دخل قطاع الطيران العالمي مرحلة ضغط مركّز جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مع ارتفاع حاد في تكلفة وقود الطائرات، واضطراب في سلاسل الإمداد، ومخاطر تشغيلية وأمنية تمتد من الأجواء إلى جداول الرحلات، في وقت تُظهر فيه مؤشرات الصناعة أن الهوامش المالية لشركات الطيران تبقى هشة حتى في الظروف الطبيعية.
ويقول الاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا" إن الوقود كان يُفترض أن يمثل 25.7% من إجمالي النفقات التشغيلية لشركات الطيران في 2026 على أساس سعر مرجعي يبلغ 88 دولارا للبرميل، بينما حذرت "إيكاو" من أن التوغلات العسكرية وتعطل العمليات الجوية المدنية في المنطقة يخلقان خطرا مستمرا على سلامة الطيران، في حين تُعد أوروبا من أكثر المناطق تعرضا لصدمة وقود الطائرات لاعتمادها الكبير على الإمدادات القادمة من الخليج.
لم تعد أزمة الطيران مسألة تكلفة تشغيلية داخلية فقط، بل بدأت تنتقل مباشرة إلى أسعار التذاكر وإلى قرارات التشغيل وإدارة السعة، مع استعداد الشركات والأسواق والجهات التنظيمية لمرحلة قد تطول إذا استمر إغلاق مضيق هرمز وبقيت أسعار الوقود عند مستوياتها المرتفعة.
تفيد دراسة لمجموعة النقل والبيئة (منظمة أوروبية غير حكومية مقرها بروكسل) بأن تعطل إمدادات النفط العالمية بسبب الحرب رفع تكلفة الرحلات الجوية الطويلة من أوروبا بأكثر من 100 دولار، وهو ما يرجح انتقال العبء إلى المسافرين عبر أسعار أعلى للتذاكر.
وقالت المجموعة إن ارتفاع أسعار وقود الطائرات زاد متوسط تكلفة الوقود بمقدار 88 يورو (نحو 104 دولارات) لكل راكب على الرحلات الطويلة المغادرة من أوروبا، و29 يورو (نحو 34.3 دولارا) على الرحلات داخل أوروبا، مقارنة بالأسعار السائدة في 16 أبريل/نيسان مع تلك التي كانت قائمة قبل بدء الحرب في 28 فبراير/شباط.
وحسب التقديرات نفسها، ترتفع تكلفة الوقود بمقدار 26 يورو (نحو 30.7 دولارا) لكل راكب على رحلة من برشلونة إلى برلين، و129 يورو (نحو 152.5 دولارا) على الرحلة الطويلة من باريس إلى نيويورك، في مؤشر واضح على أن الضغوط لم تعد محصورة في الخطوط المتجهة إلى الشرق الأوسط، بل امتدت إلى الشبكات العابرة للأطلسي والرحلات الأوروبية الداخلية.
يتسق ذلك مع تقدير "إياتا" بأن وقود الطائرات يظل أحد أكبر عناصر تكلفة التشغيل في الصناعة، ومع تحذيرها من أن ارتفاع "الهوامش التكريرية" فوق أسعار الخام يجعل أثر الصدمات الجيوسياسية أشد على شركات الطيران من أثر ارتفاع النفط الخام وحده.
تستعد شركات الطيران الأوروبية، وفق معطيات رويترز، لربيع وصيف صعبين بعدما تجاوزت أسعار وقود الطائرات 100 دولار للبرميل منذ بدء الحرب، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول نقص الوقود إلى سبب مباشر لإلغاء الرحلات.
ومن المقرر أن يصدر الاتحاد الأوروبي غدا الأربعاء مبادئ توجيهية لإدارة الإمدادات المحدودة من وقود الطائرات، في وقت قال فيه مسؤولون تنفيذيون في شركات مثل لوفتهانزا ورايان إير وإير فرانس إنهم يرجحون تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين إذا استمر إغلاق مضيق هرمز.
يعزز هذا القلق ما قاله مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن من أن الصيف المقبل سيكون صعبا على أوروبا "حتى في أفضل الأحوال"، بسبب نقص الوقود الناتج عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، مضيفا أن الاتحاد يجهز تدابير للحد من تأثير الأزمة على إمدادات وقود الطائرات، وأنه قد يعيد توزيع الموارد ويتقاسمها إذا اقتضت الضرورة.
وكانت المفوضية الأوروبية قد أكدت في نهاية مارس/آذار الماضي أن الأسواق الأوروبية تشهد نقصا في بعض المنتجات النفطية، لا سيما الديزل ووقود الطائرات، وأن الأزمة أضافت 14 مليار يورو (نحو 16.5 مليار دولار) إلى فاتورة واردات الوقود الأحفوري للاتحاد خلال 30 يوما فقط، بينما دعت الدول الأعضاء إلى التنسيق المبكر لتأمين إمدادات النفط والمنتجات المكررة.
يكتسب هذا التحذير وزنا أكبر مع اعتماد أوروبا بدرجة كبيرة على إمدادات وقود الطائرات القادمة من الشرق الأوسط، وبنسبة تصل إلى 75%.
