آخر الأخبار

أسطورة "الحشاشين" الإيرانية.. قصة قلعة "ألموت" التي ضمتها اليونسكو للتراث العالمي

شارك

أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ملف "قلعة ألموت والتحصينات المرتبطة بها” على قائمة التراث العالمي، ليصبح الموقع الإيراني الـ30 المسجل على القائمة.

وجاء القرار خلال الدورة الـ48 للجنة التراث العالمي المنعقدة في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، حيث وافقت اللجنة على تسجيل الملف الذي يضم شبكة من 7 قلاع وحصون تاريخية، هي: ألموت، ولمبسر، ونويذر شاه، وشمس كلاية، وقسطين لار، وشيركوه، وإيلان، والواقعة في وديان ألموت الشرقية والغربية وعلى السفوح الجنوبية لسلسلة جبال البرز.

وتعود هذه المنشآت إلى الفترة الممتدة بين القرنين 11 و13 الميلاديين، وتمثل نموذجا متقدما للهندسة الدفاعية، مستندة إلى معرفة دقيقة بجغرافية المنطقة وإدارة الموارد المائية وشبكات الاتصال والتنظيم العمراني.

مصدر الصورة هذه المنشآت تعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين 11 و13 الميلاديين (منظمة اليونسكو)

المكانة الحضارية لإيران

وتؤكد هذه القلاع المكانة الحضارية والعلمية لإيران في تلك الحقبة، إذ لم تقتصر أهميتها على دورها السياسي والعسكري، بل كانت أيضا مركزا علميا بارزا ارتبط باسم العالم الإيراني الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي.

القلعة التي تقف اليوم أطلالا على قمة صخرية شمالي إيران، كانت قبل نحو 8 قرون مادة لواحدة من أشهر الأساطير في التاريخ الوسيط: حكاية "جنة" سرية صنعها الحسن بن الصباح، مؤسس طائفة الحشاشين، لتخدير أتباعه وإرسالهم لتنفيذ الاغتيالات.

الحكاية رواها الرحالة الإيطالي ماركو بولو، الذي وصف كيف "عزل شيخ الجبل واديا بين جبلين وحوّله إلى حديقة غناء"، بأنهار من خمر وعسل، ونساء فاتنات يرقصن "رقصات تذهب العقول".

كان الهدف، بحسب بولو، إقناع الشباب بأنهم بلغوا الفردوس، ثم إرسالهم لقتل الخصوم مقابل وعد بالعودة إليه.

إعلان

لكن الثابت أن بولو لم يشهد شيئا مما وصفه، فقد وصل إلى بلاد فارس بعدما كانت القلعة قد دُمّرت بالفعل، ونقل حكاية سمعها من آخرين ولم يرها بعينيه.

ويشكك مؤرخون معاصرون في الرواية لهذا السبب، ويرى المؤرخ البريطاني برنارد لويس أن قصة تخدير الفدائيين بالحشيش "تكاد تكون غير صحيحة إطلاقا"، لافتاً إلى أن الحشيش كان معروف الاستخدام في ذلك العصر أصلا، ولم يكن سرا يخص أتباع الصباح وحدهم.

حتى اسم "الحشاشين" نفسه، يرجّح باحثون عرب أنه لم يكن وصفا لممارسة حقيقية، بل لقبا تحقيريا أطلقه خصوم الطائفة، فيما كانت تسمي نفسها في الأصل "الأساسيين".

مصدر الصورة قلعة ألموت تقف اليوم أطلالا على قمة صخرية شمالي إيران (منظمة اليونسكو)

كيف بدأت القصة؟

وُلد الحسن بن الصباح في مدينة الري الإيرانية عام 1037م، واعتنق المذهب الإسماعيلي في 17 من عمره.

بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عام 1094م، انقسمت الخلافة في القاهرة بين ابنه الأكبر نزار، وأخيه الأصغر المستعلي الذي فرضه الوزير بدر الدين الجمالي. أيّد الصباح نزار، فانشق عن الدعوة المركزية وأسس فرعاً مستقلاً عُرف بالإسماعيلية النزارية.

وكان قد استولى قبل ذلك بـ4 سنوات، عام 1090م، على قلعة ألموت الجبلية، ليجعل منها مقر دولته الجديدة.

من هناك بنى شبكة من 7 قلاع حصينة امتدت في وديان ألموت شمالي إيران وصولاً إلى سوريا، هي: ألموت، ولمبسر، ونويذر شاه، وشمس كلاية، وقسطين لار، وشيركوه، وإيلان. هذه الشبكة هي ما أقرّته اليونسكو هذا الصيف ضمن ملف الترشيح.

مصدر الصورة صورة توضح الطرق الموصلة إلى قلعة ألموت (منظمة اليونسكو)

هندسة حقيقية بدل الجنة المتخيلة

ما صمد من ألموت لم يكن "الجنة" التي وصفها بولو، بل الهندسة الدفاعية إذ اعتمدت القلاع على معرفة دقيقة بالتضاريس وإدارة المياه وطرق المواصلات، وشكّلت أيضاً مركزا علميا ضمّ مكتبة ضخمة ارتبط اسمها بعلماء مثل الخواجة نصير الدين الطوسي، الفلكي والرياضي الذي عمل فيها قبل أن ينتقل لاحقا إلى خدمة المغول أنفسهم.

هذه المكتبة احترقت عام 1256م حين اجتاح المغول بقيادة هولاكو خان القلعة ودمّروها مع معظم حصون الإسماعيليين، رغم أن آخر حكامها، ركن الدين خورشاه، استسلم دون قتال يُذكر.

مع احتراق الأرشيف، ضاعت أغلب الوثائق التي كان يمكنها حسم الجدل بين رواية بولو والحقيقة، وبقي الباحثون أمام مصادر متضاربة: بعضها كتبه خصوم الطائفة، وبعضها حاول لاحقا إعادة بناء الصورة بموضوعية أكبر، كما فعل الكاتب اللبناني أمين معلوف في روايته "سمرقند".

مصدر الصورة قلعة ألموت ظلت عاصمة سياسية وعلمية للدولة النزارية 166 عاما (منظمة اليونسكو)

ظلت ألموت عاصمة سياسية وعلمية للدولة النزارية 166 عاما، من 1090م حتى سقوطها عام 1256م.

ولم تنتهِ الطائفة بانتهاء القلعة؛ فقد استمرت الإسماعيلية النزارية حتى العصر الحديث تحت قيادة أئمة توارثوا الزعامة وصولا إلى سلالة الآغا خان المعاصرة.

اليوم، لم يتبق من ألموت سوى أطلال يصعب الوصول إليها، كما كانت قبل 1000 عام.

لكن قرار اليونسكو يعيد تعريف ما تعنيه هذه الأطلال باعتبارها شاهدا على دولة بنت حصونها من الحجر ومعرفتها من الفلسفة والفلك، قبل أن يعيد رحالة أوروبي اختراعها كأسطورة بعد قرون من سقوطها.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار