لطالما كان القول المأثور "الرؤية هي التصديق" أحد الأعمدة التي قام عليها الإدراك البشري والمنظومة القانونية والاجتماعية، لكننا اليوم نعيش لحظة فارقة في التاريخ البشري، حيث بدأت الحواس تخذلنا.
فبفضل الثورة المتسارعة في خوارزميات الذكاء الاصطناعي، انتقلنا من مرحلة التلاعب البسيط بالصور من خلال الفوتوشوب إلى عصر التزييف العميق، حيث تصبح الوجوه المولدة رقميا ليس فقط مقلدة للحقيقية، ولكن أحيانا تضاهيها واقعية.
تعتمد الوجوه المزيفة الحديثة على تقنية تعرف باسم شبكات الخصومة التوليدية (Generative Adversarial Networks – GANs)، وفكرة هذه الشبكات تقوم على وجود خوارزميتين تعملان في صراع مستمر، المولد الذي يحاول إنشاء وجه بشري، والمميز الذي يحاول كشف الزيف. ومن خلال هذا الصراع المكرر ملايين المرات، يصل المولد إلى قدرة مذهلة على محاكاة أدق التفاصيل البشرية.
كما لا تكتفي هذه الأنظمة بنقل الملامح، بل تحاكي ما يسمى القياسات الحيوية اللينة، مثل حركة الأوعية الدموية تحت الجلد التي تعطي البشرة نضارتها الطبيعية، وانعكاس الضوء على قرنية العين. وهذا المستوى من الدقة جعل التمييز بالعين المجردة أمرا شبه مستحيل.
تشير الدراسات الحديثة، ومنها دراسة بارزة نشرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم "بي إن إيه إس" (PNAS)، إلى أن البشر الآن يجدون الوجوه المولدة بالذكاء الاصطناعي أكثر جدارة بالثقة من الوجوه البشرية الحقيقية. ويعود ذلك لعدة أسباب:
إن قدرة الآلة على خلق وجوه لا وجود لها، أو استبدال وجه شخص بآخر في مقطع فيديو، تفتح الباب أمام تحديات مرعبة:
١- تآكل الدليل الجنائي والسياسي
في عالم يعتمد على الفيديو دليلا قاطعا، يصبح التزييف العميق سلاحا لتدمير السمعة أو تزوير الاعترافات، فالقادة السياسيون قد يظهرون في مقاطع يحرضون فيها على العنف، وبينما يستغرق التحقق التقني ساعات أو أياما، يكون التأثير الاجتماعي قد حدث بالفعل.
٢- الهندسة الاجتماعية والاحتيال
لم يعد المحتالون بحاجة لسرقة هويتك فقط، بل يمكنهم ارتدائها، فالمكالمات المرئية المزيفة أصبحت أداة لاختراق الشركات والحصول على تحويلات مالية ضخمة عبر انتحال شخصية المدير التنفيذي بصوته وصورته.
لمواجهة هذا المد، بدأ العالم يتجه نحو الطب الشرعي الرقمي، حيث تبتكر شركات مثل مايكروسوفت وأدوبي تقنيات "الأصل الرقمي" (Digital Provenance)، وهي عبارة عن وسم مشفر يلتصق بالصورة أو الفيديو منذ لحظة التقاطه بالكاميرا لضمان عدم التلاعب به.
ومع ذلك، تظل المعركة بين المزور والكاشف سباق تسلح تكنولوجي لا ينتهي. فكلما تطورت أدوات الكشف، تعلمت خوارزميات التزييف كيف تتجاوزها.
وبما أننا نعيش عصر الشك المنهجي، فيمكنك استخدام التوجيهات أدناه للتحقق الرقمي عند مشاهدة فيديو مشكوك فيه:
كما يمكنك مواجهة هذا المد، من خلال أدوات ظهرت لهذا الأمر وتعتمد على الطب الشرعي الرقمي مثل:
ويقول المراقبون إن عصر "رأيت بعيني" قد انتهى فعليا، والعالم انتقل إلى عصر الشك المنهجي، حيث تصبح مهارة التفكير النقدي والبحث عن المصدر أهم من حاسة البصر نفسها. فالحقيقة لم تعد ترى، بل تستنتج.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة