في خضم الخلافات، يلجأ بعض الأشخاص إلى الصمت في بداية الشجار، وهو سلوك قد يُفهم سريعاً على أنه انسحاب أو ضعف أو تجاهل للطرف الآخر . إلا أن علماء النفس يرون أن هذا الصمت قد يكون قراراً واعياً يهدف إلى منع تصاعد التوتر وإتاحة الفرصة للتفكير قبل الرد.
وتوضح عالمة النفس أولغا ألبالاديخو أن الصمت قد يساعد الإنسان على تنظيم انفعالاته واختيار كلماته بعناية أكبر، وفق ما نقلته صحيفة "إل كوميرسيو" (El Comercio).
وظيفة جوهرية للوزة الدماغية
توضح ألبالاديخو وفقا لما نقلته "إل كوميرسو" أنه في المواقف المشحونة عاطفياً ، يدخل الدماغ سريعاً في ما يشبه "وضع الدفاع"، وهو ما يدفع الإنسان إلى التصرف بصورة اندفاعية أكثر من المعتاد، ويجعل التفكير الهادئ أكثر صعوبة.
وتشرح أن اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي بنية في الدماغ مسؤولة عن رصد الأخطار، تنشط بسرعة عندما يشعر الإنسان بوجود تهديد.
وقد أطلق عالم النفس دانيال غولمان على هذه الحالة مصطلح "اختطاف اللوزة الدماغية" (Amygdala Hijack)، ويصف به ردود الفعل العاطفية المفاجئة التي يصعب التحكم بها، حيث تتولى اللوزة الدماغية زمام الاستجابة، ما قد يدفع الشخص إلى التصرف بطريقة غير عقلانية.
وتقول ألبالاديخو: "عندما نكون في حالة انفعال شديد، فإن الاستمرار في الحديث لا يكون مفيداً دائماً، بل قد يزيد من حدة الجدال، لأن الكلمات تصدر من موقف دفاعي وليس من تفكير متزن."
يميز علم النفس بوضوح بين الصمت الصحي والصمت المؤذي للعلاقات.
فالصمت يكون صحياً عندما يختار الشخص التوقف مؤقتاً عن الحديث بهدف تهدئة نفسه واستعادة توازنه، ثم العودة لاحقاً لاستكمال الحوار في ظروف نفسية أفضل.
وتؤكد ألبالاديخو أن من المهم طمأنة الطرف الآخر خلال هذه الفترة، مضيفة: "رسالة بسيطة مثل: أحتاج إلى بضع دقائق لأجمع أفكاري تمنح الطرف الآخر شعوراً بالأمان وتوضح أنك لا تتهرب من الموقف."
وترى أن استخدام الصمت بهذه الطريقة يمنح الإنسان فرصة للتعامل مع فرط الإثارة العاطفية، واستعادة الوضوح الذهني قبل مواصلة النقاش، وهو ما يزيد فرص الوصول إلى تواصل هادئ وحلٍّ بنّاء للخلاف.
لكن الصورة تختلف عندما يتحول الصمت إلى أسلوب دائم لتجنب التقارب العاطفي أو لمعاقبة الطرف الآخر. ففي هذه الحالة، قد يؤدي إلى الإحباط، واتساع المسافة العاطفية، وزيادة الشعور بعدم الأمان داخل العلاقة.
وتحذر ألبالاديخو من أن الصمت المزمن قد يرفع مستويات التوتر، ويغذي القلق، ويؤثر سلباً وبشكل كبير في جودة العلاقات مع مرور الوقت.
ولا يقتصر خفض التصعيد على الصمت وحده، إذ تشير ستيفاني هوبر، وهي وسيطة متخصصة في النزاعات التجارية، في مقال نشرته عبر FOCUS Online، إلى أن التحدث بصوت أكثر هدوءاً أثناء الجدال قد يساهم في تهدئة الأجواء.
وتوضح هوبر أن ما يحدث غالباً في النزاعات هو العكس تماماً؛ فحين يرفع أحد الطرفين صوته، يميل الطرف الآخر إلى رفع صوته أيضاً، لتنتقل العدوى سريعاً من خلال النبرة العدائية والانفعال المتبادل.
وترى أن مقاومة هذا النمط والتحدث بهدوء وبصوت منخفض يساعدان على إبطاء وتيرة النقاش، كما يدفعان الطرف الآخر إلى الإنصات بصورة أكبر، وهو ما قد يشكل نقطة تحول في إدارة الخلاف.
وتشير هوبر أيضاً إلى أن ارتفاع الصوت لا يعكس بالضرورة الثقة بالنفس أو السيطرة، بل قد يكون مؤشراً على الشعور بعدم الأمان أو العدوانية أو الرغبة في فرض القوة. لذلك، فإن الحفاظ على الهدوء وعدم الانجرار وراء التصعيد يمثلان، بحسب رأيها، وسيلة فعالة لمقاومة الضغط العاطفي وتهدئة الموقف من خلال سلوك متزن يحد من تفاقم النزاع.
المصدر:
DW