مع إشراقة شمس عيد الأضحى المبارك، لم تتوجه المسنة الفلسطينية نادية أبو جلهوم إلى منزل عائلتها للاحتفال، بل غادرت خيمتها في مخيم جباليا بقلب مثقل نحو مقبرة الفالوجا شمال قطاع غزة. هناك، بين شواهد القبور الصامتة، تبحث السيدة عن أبنائها وأحفادها الذين غيبتهم الحرب، لتقرأ الفاتحة على أرواحهم وتناجي ربها بالدعاء في مشهد يختصر وجع العائلات الفلسطينية.
تستذكر نادية بحسرة كيف تحولت طقوس العيد من اجتماعات دافئة في منزلها المدمر إلى وقفات حزينة في المقابر، حيث باتت الزيارة جزءاً لا يتجزأ من روتينها الجديد بعد الحرب. وتؤكد أن غياب الأبناء والأحفاد لم يترك فراغاً في المكان فحسب، بل غير ملامح الحياة اليومية للعائلة التي كانت تضج بالحياة قبل أن يفرقها الموت.
قائمة الفقد في عائلة أبو جلهوم طويلة ومؤلمة، حيث تضم أبناءها أنور البالغ من العمر 42 عاماً، وأحمد ذو الـ30 ربيعاً، وخميس الذي لم يتجاوز 26 عاماً، إضافة إلى ابنتها الشابة ساهرة ذات الـ19 عاماً. ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، بل امتدت لتخطف حفيدها الطفل معاذ الذي استشهد وهو في الخامسة من عمره، تاركاً خلفه ذكريات لا تمحى.
تروي الأم المكلومة تفاصيل قاسية عن استشهاد أبنائها، موضحة أنهم لم يقتلوا في وقت واحد، بل سقطوا تباعاً في فترات زمنية متقاربة جداً خلال العمليات العسكرية. وتتساءل بمرارة عن قدرة أي أم على تحمل فقدان فلذات أكبادها بفاصل عشرة أيام فقط بين الشهيد والآخر، وهو ما جعل الحزن مقيماً دائماً في قلبها.
انعكس هذا الفقد بشكل مباشر على أطفال العائلة الناجين، الذين باتوا يسألون باستمرار عن آبائهم، خاصة في المناسبات والأعياد التي يفتقدون فيها لمسة الحنان. وتصف نادية حال الأطفال وهم يشاهدون أقرانهم برفقة آبائهم، مما يعمق جراحهم ويجعل من العيد مناسبة لاسترجاع الذكريات المؤلمة بدلاً من الفرح.
تزيد المخاطر الأمنية من معاناة العائلة، حيث تقع خيمتهم في منطقة قريبة من 'الخط الأصفر' شمال القطاع، وهي منطقة تشهد تواجداً مكثفاً لقوات الاحتلال الإسرائيلي. وأفادت مصادر بأن السكان في تلك المنطقة يعيشون حالة من الرعب الدائم بسبب إطلاق النار المتكرر والتحركات العسكرية التي لا تتوقف، مما يهدد حياتهم في كل لحظة.
ورغم كل هذه الظروف الصعبة والتهديدات الأمنية، تصر نادية على مواصلة زيارة المقبرة في كل عيد، معتبرة ذلك واجباً تجاه أبنائها الذين ضحوا بأرواحهم. وتنهي زيارتها بهدوء لتعود إلى خيمتها، حيث تحاول لملمة ما تبقى من عائلتها الناجية، في ظل واقع يزداد تعقيداً مع استمرار العدوان على القطاع المحاصر.
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة في غزة عن ارتفاع مهول في حصيلة الضحايا، حيث بلغت أعداد الشهداء 72 ألفاً و819 شهيداً، فيما تجاوز عدد المصابين 172 ألفاً منذ بدء العدوان. وأشارت الإحصائيات الأخيرة إلى أن الفترة منذ مارس الماضي شهدت تصعيداً كبيراً أدى لارتقاء 922 شهيداً إضافياً، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية المستمرة.
المصدر:
القدس