في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جاء خروج المنتخب البرازيلي من نهائيات كأس العالم على يد نظيره النرويجي بنتيجة 1-2، ليشكل صدمة تاريخية ومفاجأة من العيار الثقيل، جسدت أسرع إقصاء لـ"السيليساو" في تاريخ مشاركاته المونديالية منذ نسخة عام 1990. وفي المقابل، نجح "الفايكنغ" في مواصلة مسيرتهم التاريخية والعبور إلى الدور ربع النهائي، في مباراة سارت مجرياتها على عكس التوقعات، بعد أن تخلى كلا الطرفين عن هويته وأسلوبه المعتاد في المباريات السابقة.
وتشير القراءة الفنية للمواجهة إلى أن القرارات التكتيكية للمنتخب البرازيلي هي التي صاغت السيناريو العام للمباراة؛ حيث لم يكن للمنتخب النرويجي أن يستأثر بنسبة الاستحواذ هذه لولا الرفض القاطع من جانب لاعبي البرازيل للاحتفاظ بالكرة، وهو ما يجعل تفكيك أداء "السيليساو" المدخل الأساسي لفهم خط سير اللقاء.
وعلى الجانب المقابل، يُحسب للمدرب النرويجي ستال سولباكن مرونته العالية في التعامل مع الموقف "المعقد والمربك" الذي فرضه الإيطالي كارلو أنشيلوتي، ليعبر بالمباراة إلى بر الأمان ويخرج منها منتصراً.
فاجأ كارلو أنشيلوتي المتابعين بمنح الاستحواذ بالكامل للمنتخب النرويجي، انطلاقاً من قراءة فنية مفادها أن المنافس لا يجيد بناء اللعب من الخلف والدفاع على الخطوط الأمامية، بل تكمن خطورته الأساسية في الكرات الثابتة والتحولات الهجومية السريعة. وتدعم الأرقام هذه الرؤية، إذ دخل المنتخب النرويجي اللقاء بمعدل استحواذ بلغ 50% تماما في مبارياته السابقة.
اعتمدت إستراتيجية البرازيل على التراجع والانتظار حتى يرتكب لاعبو النرويج أخطاء في التمرير، ومن ثم معاقبتهم بالمرتدات السريعة. وبالفعل، تحقق هذا السيناريو بدقة، إلا أن المهاجمين البرازيليين عجزوا تماما عن ترجمة الفرص إلى أهداف.
وكان بمقدور النرويج رفض الهيمنة على الكرة وإعادة ارتكاب نفس التكتيك، مما كان سيحول اللقاء إلى حالة من "تبادل الأدوار السلبية" رغبة من كل طرف في دفع الآخر للتحكم بالمباراة. لكن النرويج قبلت التحدي واندفعت هجومياً رغم أن هذا الأسلوب لا يمثل نقطة قوتها.
هذا الوضع فرض على النرويج الاعتماد على سلسلة تمريرات أطول مما اعتادت عليه، وهو ما أسفر عن أخطاء غير مجبرة شكّلت خطورة بالغة على مرماهم، غير أن الثلاثي برونو غيماريش، وفينيسيوس جونيور، وإندريك تفرغوا لإهدار تلك الفرص المحققة. وبناء على معطيات الشوط الأول، فإن إستراتيجية أنشيلوتي كانت منطقية وناجحة في شقها التكتيكي، لولا غياب النجاعة الهجومية.
تكمن نقطة التحول الأساسية في المباراة في التبديلات التي أجراها أنشيلوتي خلال الشوط الثاني، والتي جاءت بنتائج عكسية تماما؛ ففي خطة بُنيت في الأصل على التراجع والدفاع، أنهى أنشيلوتي المباراة بوضع ثنائي الهجوم إندريك وفينيسيوس جونيور في مراكز الأجنحة الدفاعية، وهي أدوار لا تتناسب مع قدراتهما، فضلا عن كونها مثلت تراجعا حادا في الكفاءة الدفاعية مقارنة بالثنائي المغادر، ريان وغابرييل مارتينيلي.
هذا الخلل الهيكلي منح الجناح النرويجي أندرياس شيلديروب مساحات واسعة، حيث تخطى إندريك بسهولة على الرواق قبل أن يصنع الهدف الأول لزميله إيرلينغ هالاند. وتزامن ذلك مع هفوتين متتاليتين في التمركز من الحارس البديل إيدرسون فور نزوله؛ تمثلت الأولى في خروجه الخاطئ من موقعه مما سمح لقلب الدفاع النرويجي توريبيورن هيغيم بالتقدم بالكرة عبر الجبهة اليسرى، بينما تمثلت الهفوة الثانية في قراره بعدم التراجع للتغطية وخلق موقف دفاعي يتفوق فيه البرازيل عدديا (ثلاثة ضد اثنين) في مواجهة شيلديروب وديفيد مولر وولف.
ومع تجاوز شيلديروب لإندريك، تحول الموقف إلى مواجهة (اثنين ضد واحد)؛ حيث استغل جناح بنفيكا الانطلاقة السريعة للمدافع وولف كعنصر تشتيت للدفاع البرازيلي، في وقت عزل فيه القائد دانيلو بين مهاجمين، ليرسل شيلديروب عرضية دقيقة ارتقى لها هالاند محولاً إياها برأسه داخل الشباك.
وفي الشق الهجومي، لم يكن حضور نيمار ضاراً بشكل مباشر بالمنتخب البرازيلي، ورغم أنه بدا بوضوح غير جاهز بدنياً ومفتقداً للياقته المعهودة -وهو أمر مألوف لمتابعي الدوري البرازيلي- فإنه تمكن من تسجيل هدف تقليص الفارق وحفظ ماء الوجه من ركلة جزاء. غير أن إقحامه تسبب في خروج مارتينيلي ونقل إندريك (مهاجم ليون) إلى الجناح الأيمن، مع العلم أن إندريك كان قد أهدر قبلها أخطر فرص اللقاء من لعب مفتوح، لكنه أظهر خطورة واضحة وتحركاً مميزاً في الدقائق القليلة التي شغل فيها مركز المهاجم الصريح.
وعلى النقيض تماما، اتسمت تبديلات المدرب النرويجي ستال سولباكن بالفاعلية القصوى؛ حيث صنع البديل شيلديروب هدفي هالاند، في حين أضاف بديله الآخر أوسكار بوب عمقاً مهارياً وسرعة إضافية من الجبهة اليمنى، ليعكس ذلك نجاح المدرب البالغ من العمر 58 عاماً في مجاراة واقع فرض الاستحواذ عليه وتطويع أدواته لخدمة هذا الأسلوب.
وتعزز البيانات الرقمية والمخططات التكتيكية للمباراة ما جرى توثيقه على أرض الملعب من تفوق نرويجي وعجز برازيلي؛ وتظهر إحصائيات المباراة عمق الأزمة الهجومية وغياب النجاعة لدى "السيليساو"، حيث سدد لاعبوه 14 تسديدة، جاءت 4 منها فقط بين القائمين والعارضة، وصنعوا 5 فرص كبرى سانحة للتسجيل، ليصل معدل الأهداف المتوقعة إلى 2.7، وهو مؤشر رقمي يثبت دقة إستراتيجية أنشيلوتي في الوصول إلى المرمى النرويجي، ويؤكد في الوقت ذاته تفريط المهاجمين بانتصار كان في المتناول.
حُسمت المباراة عملياً بتفوق النرويج بهدفين نظيفين وقع عليهما إيرلينغ هالاند. وقبل إطلاق صافرة البداية، ركزت الجماهير الإنجليزية على المواجهة الثنائية الخاصة بين هالاند والمدافع غابرييل ماغالهايس، امتداداً للصراع التقليدي بينهما في الدوري الإنجليزي الممتاز بقميصي مانشستر سيتي وأرسنال، وجاءت هذه المواجهة لتلبي التوقعات.
فقد نجح المهاجم النرويجي في الفوز بالارتقاء الهوائي المباشر أمام مدافع السامبا ليسجل الهدف الأول الذي غيّر مجرى المباراة. ولم يكن هذا التفوق وحيداً، إذ نجح هالاند في الشوط الأول من الانفلات من رقابة ماغالهايس وهيأ كرة لزميله قائد المنتخب مارتن أوديغارد، غير أن تسديدة الأخير تصدى لها الحارس أليسون ببراعة.
وظهر التفوق النوعي لهالاند في صراعه الثنائي مع ماغالهايس؛ فبالرغم من أن المدافع البرازيلي تفوق في النسبة الإجمالية للالتحامات الأرضية والبدنية بواقع 57% مقابل 40% لهالاند، فإن الأخير فرض هيمنة مطلقة في الكرات العالية بنسبة نجاح بلغت 100%، مستخلصاً 4 كرات هوائية.
في الوقت الذي قاد فيه هالاند خط الهجوم بكفاءة، تكفل الحارس المخضرم أوريان نيلاند بتأمين الخطوط الخلفية وإحباط المحاولات البرازيلية؛ حيث تشير الإحصائيات إلى نجاحه في منع (0.76) هدف محقق، وهي نسبة ممتازة لحارس مرمى لم يخرج بشباك نظيفة.
وتميز حارس أستون فيلا السابق بتصديه لركلة جزاء سددها برونو غيماريش، في حين لم يتمكن من منع ركلة جزاء نيمار. كما ذاد عن مرماه ببسالة أمام تسديدة خطيرة من فينيسيوس جونيور في الشوط الأول. وبهذا الأداء، فرض نيلاند نفسه كعقبة جديدة أمام طموحات البرازيليين، لينضم في ذاكرتهم المندرج تحت بند الخصوم الأشداء إلى الكرواتي دومينيك ليفاكوفيتش في مونديال 2022، والبلجيكي تيبو كورتوا في نسخة 2018.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة