دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- هل سبق أن رأيت طفلًا ملتصقًا بجهازه اللوحي في مطعم فيما يستمتع والداه بالعشاء أو ينشغلان بأجهزتهما أيضًا؟ لقد جسّد هذا المشهد حقبة "طفل الآيباد"، لكن قد نشهد تغيّرًا مع توجّه بعض الأهالي نحو المغامرات الواقعية والأنشطة العملية بعيدًا من الشاشات ، وفقًا لأول تقرير لاتجاهات التربية صادر عن منصة Pinterest (بنتريست).
وأشار التقرير، الذي نُشر الثلاثاء، إلى أنّ "العائلات تصمّم مرحلة الطفولة بعناية كي تكون قائمة على الإبداع والنية والتجارب ذات المعنى"، بحسب سيدني ستانباك، المسؤولة العالمية عن الاتجاهات والرؤى في بينتريست، في حديثها إلى CNN.
وللتعرّف إلى هذه الاتجاهات، جمعت "بنتريست" بين تحليل قائم على البيانات ورؤية بشرية، مستندة إلى أكثر من 600 مليون مستخدم وأكثر من 80 مليار عملية بحث شهريًا، بحسب ما أوضحت ستانباك.
ولم يكتفِ المحلّلون بتتبّع زيادة كلمات المفاتيح، بل راجعوا أيضًا الألوان والأنماط والأساليب لفهم كيفية تطوّر الذوق.
كشفت منصة بنتريست عن ارتفاع كبير في عمليات البحث حول:
ويرى الدكتور برايان رازّينو، اختصاصي نفسي إكلينيكي مرخّص في ولاية فرجينيا، غير مشارك في إعداد التقرير، أن هذه الزيادات تعني أن "الأهالي ينتبهون لما يحدث".
وقال رازّينو، مؤلف كتاب Awakening the Five Champions: Keys to Success for Every Teen: "عندما ترى زيادات كبيرة في البحث حول اللعب الحسي، أو ملاعب تصنعها بنفسك، أو التربية الإيجابية، فهذا يدلّ على أن الأهل يحاولون تشكيل بيئة أطفالهم بطريقة مدروسة".
وارتفعت عمليات البحث حول "أنشطة تعليمية للأطفال" بنسبة 280%، فيما زادت عمليات البحث حول "التعلم في الهواء الطلق" بنسبة 65%، ما يشير إلى اهتمام متزايد بالتعلم خارج الإنترنت والأنشطة المتّصلة بالطبيعة.
ومن الاتجاهات الأخرى الرائجة وفق ما جاء في التقرير:
وكشفت الدراسة عن أنه حتى في المنزل، يبحث الأهل عن وسائل لتحويل مساحات المعيشة إلى ملاعب ومختبرات للإبداع، إذ ارتفعت عمليات البحث حول "ملاعب الأطفال المنزلية المصنوعة يدويًا" بنسبة 630%، و"أفكار اللعب الحسي" بنسبة 1,070%.
وشملت عمليات البحث الشائعة الأخرى الجدران التفاعلية للأطفال، وأنشطة البناء، وأطعمة اللعب التخيّلي، والأشغال اليدوية والفنية.
يرى رازّينو أنّ هذه التوجهات تعكس رغبة الأهل ببناء قدرات أساسية لدى أطفالهم، مثل المرونة، والفضول، والتنظيم الذاتي، والتعاطف، والقدرة على المبادرة.
وأوضح: "هذه القدرات لا تنمو تلقائيًا، بل تُبنى من خلال الخبرة الحياتية. وتشير اتجاهات البحث إلى أنّ الأهل يبحثون عن طرق لبنائها بشكل مقصود. إنهم لا يتفاعلون مع التكنولوجيا فحسب، بل يسألون: ما نوع الطفولة التي أريد لأطفالي اختبارها؟ وهذه من أكثر النتائج التي تبعث على التفاؤل في هذا التقرير".
يأتي هذا التحول في وقت يلاحظ فيه كثير من الأهل ارتفاع مستويات القلق وتشتت الانتباه لدى أطفالهم. وقال رازّينو: "البيئات الرقمية فعّالة جدًا، إذ تقضي على الملل فورًا، لكن من الناحية الإنمائية لا تُعد الصعوبة خللًا بل ميزة".
وأضاف: "يبني الأطفال الوظائف التنفيذية، والتنظيم العاطفي، والثقة بالنفس من خلال الجهد، والمحاولة والخطأ، وحل المشاكل في العالم الواقعي. وإذا أصبح جزء كبير من وقتهم خاليًا من التحدي، يشعر الأهل حدسيًا بأنّ هناك شيئًا مفقودًا".
وأشار التقرير أيضًا إلى ارتفاع في الألعاب الماضيية، والسفر الغني بالتجارب، مثل التخطيط للرحلات البرية، والعادات العائلية، والأنشطة العملية التي تساعد على صنع ذكريات طويلة الأمد.
وأوضح رازّينو: "بعد سنوات، قد لا يتذكّر معظم الأطفال المستوى الذي بنوه في لعبة ما، لكنهم قد يتذكرون عندما لم تُنصب الخيمة تحت المطر، أو عندما ضلت العائلة الطريق في أحد المسارات وكيف وجدوا الحل معًا. هذه التجارب لا تصنع ذكريات فحسب، بل تبني الكفاءة وروابط التواصل".
ومن أكثر النتائج التي فاجأت ستانباك أنّ هذا التحول لا يهدف إلى إلغاء التكنولوجيا تمامًا، بل إلى موازنة طريقة استخدام الشاشات وتحويلها. فقد ارتفعت عمليات البحث عن "أفلام الرسوم المتحركة للأطفال" بنسبة 430%، وعن "أجواء ليلة سينمائية في المنزل" بنسبة 140%، وعن "ليلة سينمائية في عيد الميلاد" بنسبة 80%، وحتى "حفلة سينما في الفناء الخلفي" بنسبة 60%.
وقالت ستانباك: "لا يكتفي الأهل بتشغيل المحتوى، بل يحوّلون الترفيه إلى فعاليات ذات طابع خاص مع الزينة والوجبات الخفيفة والتواصل المقصود معًا"، مشيرةً إلى أن النمط ذاته يظهر أيضًا في الأنشطة الرياضية.
وأضاف رازّينو أنّ الأطفال يحتاجون إلى التحدي والحركة والتجارب المشتركة، لافتًا إلى أنّ "ما أراه في هذه البيانات محاولة الأهل حماية هذا النوع من اللحظات، واستعادة النسيج الأعمق للحياة العائلية".
وعند سؤالها حول سبب هذا التحول، شددت ستانباك على أن هذه التغييرات تأتي استجابةً لحالة التشبع الرقمي وضيق الوقت، وأن التوجهات المرتبطة بالقيم، مثل العيش بوعي، تميل إلى الاستمرار.
وأشار رازّينو إلى أنه رغم اتجاهات البحث التي لا تتحول دومًا مباشرةً إلى سلوك فعلي في الواقع، وأن مستخدمي "بينترست" لا يمثلون جميع الأهل، فإن البيانات لا تزال تقدم رؤى قيّمة للغاية.
إذا لم تكونوا متأكدين مما يمكن البدء به أولًا، فابدأوا ببعض الأفكار الواردة في التقرير:
المصدر:
سي ان ان