ويلفت الاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا" إلى أن المخزونات التجارية في أوروبا لا تتجاوز عادة ما يزيد قليلا على شهر واحد من الطلب، وهو ما يجعل القارة مكشوفة أمام أي إطالة للأزمة أو تعطل إضافي في الشحنات.
في الولايات المتحدة، بدأت الأزمة تأخذ مسارا سياسيا واقتصاديا مباشرا، ويعتزم رؤساء تنفيذيون لكبرى شركات الطيران منخفضة التكلفة عقد اجتماع مع وزير النقل الأمريكي شون دافي، بينما يحثون الكونغرس على إقرار إعفاءات ضريبية مؤقتة لتعويض جزء من الارتفاع الحاد في تكلفة وقود الطائرات الناتج عن الحرب.
وذكرت المعطيات أن مجموعة تمثل شركات سبيريت إيرلاينز وفرونتير إيرلاينز وأليجيانت إير وصن كانتري وأفيلو طالبت بتعليق ضريبة الاستهلاك الاتحادية البالغة 7.5% على تذاكر الطيران، إلى جانب ضريبة تبلغ 5.30 دولارات على كل رحلة.
وتكشف هذه المطالب مدى هشاشة ربحية القطاع حتى قبل احتساب الأثر الكامل للحرب، فإياتا تتوقع أن يحقق القطاع العالمي صافي ربح قدره 41 مليار دولار في عام 2026، لكنه يعادل فقط 3.9% كهامش صافي، أو 7.90 دولارات لكل راكب في المتوسط، وهي مستويات تبقي شركات الطيران عرضة لأي قفزة جديدة في الوقود أو أي تعطيل إضافي في الأجواء وسلاسل التوريد.
ويحذر "إياتا" من أن الصراعات الجيوسياسية وإغلاقات الأجواء وإعادة توجيه الرحلات لأسباب تشغيلية وأمنية تظل من أبرز العوامل التي تضغط على الكفاءة والربحية في عام 2026.
فيما كانت شركات الطيران تبحث عن وسائل لتخفيف الضغط المالي، بدأت المؤشرات التشغيلية نفسها تتراجع، فبيانات شركة سيريوم المتخصصة في بيانات وتحليلات قطاع الطيران أظهرت أن الجداول المستقبلية -التي رُصدت قبل 3 أسابيع- كانت تشير إلى نمو سنوي في المقاعد المتاحة بالكيلومترات خلال أبريل/نيسان 2026 عند 3.4% مقارنة مع 5.4% مباشرة قبل بدء الحرب، بينما كانت سعة (الحجم الكلي للمعروض من الرحلات والمقاعد) مايو/أيار قد انخفضت آنذاك من 6.6% إلى 6.3%.
لكن التحديث الأحدث أظهر تدهورا أوضح، إذ باتت سعة أبريل/نيسان منخفضة 2% على أساس سنوي، في حين تقلصت خطط مايو/أيار بنحو 3 نقاط مئوية لتسجل نموا قدره 3.4% فقط مقارنة مع مايو/أيار 2025.
وتوضح سيريوم أن جميع أكبر 20 شركة طيران في العالم، باستثناء الخطوط الجوية التركية، خفضت جداول مايو/أيار، مع تخفيضات تراوحت لدى معظمها بين صفر و5 نقاط مئوية.
وتشير البيانات أيضا إلى أن جميع المناطق شهدت تخفيضات، وإن بدا أثر الأزمة أقل حتى الآن على شركات قصيرة المدى مثل ساوث ويست ورايان إير.
وتضيف سيريوم أن مزيدا من التخفيضات يبدو مرجحا، مع توجه دلتا إلى سعة مستقرة في الربع الثاني وتلميح رايان إير إلى إمكانية تقليص جدولها بين 5% و10% إذا استمرت أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية.
ولم يقتصر الأثر على الكبار وحدهم، فبين أكبر 100 ناقل جوي، تظهر تخفيضات كبيرة لدى شركات من الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وماليزيا وإندونيسيا و الصين.
وتقول سيريوم إن شركات في ماليزيا وإندونيسيا خفضت الجداول بنحو 10% إلى 15%، كما شملت القائمة شركات صينية أصغر مثل سيتشوان إيرلاينز وشيامن إيرلاينز.
ومع أن بعض هذه الشركات ما زالت جداولها المعدلة تعني نموا سنويا يفوق 5%، فإن الصورة العامة تشير إلى تباطؤ واضح في النمو العالمي مقارنة بتقديرات سيريوم الأولية البالغة 4% إلى 6% لعام 2026.
وتقدّر الشركة الآن أن تتراوح نتيجة العام كله بين انكماش عالمي للسعة 2% إلى 3% أو نمو محدود بين 1% و3% فقط، بحسب مدة استمرار الحرب وبقاء الوقود عند مستوياته المرتفعة.
تشير السيناريوهات الأشد لدى سيريوم إلى أن شركات الطيران قد تضطر إلى إجراءات أعمق، مثل خفض تشغيل الطائرات الأقدم والأقل كفاءة أو ركنها، وتأجيل بعض أعمال الصيانة، وتقليص تمديد عقود التأجير، في حين تبدو الطائرات الجديدة أقل عرضة للخطر لما توفره من وفورات في استهلاك الوقود.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة