آخر الأخبار

حصار موانئ إيران يبقي التأمين البحري مرتفعا رغم الهدنة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تحتج سوق النفط سوى ساعات لتحذف جزءا كبيرا من "علاوة الخوف" بعد هدنة 8 أبريل/نيسان الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن سوق التأمين البحري لم تتحرك بالسرعة نفسها، ومع بدء سريان الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية دخلت السوق مرحلة مختلفة لا تسمح بعودة سريعة إلى تسعير التأمين في فترة ما قبل بدء الحرب.

وبينما استجابت أسعار الطاقة سريعا لإشارات التهدئة، بقيت كلفة التأمين على السفن والبضائع العابرة في الخليج العربي ومضيق هرمز أعلى من مستويات ما قبل الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، والتي بدأت في 28 فبراير/شباط، وذلك لأن الخطر لم يعد محصورا في احتمال اتساع القصف، بل بات يشمل أيضا تشديدا عسكريا أمريكيا مباشرا على الحركة البحرية من وإلى إيران، حتى مع استمرار السماح نظريا بمرور السفن غير المتجهة إلى الموانئ الإيرانية عبر هرمز تحت رقابة عسكرية أمريكية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 شرطة باريس تداهم قصر الإليزيه في ملف فساد
* list 2 of 2 قفزة النفط تربك قرارات اليابان وتثقل ميزانية ماليزيا end of list

من هنا، لم يعد السؤال الحقيقي بعد الهدنة هو "هل توقفت الحرب نظريا؟" فقط، بل "هل يمكن أن تعود الملاحة إلى طبيعتها بينما تطبق واشنطن حصارا على الموانئ الإيرانية، وهل تراجعت فعلا احتمالات الاستهداف والاحتجاز وتعطل الإمدادات بما يكفي لخفض أقساط الحرب؟".

وحتى الآن، تميل الإجابة إلى أن الهدنة خففت الذعر في الشاشات، لكن الحصار أبقى الخطر البحري قائما، ولذلك لم تعد الأسعار إلى وضع ما قبل الحرب، كما أن حركة العبور في هرمز ظلت محدودة رغم التهدئة.

الأسعار قبل الحرب والآن

قبل اندلاع الحرب كانت علاوة مخاطر الحرب الإضافية لعبور الناقلات في الخليج العربي ومضيق هرمز تدور في العادة حول هامش يتراوح بين 0.1% و0.15% من قيمة هيكل السفينة وآلاتها، فيما وضعت تقديرات أخرى المستوى الاعتيادي قرب نسبة 0.2% إلى 0.25% من قيمة السفينة.

وبعد الحرب قدّر ديلان مورتيمر، قائد قسم هياكل السفن البحرية في المملكة المتحدة لدى شركة الوساطة التأمينية "مارش"، أن التصنيفات تتراوح تقريبا بين 1% و1.5% من قيمة السفينة، مع اختلاف طفيف صعودا وهبوطًا اعتمادا على عوامل الخطر المحددة.

إعلان

وبحلول أواخر مارس/آذار الماضي، بدأت أسعار التأمين البحري تتراجع عن الذروة، لكنها بقيت أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، فقد نقلت مؤسسة "ستاندرد آند بورز" عن مسؤولين تنفيذيين في سوق التأمين البحري أن العلاوة الإضافية على الناقلات في الخليج العربي هبطت إلى نحو 1% بعد أن بلغت قرابة 2.5% في وقت سابق من مارس/آذار، وأن بعض السفن التي نجحت في العبور دفعت نحو 0.8% بعد احتساب خصم عدم المطالبة، لكنها ظلت أعلى بما يصل إلى 8 مرات من مستويات ما قبل الحرب.

مصدر الصورة صورة جوية لجزيرة قشم الإيرانية عن بعيد عن سواحل البلاد على الخليج قرب مضيق هرمز (رويترز)

السوق حذف الخوف

هذا التوصيف يقدمه بوضوح رئيس مجموعة بونوال للتأمينات في المغرب يوسف بونوال في تصريح للجزيرة نت، إذ يرى أن ما حدث بعد هدنة الأسبوعين هو أن سوق التأمين العالمية حذفت بسرعة جزءا كبيرا من علاوة الخوف (علاوة مخاطر الحرب)، ولكنها لم تتصرف على أساس أن أزمة الطاقة والإمدادات قد انتهت.

ولكن بدء سريان الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، أعاد تثبيت جزء مهم من هذه العلاوة عند مستويات أعلى من السابق، لأن السوق لم تعد تقرأ المشهد بوصفه مجرد تهدئة سياسية، بل بوصفه انتقالا من صدمة الحرب المفتوحة إلى صدمة القيود البحرية المنظمة. ولذلك فإن هبوط النفط الحاد بعد خبر هدنة الأسبوعين كان تعبيرا عن ارتياح فوري في التسعير، لا دليلا على أن الخطر اختفى من سلاسل الإمداد، أو من حركة الشحن والطاقة.

ويقول يوسف بونوال إن مضيق هرمز يظل العقدة الأهم في هذه المعادلة، لأن أي إشارة إلى هدوء أو انفراج في الهدنة تمنح الأسعار تهدئة سريعة، لكن أي تعثر يعيد التوتر بوتيرة أسرع مما تتوقعه السوق، وهو ما ينطبق أيضا على الحصار الأمريكي الجديد على إيران، لأنه لا يغلق المضيق بالكامل لكنه يبقيه تحت ضغط أمني وعسكري دائم.

ولهذا فإن اختناق الإمدادات، من وجهة نظر خبير التأمين، لم يختف بعد، كما أن تكدس الناقلات داخل الخليج العربي لا يزول فور إعلان الهدنة أو فور إعلان آلية مرور جديدة، بل يحتاج وقتا لتصريف الازدحام واستعادة التدفقات الطبيعية.

وتبقى السوق خلال الأيام المقبلة أمام 3 إشارات حاسمة يمكن إجمالها فيما يلي:


* هل يعود المرور في هرمز يوميا وبصورة منتظمة؟
* هل تنخفض أقساط التأمين ومخاطر الشحن فعلا؟
* هل تستعيد المصافي الآسيوية تدفقات الخام والمنتجات بسلاسة؟

فإذا صمدت الهدنة – يضيف المتحدث- قد يظهر المزيد من الهدوء التدريجي، أما إذا تحول الحصار إلى مصدر احتكاك ميداني جديد بين واشنطن وطهران فإن علاوة الخطر قد تعود بسرعة، لأن السوق أزالت جزءا من الخوف وليس كل الخطر.

لماذا لم يهبط التأمين؟

في التأمين البحري، لا يكفي إعلان وقف إطلاق النار لكي تنخفض الأقساط تلقائيا، والمبدأ نفسه يسري مع بدء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، لأن المكتتبين (الأشخاص والمؤسسات الذين تقع على عاتقهم مسؤولية اتخاذ قرار قبول أو رفض تأمين هذه السفينة أو تلك) لا ينظرون إلى العنوان السياسي وحده، بل إلى المسار الأمني الفعلي على الماء من ناحية توقف الهجمات على السفن، وعودة العبور المنتظم في المضيق.

إعلان

ولذلك فإن الهدنة قد توقف القفزة السعرية للتأمين، ولكنها لا تمحو أثرها، فيما جاء الحصار الأمريكي ليمنع السوق من منح "خصم حالة السلع" بشكل سريع، حتى إن اتجه النفط إلى حذف جزء من علاوة الذعر.

وهذا ما يفسر بقاء التغطيات التأمينية متاحة، ولكن بشروط أكثر صرامة وكلفة أعلى، فمنذ اندلاع الحرب انتقل التأمين على السفن العابرة في الخليج العربي ومضيق هرمز من التسعير العادي إلى "تسعير الحرب" عبر رفع الأقساط الإضافية وتعديل الشروط وتوسيع النظرة إلى بعض المناطق البحرية بوصفها مرتفعة المخاطر.

ومع بدء سريان الحصار الأمريكي، لم تعد المشكلة فقط في وجود نزاع عسكري واسع، بل أيضا في وجود نظام بحري قسري جديد يميز بين السفن ووجهاتها ومساراتها، ويزيد حساسية المرور من وإلى المنطقة. وبذلك لم تختف وثائق التأمين، لكن الوصول إليها أصبح أكثر كلفة وانتقائية، خصوصا للسفن ذات الصلات التشغيلية أو التجارية أو الجيوسياسية الأكثر حساسية.

وعمليا، لم تعد شركات التأمين تنظر إلى السفينة بوصفها مجرد أصل عائم، بل بوصفها جزءا من مشهد نزاع مفتوح ومراقبة عسكرية متشددة: علمها، وملكيتها، وخط سيرها، وطبيعة حمولتها، ووجهتها النهائية، ومدة بقائها داخل منطقة الخطر، كلها عناصر تدخل مباشرة في تحديد السعر.

ولهذا بقي التأمين بعد 8 أبريل/نيسان الحالي أعلى بكثير من مستويات ما قبل 28 فبراير/شباط، وجاء بدء الحصار الأمريكي ليعزز هذا الاتجاه بدلا من أن يبدده، حتى مع انحسار أولي في التوتر السياسي بين واشنطن وطهران.

ماذا تؤمن السفينة؟

للقارئ غير المتخصص، فالتأمين البحري ليس وثيقة واحدة، بل مجموعة أغطية مختلفة. هناك تأمين هيكل السفينة وآلاتها، وهو يغطي الضرر الذي يصيب جسم السفينة ومحركاتها ومعداتها.

وهناك تأمين البضائع، وهو يغطي الشحنة نفسها سواء كانت نفطا أو غازا أو حاويات أو حبوبا أو غيرها. وهناك تأمين مخاطر الحرب، وهو الغطاء الأكثر حساسية في أوقات النزاع ويشمل أخطار الهجمات والصواريخ والألغام والاحتجاز وأعمال العنف ذات الطابع الحربي.

كما توجد تغطيات المسؤولية التي توفرها أندية الحماية والتعويض (جمعيات تعاونية غير ربحية يملكها ويديرها أصحاب السفن التجارية أنفسهم)، وتشمل التغطية التزامات مالك السفينة أو مشغلها تجاه الغير، مثل إصابات الطاقم والتلوث والأضرار التي قد تلحق بمرافئ، أو بسفن أخرى.

ولهذا لا ترتفع كل التأمينات بالدرجة نفسها عند اندلاع الحرب أو عند بدء سريان الحصار، فتأمين هيكل السفينة ومخاطر الحرب يكون عادة الأكثر تقلبا، لأنه يرتبط مباشرة بإمكانية إصابة السفينة أو تعطيلها أثناء الرحلة، بينما يبقى تأمين البضائع متاحا غالبا لكن مع رسوم حرب إضافية أو شروط أكثر تشددا، وأما تغطية المسؤولية فقد تبقى أكثر تماسكا نسبيا، وإن كانت لا تنفصل هي الأخرى عن مزاج السوق ومخاطر المنطقة وإعادة التأمين.

متى تهبط الفاتورة؟

تهبط كلفة التأمين البحري عندما يثبت الهدوء نفسه ميدانيا لا سياسيا فقط، أي عندما تتراجع الحوادث لفترة كافية، وتعود السفن إلى المرور الطبيعي، وتخفف السوق تصنيفها للممرات البحرية، وتتحسن شهية شركات التأمين وإعادة التأمين لتحمل الخطر من جديد.

وفي الحالة الحالية يضاف إلى ذلك شرط آخر: أن يتضح كيف سيطبق الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية عمليا، وهل سيظل مصدر توتر واحتكاك ومخاطر قانونية وعسكرية، أم سيتحول إلى إطار منضبط لا يضيف علاوة تأمينية جديدة على المرور في المنطقة، عندها فقط تبدأ أقساط التأمين بالانتقال من "تسعير الحرب" إلى "تسعير الحركة الطبيعية".

أما الآن، فالصورة أقرب إلى مرحلة انتظار واختبار، فسوق التأمين البحري رحبت بالهدنة، لكنها لم تمنح بعد خصم وضع السلم، ثم جاء بدء سريان الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية ليؤكد أن الخطر البحري لم يخرج من المعادلة.

إعلان

ولذلك يمكن القول إن 8 أبريل/نيسان (تاريخ بدء سريان الهدنة) خفف صدمة الخوف في الأسواق، لكنه لم ينه كلفة الحرب على الشحن والتأمين، بينما جعل الحصار البحري الأمريكي على إيران هذه الكلفة أكثر ثباتا حتى إشعار آخر.

فالغطاء التأميني ما زال قائما، لكنه أغلى وأكثر حذرا وانتقائية، وما سيحدد مساره لاحقا ليس إعلان الهدنة وحده، بل قدرتها على الصمود، وانتظام المرور في هرمز، وحدود تطبيق الحصار، وانحسار الخطر من البحر قبل الشاشات.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار