تقف بعض الدول اليوم على حافة الاشتعال، في بيئة هشّة تتداخل فيها أدوات القتال التقليدية مع الهجمات السيبرانية وحروب المعلومات والتأثير. صحيح أن نهاية كل عام غالبًا ما ترافقها توقعات قاتمة، إلا أن قراءة الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن العالم لا يسير نحو سلام مستقر، بل نحو مرحلة رمادية، تتكاثر فيها احتمالات الانفجار.
وهذا لا يعني بالضرورة تكرار حروب القرن العشرين، كما حذّر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته ، لكن أي صراع مقبل سيكون مختلفًا في شكله وأدواته، من دون أن يكون أقل تدميرًا.
ولا يبدو أن هناك أي مؤشرات على تراجع حدّة العنف في النزاعات القائمة. الحرب مستمرة في أوكرانيا، والنزاع يقتل الملايين في السودان، فيما تتجدد دوائر الصراع في رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ويغرق اليمن في حرب طويلة الأمد.
وفي جنوب شرق آسيا، لا يزال التوتر قائمًا بين تايلاند وكمبوديا، بينما تشهد ميانمار تصعيدًا في الحرب الأهلية والمجازر، مع اقتراب موعد انتخابات يسعى المجلس العسكري إلى تنظيمها.
هذا الخطاب يفتح الباب أمام استفزازات محتملة عند نقاط حساسة، لا سيما في منطقة البلطيق وشمال الأطلسي. من بين السيناريوهات المرجّحة حوادث بين بولندا وليتوانيا، إضافة إلى تصاعد نشاط الغواصات الروسية لاختبار منظومة "حصن الأطلسي" للإنذار المبكر.
ويتقاطع ذلك مع مقاربة أمريكية أكثر ليونة تجاه موسكو في ظل رئاسة دونالد ترامب، مقابل توترات مع الحلفاء الأوروبيين. وقد يشجّع هذا الواقع روسيا على التحرّك قبل أن يُكمل الناتو الأوروبي إعادة تسلّحه، فيما يشكّل أي خلاف أمريكي أوروبي، مثل الجدل حول غرينلاند، فرصة استراتيجية إضافية.
في المقابل، تبرز القارة الأمريكية نفسها كمسرح خطر محتمل. استعادة مبدأ مونرو ضمن الاستراتيجية الأمنية الأمريكية يفتح الباب أمام تدخلات مباشرة، أبرزها سيناريو تغيير النظام في فنزويلا، ولكن أي تدخل من هذا النوع يحمل مخاطر تكرار أخطاء غزو العراق عام 2003، مع احتمال انزلاق البلاد إلى سنوات من الفوضى والحرب الأهلية إذا لم تُعاد بناء مؤسسات الدولة.
كما أن أي تحرك أمريكي هناك سيزيد من عدم الاستقرار في المنطقة الممتدة من الإكوادور إلى كولومبيا وغيانا، وسط صراع أوسع على النفط مع قوى كبرى، بينها الصين ودول أوبك.
لا يزال الشرق الأوسط برميل بارود مفتوحًا، من غزة واليمن إلى السودان، حيث تخوض أطراف إقليمية حروبًا بالوكالة. وفي هذا السياق، قد يختار النظام الإيراني لحظة يراها مناسبة للتصعيد، سواء مباشرة ضد إسرائيل أو عبر شبكة وكلاء تمتد من سوريا إلى دارفور.
في السودان، لا يوجد إحساس بالأمن، لكن هناك وفرة هائلة من السلاح، فيما يكتسب الصراع على حدود رواندا والكونغو أبعادًا استراتيجية مرتبطة بالتنافس على معادن نادرة.
في جنوب شرق آسيا، تراقب باكستان والهند بعضهما عبر كشمير وأفغانستان، وتواجه الهند الصين على طول الحدود الجبلية، بينما لا تزال تايلاند وكمبوديا بعيدتين عن السلام.
أما الصين، فتظل مصدر القلق الأكبر، إذ قد تراهن بكين على انشغال واشنطن بملفات أخرى لاتخاذ خطوة حاسمة ضد تايوان. أي محاولة فاشلة أو في توقيت خاطئ قد تستفز ردود فعل إقليمية ودولية واسعة، قد تقود في أسوأ السيناريوهات إلى مواجهة عالمية.
مخاطر الحرب لا تقتصر على الأدوات العسكرية، بل تمتد إلى الفضاء السيبراني وحروب المعلومات. الهجمات الرقمية، كما أظهر الهجوم على شركة جاغوار لاند روفر، يمكن أن تُلحق خسائر بمليارات الدولارات.
والأخطر من ذلك هو ما يُعرف بـ"قنديل البحر الأسود"، أي التهديدات الكامنة التي يتم تجاهلها حتى فوات الأوان، مثل تطوير أسلحة بيولوجية وكيميائية جديدة، والتي قد تمثل أخطر تهديد يواجه العالم في السنوات المقبلة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة