آخر الأخبار

عقارات تلاحقها "وصمة الموت".. لماذا يرفض اليابانيون شراءها؟

شارك
تأتي ظاهرة العقارات الموصومة في وقت تواجه فيه اليابان ارتفاعا كبيرا في عدد المنازل الخالية، خصوصا في المناطق الريفية التي تشهد تراجعا سريعا في أعداد السكان.صورة من: Artur Widak/NurPhoto/picture alliance

في إحدى الضواحي الجنوبية لمدينة يوكوهاما، يقف منزل من طابقين تبدو عليه بوضوح آثار الإهمال. الستائر المعدنية مغلقة باستمرار على نوافذ الطابق الأرضي، والأغطية الورقية التقليدية لنوافذ الطابق العلوي ممزقة، بينما اجتاحت الأعشاب الحديقة المحيطة به.

ومع بعض أعمال الصيانة والترميم، يمكن أن يتحول المنزل مجددا إلى مكان مناسب للسكن. لكن المشكلة لا تكمن في حالته المعمارية، بل في تاريخه الذي يجعل معظم اليابانيين يرفضون الاقتراب منه.

فالعقار مصنف في اليابان ضمن ما يعرف باسم «جيكو بوكّن»، أي «العقار الموصوم»، وقد ظل خاليا منذ خمس سنوات على الأقل.

ويُستخدم هذا الوصف عادة للمنازل التي شهدت واقعة مأساوية، مثل انتحار أحد السكان أو اندلاع حريق أدى إلى وفاة شخص، أو العثور على مسن متوفى بعد فترة طويلة من وفاته، فيما يعرف في اليابان باسم «الموت وحيدا». كما تُدرج المنازل التي شهدت جرائم قتل ضمن الفئة نفسها.

الموت مصدر لسوء الحظ

يرى كازوتوشي كوداما، رئيس شركة "كاتشيمودي" المتخصصة في هذا النوع من العقارات، أن المنازل الموصومة تمثل عبئا ماليا كبيرا على أصحابها، لكنها تشكل في الوقت نفسه فرصة تجارية بالنسبة لشركته.

وتأسست "كاتشيمودي" في ديسمبر/كانون الأول 2022، بهدف مساعدة أصحاب العقارات التي شهدت حوادث أو وفيات على إدارتها وإعادة طرحها للإيجار.

ومن بين الخدمات التي تقدمها الشركة إجراء ما تسميه "تحقيقات الأشباح"، وهي خدمة يقول كوداما إن الطلب عليها يشهد ارتفاعا متزايدا، رغم أن فكرتها قد تبدو غريبة خارج اليابان.

وقال كوداما في مقابلة مع DW إن بعض اليابانيين ينظرون إلى الموت باعتباره نوعا من "النجاسة".

وأوضح أن الموت يرتبط في أذهان كثيرين بالتلوث الروحي وسوء الحظ، ما يجعلهم يعتقدون أن الاقتراب من مكان توفي فيه شخص قد يجلب لهم المصائب.

وبحسب كوداما، فإن هذه المعتقدات تدفع عددا كبيرا من اليابانيين إلى تجنب هذه المنازل تماما، فلا يفكرون في شرائها أو استئجارها، بل قد يرفضون حتى زيارتها.

يقبل بعض المستأجرين في النهاية بالسكن في العقار بعد أن تقوم شركة «كاتشيمودي» بما تسميه عملية "التطهير" التي لا تقتصر على تغيير السجاد وورق الجدران والتجهيزات الداخلية.صورة من: Karen Haibara/AFP

قواعد تكشف تاريخ المنزل

لا تقتصر صعوبة بيع هذه العقارات أو تأجيرها على المعتقدات الشعبية، إذ تلزم القواعد المعمول بها في اليابان الوسطاء العقاريين بإبلاغ المهتمين بتاريخ العقار والوقائع التي حدثت داخله.

كما يوجد موقع إلكتروني يرصد مواقع العقارات الموصومة في أنحاء اليابان، ويوضح الأسباب التي أدت إلى إدراجها على القائمة.

وتشير غالبية الإعلانات إلى وقوع حرائق عرضية أو حالات انتحار أو وفاة أشخاص في عزلة، لكن بعض الإعلانات تكتفي بعبارة أكثر غموضا: "يرجى الحصول على التفاصيل من الوسيط العقاري".

وتؤثر هذه السمعة بشكل مباشر على قيمة العقار . ففي المدن الكبرى التي تشهد طلبا مرتفعا على الإيجارات، يضطر المالك عادة إلى خفض قيمة الإيجار بنحو 30 في المئة، بحسب كوداما.

لكن خفض السعر لا يكون كافيا دائما. ويقول كوداما إن هناك منازل تظل معروضة للإيجار لأكثر من 500 يوم من دون العثور على مستأجر، بينما بقي أحد العقارات التي يعرفها خاليا لأكثر من ألف يوم.

وأضاف أن الحديث عن تخفيض السعر يفقد معناه في بعض الحالات، لأن هذه المنازل تتحول ببساطة إلى عقارات مهجورة لا يرغب أحد في السكن فيها مهما انخفض الإيجار.

ليلة في منزل شهد وفاة

يقبل بعض المستأجرين في النهاية بالسكن في العقار بعد أن تقوم شركة "كاتشيمودي" بما تسميه عملية "التطهير"، والتي لا تقتصر على تغيير السجاد وورق الجدران والتجهيزات الداخلية.

ويشرح كوداما أن موظفي شركته يمضون ليلة كاملة داخل الغرف التي وقعت فيها الوفاة، من الساعة العاشرة مساء وحتى السادسة من صباح اليوم التالي.

وخلال هذه الساعات، يسجل الفريق مقاطع فيديو وأصواتا، ويقيس الموجات الكهرومغناطيسية ودرجة حرارة الغرف والرطوبة والضغط الجوي، إلى جانب استخدام التصوير الحراري وأجهزة لرصد الضوضاء.

ولا تتعامل الشركة مع الأمر بوصفه مجرد طقس رمزي، بل تصدر تقريرا شاملا يمكن لمالك المنزل أو الوسيط العقاري استخدامه لإقناع المستأجرين بعدم وجود ما يثير الخوف داخل العقار.

وتبلغ تكلفة قضاء ليلة للتحقيق في المنزل 88 ألف ين، أي نحو 474 يورو أو 542 دولارا.

وتتعاون الشركة كذلك مع أستاذ جامعي متخصص في مراقبة ودراسة الظواهر الخارقة للطبيعة، وهي خدمة يقول كوداما إنها فريدة من نوعها في اليابان.

هل عثرت الشركة على أشباح؟

يقول كوداما إن الأجهزة سجلت في بعض المناسبات أمورا غير معتادة، من بينها توقف كاميرات الفيديو فجأة عن التصوير أو تعطل أجهزة التسجيل الصوتي.

لكنه يؤكد أن الغالبية العظمى من الوقائع التي فُسرت في البداية على أنها دليل على وجود "نجاسة" أو ظاهرة غامضة لم تتكرر أثناء التحقيق، ولذلك جرى التعامل معها بوصفها حوادث عابرة.

ملايين المنازل الخالية

تأتي ظاهرة العقارات الموصومة في وقت تواجه فيه اليابان ارتفاعا كبيرا في عدد المنازل الخالية ، خصوصا في المناطق الريفية التي تشهد تراجعا سريعا في أعداد السكان .

ويقول جوي ستوكرمان، أحد مؤسسي منصة "أكيا مارت" التي تروج لبيع العقارات المهجورة في مختلف أنحاء اليابان، إن المنازل الخالية لا تقتصر على القرى والمناطق النائية، بل يمكن العثور عليها أيضا في مراكز المدن.

وأوضح في مقابلة مع DW أن أسباب ترك هذه العقارات متعددة، فقد تختلف العائلات بشأن كيفية التصرف في منزل موروث، أو تعتقد أن عملية بيعه لا تستحق الجهد والتكاليف. لكن عددا كبيرا منها يظل خاليا بسبب ارتباطه بحادثة وفاة.

ووفقا لمسح حكومي نُشر في أواخر عام 2024، بلغ عدد المنازل الخالية في اليابان نحو تسعة ملايين منزل، بما يعادل 13.8 في المئة من إجمالي الوحدات السكنية في البلاد.

ولا تتوقف الحساسية عند حدود المنزل نفسه، إذ يتجنب بعض المشترين أيضا العقارات القريبة من المقابر بسبب المشاعر والمعتقدات المرتبطة بالموت.

ومع إدراكها لحساسية المشترين اليابانيين تجاه هذه العقارات، أطلقت منصة "أكيا مارت" مؤخرا خدمة إضافية، تتمثل في الاستعانة بكاهن من ديانة الشنتو من أحد المعابد القريبة.

ويزور الكاهن المنزل لإقامة طقوس دينية يُعتقد أنها تساعد على تطهير المكان من الأرواح الشريرة وإزالة آثار الماضي. ويصف ستوكرمان الفكرة بأنها "غريبة بعض الشيء"، لكنه يؤكد أنها أثارت اهتمام عدد من العملاء.

أعده للعربية: علاء جمعة

تحرير: محمد فرحان

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار