كان من الممكن أن يمر خبر توقف عمل أربعة من محطات تحلية مياه البحر في إسرائيل بسبب الطحالب الدقيقة، التي أربكت أنظمة التحلية، مرور الكرام، دون أن يلتفت إليه الكثيرون، لكنّ حديث مصادر علمية إسرائيلية عن أن هذه الطحالب، مصدرها "دلتا النيل" في مصر، هو الذي جذب الانتباه، لأنه استنتاج علمي يحتاج إلى أدلة لم تذكرها تلك المصادر.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية فإن أربعا من أصل 6 محطات تحلية إسرائيلية على البحر المتوسط، قد توقفت بسبب ارتفاع استثنائي في عكارة مياه البحر، وهي محطات أشكلون وأشدود وسوريك وبلماحيم، وقال مدير المعهد الإسرائيلي لبحوث البحار والبحيرات، ألون زاسك، إن الباحثين خلصوا إلى أن طحالب دقيقة من منطقة دلتا النيل تبدو وراء الارتفاع الشديد في عكارة المياه، وأنها انتقلت شمالا بفعل الأمواج وحركة المياه.
ولا يستبعد خبراء تحدثوا للجزيرة نت إمكانية أن تؤثر الطحالب على عمل محطات التحلية، كما لم يستبعدوا أيضا، وفقا للفيزياء البحرية، أن تصل أي مواد من دلتا النيل إلى إسرائيل، وفقا لآليات انتقال بحرية مثبتة في دراسات سابقة، لكنهم تساءلوا باستغراب عن القرائن العلمية التي دفعت العلماء الإسرائيليين إلى القول إن منشأ الطحالب مصدر الأزمة هو دلتا النيل في مصر، وهو أمر يحتاج -وفق تقديرهم- إلى التدقيق العلمي.
وتثبت دراسة علمية سابقة وجود نظام طبيعي لانتقال بعض المواد من دلتا النيل إلى إسرائيل، والذي يعرف بـ"خلية النقل الساحلي للنيل"، وتصف تلك الدراسة المنشورة بدورية "مارين جيولوجي" (Marine Geology)، مسارا يبدأ من دلتا النيل، ثم ينتقل شرقا بمحاذاة ساحل سيناء، ثم شمال شرق بمحاذاة غزة وإسرائيل وصولا إلى حيفا، وتظهر دراسة أخرى نشرتها الدورية نفسها، أن العواصف والأمواج القوية يمكن أن تعزز هذا النقل.
ولا يعترض الدكتور أحمد رضوان، أستاذ الفيزياء البحرية بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد في مصر، على هذا المسار الذي حددته هذه الدراسات، ويؤكد أنه من الناحية العلمية يمكن حدوثه، لكنه يشير في الوقت نفسه، إلى أن هناك مسارات أخرى في البحر الأبيض المتوسط يمكن أن تصل بأي مواد إلى إسرائيل، حيث لا تقتصر حركة المياه في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط على تيار رئيسي واحد، بل تتشكل من منظومة متكاملة تضم تيارا شريطيا ساحليا وعددا من الدوامات وحلقات التدوير شبه الدائمة والدوامات متوسطة القياس.
ويقول أحمد إن "هذه المنظومة تتفاعل باستمرار لتقود مسارات نقل المياه وتوزيع الملوحة والحرارة، فضلا عن دورها الأساسي في توزيع المغذيات وتعميق الطبقة المختلطة".
وتشمل هذه المنظومة تيار شمال أفريقيا (التيار الليبي-المصري)، ودوامة مرسى مطروح، وهي من أهم الدوامات الدائرية مع اتجاه عقارب الساعة في جنوب الحوض الشرقي، وتقع قبالة السواحل المصرية الليبية، وأخيرا دوامة شكمونة التي تقع في القطاع الجنوبي الشرقي للحوض (جنوب قبرص وقبالة السواحل الشامية).
ولذلك يؤكد أحمد أن "وجود مسار بحري يربط دلتا النيل بالساحل الإسرائيلي يجعل انتقال أي مادة من المنطقة المصرية ممكنا، لكنه لا يجعله المصدر الوحيد المحتمل، إذ يمكن للدوران الإقليمي أن ينقل المياه والمواد العالقة من مناطق أخرى في المتوسط، وهذا من شأنه أن يعقد مهمة تحديد الهوية الجغرافية لمصدر الطحالب".
وتشير الدكتورة حنان خيري، أستاذة الطحالب بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد في مصر، إلى نقطة أخرى في الرواية الإسرائيلية تتعلق بـ"نوع الطحالب"، فمعظم طحالب دلتا النيل متكيفة مع ملوحة منخفضة، وعندما تنتقل فجأة إلى مياه البحر ذات الملوحة المرتفعة تتعرض لما يسمى "الإجهاد الأسموزي"، أي أن فرق تركيز الأملاح يؤثر في توازن الماء داخل الخلية، وقد يؤدي إلى توقف النمو أو موت الخلايا.
ومع ذلك، لا تنكر حنان وجود أنواع من الطحالب تتحمل نطاقا واسعا من الملوحة، ويمكنها الانتقال بين المياه العذبة والمياه المالحة، وهناك أيضا أنواع "مصبية" تعيش بطبيعتها في المناطق التي تختلط فيها مياه الأنهار بالمياه البحرية، ولذلك تتحمل تغيرات كبيرة في الملوحة، وبعض الأنواع قد تتأقلم تدريجيا مع زيادة الملوحة، في حين أن الانتقال المفاجئ من المياه العذبة إلى مياه البحر قد يكون أكثر صعوبة لها.
وتخلص من ذلك إلى أن الرواية الإسرائيلية ينقصها أهم عنصر وهو "تحديد هوية البطل"، فنحن لا نعرف نوع الطحالب التي تتحدث عنها.
وتقول "أستبعد بقدر كبير أن يكون مصدرها دلتا النيل، فنحن لم نرصد خلال أغسطس/آب أي ازدهار لطحالب في مياه المتوسط، فيما يُعرف بظاهرة "المد الأحمر" مصدرها دلتا النيل".
ويحدث "المد الأحمر" عندما تتكاثر بعض أنواع العوالق النباتية والطحالب المجهرية في مياه البحر بأعداد هائلة خلال فترة قصيرة، فتؤدي إلى تغير لون الماء أحيانا إلى الأحمر أو البني أو البرتقالي أو الأخضر، ومن هنا جاءت التسمية.
وانطلاقا مما سبق، ترجح حنان أن يكون سبب المشكلة، طحالب بحرية، وليس شرطا أن يكون مصدرها السواحل المصرية، لأنهم لم يرصدوا أي تكون لظاهرة "المد الأحمر" خلال أغسطس/آب الماضي.
وحتى يتم نفي ما ترجحه حنان أو إثبات الرواية الإسرائيلية، فإن أهم خطوة في تقديرها هي استخدام التحليل الجيني للبحث عن تطابق بين الطحالب الموجودة في المحطات الإسرائيلية وتلك الموجودة في منطقة المصدر المفترضة، وهذا يتطلب أخذ عينات من مياه البحر قرب دلتا النيل، وهذا لم يحدث.
كما يمكن أيضا مراجعة صور الأقمار الاصطناعية التي ترصد عكارة المياه خلال الأيام السابقة للأزمة، فإذا ظهر "المد الأحمر" في منطقة دلتا النيل، ثم تحرك مع حركة المياه وصولا إلى الساحل الإسرائيلي، فسيكون ذلك دليلا داعما، لكنه لا يغني عن التحليل الجيني وهو الإجراء الأساسي والأهم.
وتشير حنان إلى نقطة أخرى، وهي أن الفترة التي تتحدث فيها إسرائيل عن الدور الذي لعبته طحالب مصدرها دلتا النيل تزامنت مع ظروف جوية وبحرية مضطربة، يمكن أن تجعل الأمواج القوية تعيد تعليق الرواسب الموجودة في قاع البحر، فتزيد عكارة المياه بصورة كبيرة حتى من دون وجود ازدهار طحلبي كثيف، لذلك فإنه في تقديرها لا يبدو أن الحديث عن الطحالب وحدها مدعوم بأدلة كافية.
وكانت صور التقُطت بواسطة القمر الأوروبي "سنتينال-2" في أغسطس/آب والأول من سبتمبر/أيلول 2026، ونشرتها وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة، قد أظهرت تغيرات واضحة في لون أجزاء واسعة من المياه الساحلية بشرق البحر المتوسط، تمتد من قبالة شمال مصر شرقا وحتى قطاع غزة والساحل الإسرائيلي، وتظهر في بعض المناطق بدرجات تميل إلى الأخضر، وكانت هذه التغيرات اللونية متزامنة مع حديث إسرائيل عن تضرر منشآت تحلية المياه في إسرائيل من طحالب مصدرها دلتا النيل.
وتؤكد حنان أن تغير لون المياه إلى الأخضر، والمرصود في تلك الصور، لا يعني بالضرورة وجود الطحالب، إذ يمكن أن تتأثر الإشارة البصرية للمياه التي تلتقطها الأقمار الصناعية بالرواسب والجسيمات العالقة والمواد العضوية الذائبة.
وتشير أيضا إلى نقطة أخرى، وهي أنه "حتى إذا ثبت أن اللون الأخضر في المسار الممتد من شمال مصر شرقا إلى قطاع غزة والساحل الإسرائيلي ناتج عن ازدهار للطحالب، فإن ذلك لا يكفي وحده لإثبات أن مصدر هذا الازدهار هو دلتا النيل".
في هذا السياق، يجب أن يتم التحقق الميداني بأخذ عينات متتابعة من مياه البحر على امتداد المسار المحتمل، بدءا من قبالة دلتا النيل، ثم المناطق الواقعة إلى الشرق منها، وصولا إلى غزة والساحل الإسرائيلي، وتُحلل هذه العينات لتحديد أنواع الطحالب وتركيب مجتمعاتها، باستخدام الفحص المجهري وتقنيات التحليل الجيني.
وتشدد حنان على أن وجود الأنواع نفسها في نقطتين مختلفتين لا يثبت وحده أنها انتقلت من الأولى إلى الثانية، ولذلك ينبغي أن تترافق هذه القياسات مع بيانات متتابعة من الأقمار الصناعية ونماذج حركة التيارات البحرية، فإذا أظهرت البيانات أن كتلة مائية غنية بالطحالب ظهرت أولا قرب الدلتا، ثم تحركت شرقا بالسرعة والاتجاه اللذين تتوقعهما نماذج التيارات، مع ظهور بصمة بيولوجية وكيميائية متقاربة في العينات على طول المسار، فإن ذلك سيقدم دليلا قويا على انتقال الكتلة المائية من منطقة الدلتا.
ومع ذلك، لا تنكر حنان أن الطحالب وحدها يمكن أن تسبب ضررا لمحطات التحلية، إذ إن محطات التحلية التي تعتمد على تقنية "التناضح العكسي" تحتاج إلى معالجة أولية للمياه قبل وصولها إلى أغشية التحلية.
وتقول إنه "عندما يحدث ازدهار كثيف للعوالق النباتية، ترتفع كمية الخلايا والمواد العضوية في المياه، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة عكارة المياه، وإجهاد وحدات المعالجة الأولية، وتراكم المواد العضوية على الأغشية".
وتضيف أن "المشكلة لا تقتصر على حجم الخلايا الطحلبية نفسها، إذ تنتج بعض الطحالب مواد عضوية خارج الخلية تعرف باسم "المواد البوليمرية خارج الخلية" "إي بي إس" (EPS)، يمكن أن تسهم في تكوين طبقات لزجة على المرشحات والأغشية، وتزيد من ظاهرة التلوث الحيوي".
وسبق أن وثقت دراسات علمية متعددة، أحدثها دراسة نشرت في دورية "دي سالينيشن" (Desalination)، تأثير ازدهار الطحالب في أداء محطات التناضح العكسي، بما في ذلك انسداد أنظمة المعالجة الأولية، وانخفاض تدفق المياه، وزيادة الحاجة إلى تنظيف الأغشية، وفي الحالات الشديدة خفض الإنتاج أو إيقاف المحطة لحماية الأغشية.
وعلى ذلك، فإن الفحص العلمي للرواية الإسرائيلية لا يستبعدها كاملة، لكنه يؤكد أن تحديد دلتا النيل كمصدر للطحالب التي عطلت المحطات الإسرائيلية في أغسطس/آب 2026، وأنها كانت العامل الوحيد وراء الأزمة، يحتاج إلى أدلة لم تقدمها إسرائيل وهي تروي هذه الرواية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة