لإخضاع الدروز لسلطة دمشق ومنع أي حكم ذاتي خارج الدولة الموحدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة