آخر الأخبار

سارايكتش للجزيرة نت: الاستشراق الصربي تحول إلى أداة لتبرير إبادة مسلمي البلقان

شارك

في خضم التحولات السياسية والثقافية التي شهدتها منطقة البلقان، برز الاستشراق الصربي كأداة أيديولوجية ذات أبعاد تتجاوز الشرق.

ولفهم جذور هذا التوجه، تحاور الجزيرة نت الدكتور ميرزا سارايكتش، أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة سراييفو، لتفكيك بنية "الاستشراق الصربي" الذي تجاوز البحث المعرفي ليتحول إلى أداة أيديولوجية وعسكرية استهدفت وجود المسلمين في يوغوسلافيا السابقة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "نبض اللحظات الأخيرة".. رواية عن الحب والمقاومة في غزة أثناء الإبادة
* list 2 of 2 المدن المحورية: داود أوغلو يقدم قراءة في خرائط النهوض والسقوط الحضاري end of list

ألّف سارايكتش عدة دراسات أكاديمية، أبرزها كتابه الأول "غزلات أحمد خاتم أكوفالي زاده" باللغة العربية (2011)، الذي يتناول التراث الروحي والصوفي والأدبي للبوشناق.

ويقول سارايكتش إن "الاستشراق الصربي يستمد مرجعيته المعرفية من الاستشراق الغربي الكلاسيكي"، ويضيف أنه "متجذر بعمق في ضرورات جيوسياسية خاصة بمنطقة البلقان، فهو يشكل أداة خطابية وأيديولوجية في آن معا".

ويؤكد أن الصرب "يركزون على نزع الشرعية عن المسلمين داخل حدود يوغوسلافيا السابقة وتجريدهم من إنسانيتهم، وتتمثل أدواته في وسائل سياسية وقانونية صريحة، بل عسكرية أحيانا".

ووفقا لسارايكتش، صوّر المستشرقون الصرب المسلمين على أنهم "كائنات بلا روح"، و"ذوو طبيعة خادعة فطرية"، و"جهاديون يتربصون لغزو أوروبا"، و"إرهابيون متعطشون للدماء".

وإلى نص الحوار:


*

كيف تعرفون الاستشراق الصربي في سياق البوسنة والهرسك؟

في سياق البوسنة والهرسك، يعمل الاستشراق الصربي كنمط محلي لإنتاج المعرفة، يهدف إلى تعريف وتكريس صورة "البشناقي المسلم" بوصفه "الآخر" الجوهراني، ومن ثم تهميشه ثقافيا وسياسيا، باعتباره تهديدا لهوية الأغلبية الصربية.

ورغم أن هذا الاستشراق يستمد مرجعيته المعرفية من الاستشراق الغربي الكلاسيكي، فإنه متجذر بعمق في ضرورات جيوسياسية خاصة بمنطقة البلقان، وهو يشكل أداة خطابية وأيديولوجية في آن معا تُستخدم لبناء صورة البوسني المسلم كـ"آخر حضاري" تُعرّف الهوية الوطنية الصربية ضده وتُرسخ من خلاله.

إعلان

ومنذ نشأته في القرن الـ19 وحتى اليوم، تطور الخطاب الاستشراقي الصربي بوصفه نموذجا معرفيا إستراتيجيا، لم يقتصر على بناء الآخر المسلم فحسب، بل حرّك بنيات مادية ومؤسساتية ومعرفية أيضا باتجاه أهداف سياسية عنيفة.


*

هل اختلف الاستشراق الصربي عن الاستشراق الغربي الكلاسيكي في أدواته وأهدافه؟

بالرغم من أن الاستشراق الصربي يستلهم بنيته من التقاليد الاستشراقية الغربية، ولا سيما في تأكيده على ثنائية الإسلام والمسيحية، فإنه يختلف عنها في قربه الجغرافي وأهدافه السياسية المباشرة.

هو لا ينشغل بتغريب الشرق أو تزيينه، كما هو الحال في كثير من الأدبيات الغربية، بل يركز على نزع الشرعية عن المسلمين داخل حدود يوغوسلافيا السابقة وتجريدهم من إنسانيتهم.

يركز الاستشراق الصربي على نزع الشرعية عن المسلمين داخل حدود يوغوسلافيا السابقة وتجريدهم من إنسانيتهم

وتتمثل أدواته في وسائل سياسية وقانونية صريحة، بل عسكرية أحيانا، خاصة في أواخر القرن الـ20، حيث ارتبط هذا الخطاب ارتباطا وثيقا بجهاز الدولة والمشاريع القومية الإثنية الصربية.


*

هل توافق على أن الاستشراق الصربي قام ببناء وتبرير ونشر الخطابات التي غذت فكرة القومية الصربية بوصفها القوة السياسية المهيمنة في البلقان؟

نعم، وبدون أدنى شك، أدى الخطاب الاستشراقي الصربي دورا تأسيسيا في تشكل النزعة القومية الصربية وتبلورها. لقد ساهم بفاعلية في تصنيع "الآخر المسلم" وتقديمه كخطر داهم يهدد كيان الأمة الصربية المتخيلة.

ومن خلال وسائل الإعلام والأدب والنصوص الزائفة التي تتزيا باللباس الأكاديمي، وفر هذا الخطاب الإطار المعرفي والتبرير الأخلاقي لفكرة أن صربيا تمثل حصن الحضارة المسيحية في البلقان، وكان ذلك أساسا لتبرير سياسات الإقصاء، بل الإبادة الجماعية في مراحل لاحقة.

وما أذكره هنا ليس تأويلا ذاتيا أو حكما انطباعيا، بل يستند إلى وثائق وسجلات علنية، تشمل خطبا رسمية ومنشورات وإنتاجا إعلاميا وأكاديميا صادرا عن النخبة الصربية السياسية والعسكرية والفكرية.

نحن لا نتحدث عن خطاب هامشي أو ناتج عن انفعالات فردية، بل عن التيار المركزي السائد في الفكر الصربي على مدى القرنين الماضيين، والمبني في جوهره على تصور استشراقي يرى في المسلم "الآخر الشرير".

هناك أصوات فكرية ومدنية داخل المجتمع الصربي، وإن كانت قليلة ومهمشة، فإنها تقف بشجاعة في مواجهة خطاب الكراهية ضد البوشناق والمسلمين

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في ثنائية الأبيض والأسود فحسب. فثمة أصوات فكرية ومدنية داخل المجتمع الصربي، وإن كانت قليلة ومهمشة، فإنها تقف بشجاعة في مواجهة هذا الخطاب المسموم، وتعمل على تفكيك خطاب الكراهية المتجذر تجاه البوشناق والمسلمين.

وبالرغم من محدودية تأثيرها، فإن هذا التيار النقدي يمثل بارقة أمل نحو مستقبل أكثر عدالة وتعددية وإنسانية.

مصدر الصورة يرى سارايكتش أن الخطاب الاستشراقي الصربي أدى دورا تأسيسيا في تشكل النزعة القومية الصربية (الجزيرة)
*

تقولون: منذ منتصف القرن الـ19، بدأ المثقفون الصرب في بناء "معرفة" عن الآخر المسلم، عارضين إياه من خلال صورتين: "التركي الشيطاني" أو "العربي الأسود الوحشي". هل من توضيح؟

حسنا، إن شخصية العربي الأسود تمثل في آن معا نمطا أدبيا نمطيا وبنية أيديولوجية متجذرة بعمق. فهذا التمثيل، أو التصنيف الرمزي، يحتل موقعا مركزيا في تشكيل الهوية القومية في منطقة البلقان، ولا سيما في التقاليد الملحمية الصربية منذ القرن الـ17. وبهويته السردية، يفرض هذا النموذج بنية ثنائية صارمة، إذ يجسد الخطر الأخلاقي والجسدي الأقصى على الذات القومية المتخيلة.

وغالبا ما يُصور "العربي الأسود" على أنه متوحش، شهواني، شيطاني، وذو قدرات خارقة للطبيعة، مثل امتلاكه لعدة رؤوس أو القدرة على نفث النار. في هذا السياق، يظهر كالنقيض التام للبطل القومي، كما يتجسد مثلا في شخصية ماركو كراليوفيتش في السردية الصربية.

إعلان

وتعمل هذه الصورة الشيطانية كمرآة تؤكد من خلالها فضائل البطل القومي. ولأن العربي الأسود يجرد من إنسانيته ويختزل إلى وحش أو تنين أو مخلوق جهنمي، فإن العنف ضده يقدم بوصفه تطهيرا حضاريا مشروعا.

تصور السردية الصربية "العربي الأسود" على أنه متوحش، شهواني، شيطاني، وذو قدرات خارقة للطبيعة، مثل امتلاكه لعدة رؤوس أو القدرة على نفث النار

وقد استمر هذا التمثيل حتى القرن الـ20، كما يظهر بوضوح في كتابات الشاعر والدبلوماسي الصربي يوفان دوتشيتش، حيث يقدم العالم العربي على أنه مظلم، بدائي، وعاجز عن فهم العقيدة الأرثوذكسية أو اللغة الصربية.

بيد أن المهم هنا هو أن صورة العربي الأسود لم تبق حبيسة الخيال الأدبي، بل تطورت، خصوصا خلال الحقبة العثمانية في الأراضي الصربية، لتتحول إلى ما يعرف لاحقا بـ"التركي الشيطاني" وهو تمثيل شامل بات يسقط على جميع المسلمين في البلقان، بغض النظر عن أصولهم الإثنية، باعتبارهم غرباء عن الهوية السلافية المسيحية، وخونة لنقاء عرقي ديني متخيل.

مصدر الصورة راتكو ملاديتش أدين بارتكاب جرائم حرب (رويترز)

في المقابل، تحافظ الدولة الصربية المعاصرة على علاقات سياسية واقتصادية ممتازة مع الدول العربية، وهو تناقض صارخ يكشف عن الطبيعة البراغماتية للأيديولوجيا الاستشراقية: فهي تُفعّل أو تُعلّق حسب السياق والجمهور والمصلحة.

وهذه المفارقة لا تسلط الضوء على قابلية "صورة العربي" للتشكيل والتوظيف فحسب، بل تفضح كذلك التناقض البنيوي العميق في جهاز الأيديولوجيا الذي يشيطن المسلم في الداخل، بينما يسعى إلى رأس المال العربي والشرعية السياسية في الخارج.


*

برأيكم، هل ساهمت "المعرفة" عن الآخر الشرقي في صياغة الأسطورة المؤسسة للأمة الصربية التي تدعي حماية الحضارة المسيحية من تلوث الأعداء المسلمين المذكورين؟

نعم، لقد تأسست أسطورة صربيا كحامية لأوروبا المسيحية وخاصة من خلال استدعاء معركة كوسوفو على معرفة مصطنعة ومنمطة بالآخر المسلم، صُوّر فيها على أنه كيان غازٍ بطبيعته ومفسد جوهريا.

تحولت هذه التهديدات المؤسطرة، ذات الطابع الاستشراقي، إلى "عدو خارجي" يستخدم لتبرير التماسك الداخلي للأمة الصربية. وهكذا نشأ سرد مقدس لصراع حضاري، جرى فيه إعادة تصوير المسلمين البوشناق لا كجيران، بل كورثة للعدو العثماني الإسلامي، في محاولة لمحو انتمائهم البوسني وجعلهم امتدادا لكيان خارجي ينظر إليه كتهديد دائم.


*

كيف ساهم تراجع الدولة العثمانية في البلقان بأن أصبح المسلم البوسني هو "الآخر" الجديد، باعتباره وريث "الشر العثماني" بحسب توصيف المستشرقين الصرب؟

إن الفراغ الذي خلفه انسحاب الدولة العثمانية من البلقان تطلب إيجاد هدف جديد تسقط عليه التوترات القومية والمخاوف الوجودية الصربية. وبهويتهم الإسلامية وارتباطهم التاريخي بالعثمانيين، ورث المسلمون البوشناق كامل العبء الرمزي لما أصبح ينظر إليه على أنه "وصمة عثمانية".

لم يُصوروا كمجرد متعاونين مع قوة غابرة، بل كأطياف لإمبراطورية إسلامية شريرة لا تزال تهدد الكيان القومي. وهكذا، أعيد تشكيل صورة المسلم البوشناقي بوصفه "العثماني الكامن في الداخل" بقايا الاستبداد الإمبراطوري من جهة، وخطرا معاصرا على نقاء الأمة القومية من جهة أخرى.

ورث المسلمون البوشناق كامل العبء الرمزي لما أصبح ينظر إليه على أنه "وصمة عثمانية"


*

هل تحدثنا عن التحول الذي طرأ في النصف الثاني من القرن الـ20 على الاستشراق الصربي، من حيث تحول الخطاب القومي؟

في الحقبة الاشتراكية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، تم كبح النزعات القومية العلنية مؤقتا، غير أن المنطق الاستشراقي لم يلغ، بل استمر في أشكال ثقافية أكثر خفاء وتكثفا رمزيا. ومع حلول الثمانينيات والتسعينيات، عاد الاستشراق الصربي إلى الواجهة بشراسة مضاعفة، مشحونا بإيحاءات قومية عرقية ودينية صريحة.

وتطور الخطاب من مجرد تنميط ثقافي إلى جهاز بيوسياسي متكامل. لقد تحول "الآخر" المسلم من اختلاف ثقافي إلى تهديد وجودي، ممهدا السبيل لارتكاب أعمال عنف جماعي باسم الدفاع عن الأمة القومية وتطهيرها.


*

ماذا عن المنطق الإبادي الذي رسخته كتابات المستشرقين الصرب والذي شرعن إدارة الحياة من خلال الموت؟

ابتكرت النخبة الفكرية الصربية خارطة طريق إستراتيجية صورت فيها الجميع غير الصرب كأعداء داخليين وخونة للأمة. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في "مذكرة أكاديمية العلوم والفنون الصربية" لعام 1986، التي أرست الأساس الأيديولوجي للحروب اليوغوسلافية، وانتهت بالإبادة الجماعية ضد البوشناق في بريشتينا عام 1995.

مصدر الصورة طفل يقف على شاهد قبر من ضحايا مجزرة بريشتينا (وكالة الأناضول)

في هذا السياق، نشر عدد من المستشرقين الصرب منهم ميرولوب ييفتيتش وداركو تاناسكوفيتش ونادا تودوروف سلسلة من المقالات في مجلة الجيش اليوغوسلافي، صوروا فيها المسلمين على أنهم "كائنات بلا روح"، و"ذوو طبيعة خادعة فطرية"، و"جهاديون يتربصون لغزو أوروبا"، و"إرهابيون متعطشون للدماء".

إعلان

ومن اللافت أن مثل هذه النصوص لم تنشر في مجلات هامشية أو أكاديمية، بل في وسائط عسكرية وإعلام دعائي رسمي، مما يكشف عن التماهي الكامل بين الخطاب الاستشراقي والنظام الأمني العسكري للدولة.

جرى تصوير المسلمين في مجلة الجيش اليوغوسلافي على أنهم كائنات بلا روح يتربصون لغزو أوروبا متعطشون للدماء

لقد ساهم هذا البناء الخطابي للمسلمين بوصفهم تهديدا وجوديا في تطبيع سياسات العزل والاشتباه والإقصاء، بل العنف المنظم. ولم تكن هذه السياسات تعنى بمجرد طرد المسلمين، بل كانت تقوم على إدارة الحياة من خلال الموت، وتجريد البوشناق من أي وضع قانوني أو رمزي داخل الجماعة الوطنية.

بحسب منطق المستشرقين الصرب آنذاك، لم يكن البوشناق مواطنين يمكن دمجهم، بل "آخرون" يدار وجودهم عبر أدوات الإبادة والإخفاء. ومع ذلك، فإن ما لم تتوقعه هذه المنظومة الإقصائية هو أن البوشناق، ورغم المجازر، لم يستسلموا بل بقوا ونجوا وصمدوا.


*

يمثل القرن الـ21 فترة إعادة تشكيل الخطاب الاستشراقي الجديد، ماذا عن المدرسة الاستشراقية الصربية؟

لم تختف المدرسة الاستشراقية الصربية، بل تحولت وتكيفت مع السياقات الجديدة. فهي اليوم تتزيا بلبوس أكاديمي "محترم" ظاهريا، وغالبا ما تتسلل تحت عناوين تحليل جيوسياسي، أو دراسات الهجرة، أو خطاب الأمننة.

وعلى الرغم من أنها لم تعد تعتمد الخطاب العنصري المباشر كما في السابق، فإنها لا تزال تؤطر الإسلام والهوية المسلمة كعنصر غير منسجم مع الحداثة الأوروبية، بل كمهدد لها في جوهرها.

تزدهر هذه المدرسة الجديدة في وسائل الإعلام الشعبوية، والإنتاج الثقافي الجماهيري، وبعض الأوساط الأكاديمية التي تقدم نفسها كمدافعة عن "الحضارة الأوروبية" في وجه ما تصفه بـ"الخطر الإسلامي المتزايد". وبقدر ما يبدو هذا الاستشراق المحدث ناعما ومقنعا، فإنه يحتفظ بالبنية الاستبعادية نفسها، ويعيد إنتاج الأطر الذهنية القديمة نفسها في أشكال معاصرة أكثر مراوغة وتأثيرا.


*

هل هناك تبني لخطابات المستشرقين الصرب (المتطرفين) من قبل الدولة؟ وهل تستطيع ذكر أسماء تؤكد ذلك؟

شكرا لاستخدامكم عبارة "المستشرقون الصرب المتطرفون". إن العناية باللغة والدقة في التعبير أصبحت ضرورة قصوى في زماننا هذا.

نعم، هناك تواطؤ واضح وعميق من قبل الدولة الصربية في ترسيخ الخطاب الاستشراقي وتفعيله سياسيا ومؤسساتيا. ومن الشخصيات البارزة دوبريتشا تشوشيتش (Dobrica Ćosić) وفوييسلاف شيشيلي (Vojislav Šešelj) حيث لم تقتصر أدوارهم على التنظير القومي الاستشراقي، بل قاموا بتحويله إلى برنامج عمل فعلي، تمت أسطرته في مؤسسات التعليم والإعلام وصنع القرار.

وفي محاولة لإعادة إنتاج نفوذها الخطابي، وتجنيد داعمين سياسيين جدد، وإعادة هيكلة الواقع المؤسسي بما يخدم أهدافها، أطلقت النخبة الاستشراقية الصربية آليات خطابية جديدة بلغت ذروتها في ما يعرف بـ"مذكرة الأكاديمية الصربية للعلوم والفنون" الثانية عام 2012.

هذا النص الأكاديمي الرفيع لم يكن سوى تكريس لسياسة ما بعد الإبادة، حيث تضمن إنكارا صريحا للإبادة الجماعية، وعكسا متعمدا لدوري الضحية والجلاد، وإعادة كتابة للتاريخ، واستعمالا مراوغا للإحصاءات والأدوات الخطابية بهدف محو هوية البوشناق، وطمس ذاكرتهم الجمعية، وتجريدهم من شرعية وجودهم التاريخي والسياسي.

والأخطر من ذلك أن هذه العقيدة الاستشراقية تحولت من مجرد خطاب أيديولوجي إلى حزمة من السياسات التنفيذية تمارس على مستوى الدولة. مما أتاح له أن يتحول من تشكيل خطابي رمزي إلى آلية سلطة مهيكلة ومعاشة لها آثار ملموسة على الإدراك العام وصياغة السياسات والخبرة اليومية للمواطنين.

العقيدة الاستشراقية تحولت من مجرد خطاب أيديولوجي إلى حزمة من السياسات التنفيذية تمارس على مستوى الدولة

والمؤسف أن الأسماء والأمثلة تكاد تكون بلا نهاية منها: رئيس صربيا ألكسندر فوتشيتش (Aleksandar Vučić) ينكر بلا كلل الإبادة الجماعية في بريشتينا، ويستخدم كامل ثقل الدولة وأذرعها الإعلامية لمقاومة أي اعتراف دولي بها.

مصدر الصورة صورة من الموقع الرسمي لرئاسة جمهورية صربيا للرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (الرئاسة الصربية)

ومن أبرز رموزه السياسية، تسمية أحد الشوارع الرئيسية في بلغراد باسم مجرم الحرب المدان راتكو ملاديتش، فضلا عن خطابه الشهير في البرلمان الصربي، حيث قال: "من أجل كل صربي يقتل، سنقتل 100 مسلم" وهو تعبير لا يقل في خطورته عن إعلان فاشي جديد.

أما رئيس كيان "جمهورية صربسكا" ميلوراد دوديك (Milorad Dodik)، الكيان الذي منحت له الشرعية الدولية رغم كونه نتاجا مباشرا للإبادة يظهر أسبوعيا على الشاشات الرسمية، واصفا البوشناق بأنهم "مرتدون خونة"، و"شعب مستعبد بطبيعته"، و"كائنات ناقصة"، بل "خلل جيني". لا يمكن إنكار أنه تبنى أشهر الصور النمطية الاستشراقية المستخدمة تاريخيا لتجريد المسلمين من إنسانيتهم، ويعيد إنتاجها بمنهجية عبر ظهوره العلني المتكرر.

إعلان

المطران أمفيلوحيي (Amfilohije)، أحد أبرز رجال الدين في الكنيسة الأرثوذكسية الصربية، وصف المسلمين خلال مناسبة دينية بأنهم "شعب زائف بدين زائف"، واعتبر تعاليمهم نوعا من "الموت الروحي"، بل وصف الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضدهم بأنها "أعظم انتصار" في تاريخ صربيا الحديث.

وقبل فترة، أدلت آنا برنابيتش (Ana Brnabić)، رئيسة الجمعية الوطنية الصربية ورئيسة الوزراء السابقة، بتصريح مهين بحق متظاهرين في نوفي بازار قائلة: "ثم سمعنا هتاف الله أكبر وأشياء مقززة أخرى"!


*

برأيكم، هل يشكل الاستشراق الصربي تهديدا وجوديا للمجتمع البوسني؟

بالفعل، يشكل ذلك تهديدا حقيقيا. إذ إن تصوير البوشناق على أنهم كائنات دخيلة بطبيعتها، ومنقوصة الشرعية، وخائنة للهوية القومية، يجعل من الاستشراق الصربي أداة فعالة في تقويض مشروعية البوسنة ككيان متعدد الأعراق.

وهو يذكي الانقسامات الإثنية والسياسية، ويضفي المشروعية على الطموحات الانفصالية، ويطبع العنف باعتباره وسيلة "مبررة" للحفاظ على نقاء الجماعة القومية.


*

هل توافق على أن النموذج الصربي للاستشراق، المطبق في البوسنة قد يتحول إلى قالب يستخدم ضد مجتمعات مضطهدة أخرى حول العالم؟

نعم، وبدون أدنى شك، يمثل النموذج الصربي حالة دراسية مقلقة وفعالة على نحو مخيف، تظهر كيف يمكن للخطاب الاستشراقي، إذا ما تم تأميمه وعسكرته ودمجه بالنزعات العرقية الدينية المتطرفة، أن يمهد الطريق للعنف الجماعي والمحو البنيوي والإبادة الجماعية في نهاية المطاف.

لقد نجح هذا النموذج في تجريد فئة سكانية كاملة من إنسانيتها ضمن السياق الأوروبي، تحت غطاء "الدفاع عن الحضارة"، ليصبح بعد ذلك خزانا أيديولوجيا يستلهم منه في أجندات اليمين المتطرف حول العالم.

فلا عجب أن أفرادا مثل أندرس بيرينغ بريفيك في النرويج وبرينتون تارانت في نيوزيلندا مرتكبي اثنتين من أبشع الهجمات الإرهابية في الغرب في السنوات الأخيرة قد أشارا بوضوح في بيانَيهِما إلى التاريخ البلقاني والشخصيات القومية الصربية.

وقد مجد هؤلاء الإرهابيون المعاصرون مجرمي الحرب مثل رادوفان كارادجيتش وراتكو ملاديتش، باعتبارهم "حماة أوروبا من الإسلام"، مما يدل على أن رأس المال الرمزي للاستشراق الصربي قد أعيد تصديره وتوظيفه في خدمة مشاريع نيونازية وفاشية جديدة على المستوى العالمي.

مصدر الصورة رادوفان كاراجيتش الملقب بـ"سفاح البوسنة" عاقبته المحكمة الجنائية الدولية بالسجن المؤبد (الجزيرة)

وتصبح تداعيات هذه الظاهرة أكثر خطورة في عصر الترابط الرقمي المفرط، حيث تحولت الفضاءات الإلكترونية إلى ساحات عابرة للحدود لتداول الكراهية والأساطير والأيديولوجيات الإقصائية. فالمتخيل الاستشراقي الذي نشأ في سياق محلي محدود تحول اليوم إلى نموذج كوني للسياسات الهوياتية الإلغائية.

وعلاوة على ذلك، تظهر الإبادة الجماعية الجارية في غزة وسائر الجرائم بحق الشعب الفلسطيني المدى البعيد، بل الكارثي، الذي يمكن أن تبلغه الأنماط الخطابية الاستشراقية حين تتجسد في ثوب العقيدة الصهيونية.

المعرفة الزائفة، والاستثنائية المخلصة، وتجريد "الآخر" من إنسانيته بناء على أساس عرقي، كلها مكونات للخطاب نفسه الذي سبق ورصدناه في الاستشراق الصربي، وهي اليوم تستخدم لتبرير تدمير شامل وإبادة ممنهجة أمام أعين المجتمع الدولي العاجز.

على مدى قرن تقريبا، نشهد في فلسطين سلسلة لا تنقطع من الفظائع والانتهاكات، في مشهد وحشي يهدد بإطفاء آخر بصيص للضمير الإنساني، وربما الأمل ذاته.

وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت كان قد وصف الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية" (رويترز)

وفي هذا السياق، فإن إعادة النظر في تطور وتشفير الخطاب الاستشراقي العدواني في الحالة الصربية لم تعد شأنا أكاديميا محليا، بل ضرورة أخلاقية عالمية. إذ يقدم هذا النموذج دروسا مصيرية حول كيف يمكن أن تتحول سرديات "الآخر"، حين يتم تطبيعها وتجميلها، إلى منظومات إبادة فعلية.

وهذا ينطبق، بالقدر نفسه، على ما يراد له أن يلصق بمن يعيشون خارج "الحديقة" الأوروبية على حد استعارة جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية السابق، الذي وصف أوروبا بـ"الحديقة"، وبقية العالم بـ"الغابة"، في استعارة تنضح باستشراق متأخر يعيد إنتاج تراتبيات عنصرية باسم التقدم والتحضر.


*

هل ما زالت آثار هذا الخطاب الاستشراقي قائمة اليوم؟

بدون أدنى شك. وكما يتضح من وفرة الأمثلة التي ذكرتها، فإن بقايا هذا الخطاب لا تزال تؤثر في الخطاب السياسي والمناهج التعليمية والمواقف الاجتماعية العامة.

كما تمتد آثاره إلى مواقف السياسة الدولية، بما في ذلك التردد في التعامل الجاد مع جرائم الحرب، أو في دعم وحدة وسيادة دولة البوسنة والهرسك. لقد أصبح هذا الخطاب أكثر ترميزا، وتوغل في البنى المؤسسية والثقافية بشكل يصعب تفكيكه.

لكن لا ينبغي أن نغفل حقيقة جوهرية: هذا ليس ظاهرة إقليمية بحتة، ولا حكرا على فضاء البلقان، بل هو جزء من نمط عالمي ومنظومة متشابكة من المنطقيات السياسية العابرة للحدود.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار