مع اقتراب انطلاق كأس العالم لكرة القدم 2026 في أمريكا الشمالية، تتصاعد تحذيرات خبراء الصحة العامة من تحديات صحية معقدة قد يفرضها الحدث الرياضي الأكبر في العالم، سواء من حيث إدارة المخاطر التقليدية أو مواجهة احتمالات تفشي أمراض جديدة أو عودة أمراض معروفة.
وتشير الدكتورة ريبيكا كاتز، المديرة في مركز علوم وأمن الصحة العالمية بجامعة جورجتاون، إلى أن أي تجمع جماهيري ضخم بهذا الحجم يحمل بطبيعته مخاطر صحية متعددة، مؤكدة أن خبراء الصحة يضعون دائماً في الحسبان احتمال ظهور تهديدات غير متوقعة خلال مثل هذه الفعاليات. لكنها لفتت إلى أن نسخة 2026 ستكون اختباراً استثنائياً للأنظمة الصحية، نظراً لحجمها غير المسبوق وتوزع مبارياتها على ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وتدور النسخة الحالية من كأس العالم في الوقت الذي يشهد فيه العالم استمرار ظهور وتفشّي عدد من الفيروسات والأمراض المعدية التي أثارت قلقاً صحياً دولياً خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها فيروس إيبولا الذي عاد للظهور في بعض مناطق إفريقيا، ولا سيما في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا، ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى إعلان حالة طوارئ صحية تثير اهتماماً دولياً.
كما تتزامن البطولة مع استمرار المخاوف من فيروسات تنفسية موسمية وطفراتها المتكررة، إلى جانب تسجيل موجات متزايدة من حالات الحصبة في عدد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهي الدول المستضيفة للحدث.
ولا يقتصر القلق الصحي على ذلك، إذ يراقب خبراء الصحة أيضاً فيروسات نادرة أخرى مثل "هانتا" التي تظهر بين الحين والآخر في مناطق متفرقة، فضلاً عن أمراض مرتبطة بالبعوض مثل حمى الضنك وشيكونغونيا، والتي تظل قابلة للانتشار في حال توافر الظروف البيئية المناسبة وتزايد حركة السفر والتنقل. ويأتي كل ذلك في وقت تستعد فيه دول العالم لاستقبال ملايين المشجعين، ما قد يرفع من احتمالات انتقال العدوى عبر الحدود، ويضع أنظمة الرصد الصحي أمام اختبار غير مسبوق خلال فترة البطولة.
وتُقام النسخة المقبلة من كأس العالم 2026 في ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، على أن تحتضن الولايات المتحدة الحصة الأكبر من المباريات، خلال الفترة الممتدة من 11 يونيو/حزيران حتى 19 يوليو/تموز، موزعة على 11 مدينة أمريكية، من بينها نيويورك ولوس أنجلوس وميامي ودالاس.
ويؤكد مسؤولون صحيون محليون في الولايات الأمريكية المستضيفة أن التخطيط يقوم على مبدأ "التوقع الدائم للمفاجآت"، مع الإشارة إلى أن الأمراض الشائعة مثل الفيروسات التنفسية قد تتحول إلى تحدٍ أكبر خلال التجمعات الجماهيرية. كما عاد مرض الحصبة ليشكل مصدر قلق متزايد في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، في ظل ارتفاع ملحوظ في عدد الإصابات خلال الفترة الأخيرة.
ولا تقتصر المخاوف على الأمراض المعدية فقط، إذ يحذر خبراء من عوامل أخرى مرتبطة بالفعاليات الجماهيرية، مثل الإجهاد الحراري خلال أشهر الصيف، وتراجع جودة الهواء، وزيادة حالات التسمم الغذائي أو الجرعات الزائدة من المخدرات، إضافة إلى مخاطر الأمراض المنقولة جنسياً. وتصف بعض التقديرات هذه التحديات بأنها جزء من "الضغط الصحي المعتاد" الذي يتفاقم مع حجم الحشود.
وفي هذا السياق، تشير خبيرة الأوبئة كايتلين جيتلينا إلى أن العوامل البيئية والسلوكية، مثل الحرارة المرتفعة والتجمعات الكبيرة والمجهود البدني واستهلاك الكحول، قد ترفع من معدلات التوجه إلى أقسام الطوارئ خلال البطولة، حتى في غياب تفشيات وبائية كبيرة.
من جهتها، تؤكد مسؤولة الصحة العامة مونيكا روي أن عمل الجهات الصحية يقوم على بناء "شبكة حماية غير مرئية" تعتمد على المراقبة المبكرة والاستجابة السريعة، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن نجاح هذا النظام يرتبط بتوفر الموارد والتنسيق الفعال بين الجهات المختلفة.
وتكتسب نسخة 2026 أهمية إضافية كونها الأكبر في تاريخ البطولة، بمشاركة 48 منتخباً وتوزع المباريات على 11 مدينة في ثلاث دول، ما يجعل إدارة الصحة العامة أكثر تعقيداً، خصوصاً في ما يتعلق بسرعة تبادل المعلومات ورصد الحالات المحتملة عبر الحدود.
ورغم القلق من أمراض خطيرة مثل إيبولا، يؤكد خبراء أن احتمال انتقاله خلال البطولة يبقى محدوداً نسبياً، نظراً لطبيعته التي تتطلب ظهور الأعراض قبل العدوى. ومع ذلك، تم اعتماد إجراءات فحص في المطارات للمسافرين القادمين من مناطق التفشي، ضمن خطة وقائية موسعة.
وفي إطار الاستعدادات، تعمل السلطات الصحية الفيدرالية والمحلية على تعزيز أنظمة الرصد، بما في ذلك تحليل بيانات مياه الصرف الصحي وسجلات المستشفيات وبيانات المسافرين، بهدف كشف أي إشارات مبكرة لانتشار أمراض محتملة خلال البطولة.
ويأمل خبراء الصحة أن تتحول هذه الإجراءات إلى إرث دائم بعد انتهاء كأس العالم، عبر تطوير أنظمة مراقبة واستجابة أكثر كفاءة، قادرة على التعامل مع الأزمات الصحية المستقبلية سواء كانت مرتبطة بالفعاليات الكبرى أو الحياة العامة بشكل أوسع.
المصدر:
يورو نيوز