قبل عامين أدركت ليني أن استخدامها للهاتف المحمول قد تجاوز الحدود. فقد أصبحت تغادر غرفتها بشكل متباعد أكثر فأكثر للتحدث مع والديها وأحيانا لم تعد تخرج على الإطلاق في عطلة نهاية الأسبوع كما كانت تقضي أحيانا عشر ساعات يوميا على تيك توك ويوتيوب. وتقول ليني، البالغة من العمر 18 عاما اليوم لـ DW: أدركت أنني أهملت دراستي كثيرا وأنني كنت أدرس أكثر من ذلك بكثير في السابق. ثم بدأت في مراقبة الوقت الذي أقضيه في استخدام الوسائط على هاتفي المحمول ووضعت الهاتف جانبا في كثير من الأحيان وتوقفت عن إلغاء مواعيدي مع الأصدقاء لمجرد البقاء على الهاتف. الآن يبلغ متوسط وقت استخدامي للوسائط خمس ساعات يوميا".
ما ترويه ليني ينطبق على الأرجح على غالبية المراهقين في ألمانيا. وحسب دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يبلغ وقت استخدام الشاشة لدى المراهقين البالغين من العمر 15 عاما في ألمانيا 48 ساعة أسبوعيا أي سبع ساعات يوميا. وفي المقارنة الدولية تحتل ألمانيا المرتبة الخامسة بين 36 دولة مباشرة بعد بولندا وإستونيا. وحسب دراسة أجرتها شركة DAK للتأمين يستخدم 1.5 مليون شاب في ألمانيا وسائل التواصل الاجتماعي بدرجة تثير القلق أي ما يقارب واحدا من كل أربعة ويُعتبر 350 ألفا منهم مدمنين على وسائل التواصل الاجتماعي.
"يجب أن يكون الهدف هو تمكين أطفالنا من الاستفادة من الفرص التي يوفرها العالم الرقمي دون تعريضهم للخطر"، نادين شونصورة من: Tobias Koch
لذلك كان هناك ترقب كبير لمعرفة الإجراءات الملموسة التي ستقترحها لجنة الخبراء المستقلة المعنية بـ"حماية الأطفال والمراهقين في العالم الرقمي ".
نادين شون هي الرئيسة المشاركة للجنة الخبراء، وتقول لـDW: "نرى كيف تعمل وسائل الإعلام الرقمية على تطرف حوارنا الديمقراطي وتؤثر على نمو الأطفال والشباب. ونلاحظ أن أوقات استخدام الشاشات آخذة في الازدياد. كما نرى أن الأطفال والشباب غالبا ما يعانون من الإدمان. نريد أن نحمل المنصات مسؤولية أكبر حتى تتيح المشاركة وتوفر في الوقت نفسه حماية أكبر مما هو عليه الحال حتى الآن على سبيل المثال في ما يتعلق بالتحقق من العمر".
وأهم التوصيات الـ56: يجب أن تتحمل المنصات ومقدمو الخدمات مسؤولية أكبر من خلال توفير إعدادات أساسية أكثر أمانا للقاصرين ومحتوى أكثر ملاءمة للعمر بالإضافة إلى خيارات واضحة وسهلة الاستخدام للإبلاغ عن المحتوى المشكوك فيه. بل وينبغي تكريس مسؤولية الوالدين في التربية الرقمية بموجب القانون.
وأخيرا تطالب لجنة الخبراء بحظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس وفي جميع أنحاء ألمانيا حتى الصف السابع (حوالي 12 إلى 13 عاما).
"نحن بحاجة إلى دورات تدريبية في مجال التثقيف الإعلامي والتوعية"، فلوريان بوشمانصورة من: Sebastian Kahnert/dpa/picture allianceوتؤيد وزيرة التعليم الألمانية من الحزب المسيحي الديمقراطي كارين بريين فرض حد أدنى للسن على المستوى الأوروبي إن أمكن: "بشأن الاستخدام المستقل لوسائل التواصل الاجتماعي أرى أن اقتراح فرض حد أدنى قانوني للسن يبلغ 13 عاما هو الطريق الصحيح بشكل أساسي". كما تطالب بآلية فعالة للتحقق من العمر وتدابير حماية متدرجة للمراهقين حتى سن 18 عاما.
كما يؤيد فلوريان بوشمان حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 13 عاما. فقد كان هو نفسه عندما كان مراهقا منغمسا بشدة في عالم ألعاب الكمبيوتر. لدرجة أنه كان يلعب لعبة "وارفيس" (Warface) التي تعتمد على التصويب من منظور الشخص الأول عبر الإنترنت لمدة تصل إلى 16 ساعة في اليوم. وكان كما يقول اليوم "أسيرا لهذا العالم الافتراضي".
بعد مشاركته في برنامج تبادل طلابي في رومانيا حيث استمتع بإشعال نار المخيم والتسلق واللعب مع الكلاب أدرك فجأة أن الوقت قد حان للتخلص أخيرا من إدمانه على وسائل التواصل الاجتماعي .
وكتب بوشمان كتاب "وداعا يا أفاتار" كدليل إرشادي للأطفال والمراهقين ليتمكنوا من اتباع خطاه والتحرر بدورهم من الإدمان الرقمي. ومن خلال مبادرته "أبطال العالم الواقعي" يزور هو وفريقه يوميا المدارس في جميع أنحاء ألمانيا. وقد بلغ عدد الفعاليات التي نظمها هذا العام 534 فعالية. كما أدار هذا الأسبوع فعالية كبيرة حضرها 1300 من الآباء والأمهات القلقين.
ويقول لـ DW :"الكثيرون لا يعرفون كيف يتواصلون مع أطفالهم بشكل صحيح في هذه الحالة. لأنهم يركزون فقط على الجهاز والسلوك دون النظر إلى الحاجة والإنسان الذي يقف وراء ذلك مما يجعل الطفل ينغلق عليهم". وفي الوقت نفسه من المهم أن يضع الآباء قواعد واضحة بشأن استخدام الوسائط.
يمكن للمتأثرين إجراء اختبارات ذاتية على موقعه الإلكتروني: هل يدور كل شيء بالنسبة لي حول الوصول إلى الكمبيوتر بأسرع ما يمكن من أجل اللعب؟ هل أنا مدمن على المواد الإباحية؟ هل ما زلت أسيطر على هاتفي المحمول أم أن الهاتف المحمول يتحكم بالفعل في حياتي اليومية بالكامل منذ فترة طويلة؟ ما يقلق فلوريان بوشمان هو أن الموجة التالية تتجه بالفعل نحو الشباب منذ فترة طويلة.
"تأتي العديد من الأفكار السياسية متأخرة جدًّا. نحن نسعى الآن جاهدين لمواكبة وسائل التواصل الاجتماعي لكننا بدأنا بالفعل في الانزلاق نحو الموضوع التالي المتمثل في الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق. وهذا أمر آخر يجعلنا نتساءل: "كم من الوقت استغرقنا حتى أصبحنا قادرين على التحرك واتخاذ إجراءات فعلية؟".
يكافح أندرياس باولي أيضا يوميا ضد إدمان الأطفال والمراهقين على وسائل الإعلام. هذا الأخصائي في التربية الاجتماعية هو المدير التنفيذي لجمعية Mediensuchprävention NRW e.V. في كولونيا. وهو يعمل حاليا على تدريب "قادة شبكيين" جدد: وهم مراهقون يقومون بتوعية أقرانهم من الأصدقاء وزملاء الدراسة حول الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام الرقمية ومخاطرها.
"لا يجوز أن يتم الاستغناء عن الأخصائيين الاجتماعيين في المدارس في هذا الوقت بالذات"، أندرياس باوليصورة من: privatيقول باولي لـDW :"نلاحظ تزايد ظاهرتين جديدتين: الأولى هي إدمان المواد الإباحية والثانية هي الاستهلاك غير المنضبط أي فيما يتعلق بسلوك الشراء. يصل دين بعض الشباب إلى 10,000 يورو في سن السابعة عشرة. ويرجع ذلك أيضا إلى أن منصات الدفع مثل PayPal لا تراعي هذه الظروف".
ليني، البالغة من العمر 18 عاما تعمل الآن كموظفة متعاقدة في جمعية Mediensuchtprävention NRW e.V. وحسب باولي تُظهر التجربة أن ما يُسمى بـ"المروجين الأقران" يتمتعون بعلاقة أفضل مع الأطفال والمراهقين المدمنين على وسائل الإعلام أو الذين يتجهون مباشرةً نحو الإدمان.
تحمل الحملة الحالية عنوان "One day off": في يوم الحملة 7 يوليو يتمثل التحدي في الامتناع طواعيةً عن استخدام الهاتف المحمول لمدة 24 ساعة. نداء أندرياس باولي: "ننظم كل عام رحلة ترفيهية بعيدا عن الإنترنت حيث يقول الأطفال دائما بعد أربعة أيام: إنه أمر رائع تماما أن نعيش بدون وسائل الإعلام فالحياة أقل توترا بكثير وأستطيع التحدث مع الناس في الواقع مرة أخرى". لذا نحن بحاجة إلى المزيد من الأماكن التي تتيح تجارب تفاعلية مع الشباب. وقالت زميلة مؤخرا إن علينا أن نجعل العالم الحقيقي أجمل مرة أخرى حتى لا يلجأوا إلى العالم الافتراضي".
أعده للعربية: م.أ.م (ع.ج.م)
المصدر:
DW