كشفت دراسة حديثة عما يمكن وصفه بأنه أهم "مغسلة كربون" في العالم شمال سلطنة عُمان.
وفي الفهم التقليدي، كان العلماء يعتقدون أن الكربون يسير في دورة بسيطة تبدأ بوجوده في الغلاف الجوي، ثم تمتصه المحيطات والكائنات الحية، ليترسب جزء منه في قاع البحار على هيئة صخور ورواسب، وعندما تنغرز الصفائح المحيطية إلى باطن الأرض في المناطق التي تعرف باسم "مناطق الاندساس"، تحمل معها هذا الكربون، ثم تعيده البراكين مرة أخرى إلى الغلاف الجوي، أي أن باطن الأرض كان يُنظر إليه، وفق هذا المفهوم، وكأنه محطة عبور مؤقتة للكربون.
واكتشفت دراسات سابقة أنه بدلا من أن يعود معظم الكربون إلى السطح عبر البراكين، يتم غسل جزء كبير منه عبر احتجازه داخل صخور الوشاح في مناطق الاندساس، ووصفت إحدى الدراسات منطقة "أوفيوليت سمائل" بسلطنة عمان، بأنها إحدى المناطق التاريخية الشاهدة على هذه الظاهرة، لكن الدراسة الجديدة المنشورة في دورية "نيتشر كومينيكيشنز" (Nature Communications)، تشير إلى أن هذه المغسلة قد تكون هي الأهم على كوكب الأرض، لأنها تكشف أن حجم الكربون المحتجز بهذه الآلية، ربما كان مقدرا بأقل من قيمته الحقيقية سابقا.
ويقول الدكتور إليوت كارتر، من قسم علوم الأرض والبيئة بجامعة مانشستر البريطانية، والباحث الرئيسي بالدراسة في تصريحات خاصة للجزيرة نت إنه "عادة ما توجد صخور الوشاح على أعماق تتجاوز عشرات الكيلومترات تحت سطح الأرض، وهذا يجعل دراستها صعبة للغاية، لكن قبل نحو 96 مليون سنة حدث تصادم تكتوني ضخم أدى إلى رفع أجزاء من القشرة المحيطية والوشاح فوق سطح الأرض في سلطنة عمان، لهذا توصف منطقة هناك تعرف بـ (أوفيوليت سمائل) بأنها أكبر وأفضل نافذة طبيعية على الوشاح الأرضي في العالم".
و"أوفيوليت" مصطلح جيولوجي يُطلق على أجزاء من القشرة المحيطية والوشاح العلوي التي انتقلت من مكانها الطبيعي في قاع المحيط وظهرت فوق سطح اليابسة، أما سمائل فهي ولاية عُمانية، وهي إحدى أشهر المناطق التي تمر بها هذه التكوينات الجيولوجية، والتي تمتد لمسافة تقارب 500 كيلومتر عبر جبال الحجر، من المناطق القريبة من مسقط شرقا إلى الحدود مع دولة الإمارات العربية المتحدة غربا.
ويوضح إليوت، أن "أوفيوليت سمائل" يتميز بسلامته، والأهم من ذلك أنه يحتفظ بالعديد من صخور "الليستفينايت"، وهي صخور تشكلت عندما تفاعلت صخور الوشاح مع كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وتحولت إلى صخور غنية بالكربونات، وتُمثل سجلات جيولوجية لحركة الكربون.
وأخضع الباحثون صخور الليستفينايت العُمانية للدراسة، حيث بحثوا فيها عما يشبه "البصمة الكيميائية" للسوائل التي حملت الكربون إلى أعماق الأرض قبل ملايين السنين.
وحلل الفريق العلمي عناصر تعرف باسم "الهالوجينات" وعلى رأسها الكلور والبروم واليود، وهي عناصر تُعد من أفضل المؤشرات الجيوكيميائية لتتبع حركة السوائل في باطن الأرض.
وأظهرت التحليلات أن نسب هذه العناصر في الصخور العُمانية تتطابق مع تلك الموجودة في الرواسب البحرية والصخور الكربونية التي تغوص إلى الأعماق مع الصفائح المحيطية عند مناطق الاندساس.
وتشير هذه النتائج إلى أن الكربون لم يكن مصدره الوشاح الأرضي نفسه، بل جاء في الأصل من قاع محيط قديم، قبل أن تحمله سوائل غنية بثاني أكسيد الكربون إلى صخور الوشاح حيث جرى احتجازه على هيئة معادن مستقرة، وبذلك تمكن العلماء من إعادة بناء رحلة الكربون الكاملة من قاع المحيط إلى أعماق الأرض.
وبعد تقدير كمية السوائل التي عبرت الصخور وتركيز الكربون فيها، تمكن الباحثون من حساب تدفق الكربون اعتمادا على العلاقة بين حجم السوائل ومحتواها من الكربون. وأشارت النتائج إلى أن كمية الكربون التي انتقلت إلى منطقة الوشاح الأمامية قد تراوحت بين 17 و34 مليون طن سنويا.
ولفهم دلالة هذا الرقم، قارن الباحثون نتائجهم بالتقديرات العالمية لكمية الكربون التي تدخل مناطق الاندساس حول العالم. وأظهرت المقارنة أن جزءا كبيرا من هذا الكربون قد يحتجز داخل صخور الوشاح بدلا من عودته إلى الغلاف الجوي عبر البراكين، ما يشير إلى أن بعض النماذج السابقة ربما قللت من حجم الكربون المخزن في باطن الأرض.
وساعدت أوفيوليت سمائل في سلطنة عمان على الوصول إلى هذه النتائج لأنها تمثل أكبر وأفضل نموذج مكشوف لصخور الوشاح والقشرة المحيطية على سطح الأرض، ما يمنح العلماء فرصة نادرة لدراسة العمليات التي تحدث عادة على أعماق يصعب الوصول إليها.
ويقول إليوت: "وجدنا أن كمية الكربون المحتجزة في صخور الوشاح قد تعادل ما يصل إلى 90% من إجمالي الكربون الداخل إلى مناطق الاندساس، وهو ما يشير إلى وجود خزان كربوني خفي في باطن الأرض أكبر بكثير مما كان يعتقد سابقا".
ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على فهم ما يحدث في أعماق الأرض، بل تمتد إلى قضايا ترتبط مباشرة بمستقبل المناخ على كوكبنا.
ويوضح إليوت أن "معرفة كمية الكربون التي تُحتجز داخل الوشاح تساعد العلماء على إعادة بناء تاريخ مناخ الأرض عبر ملايين السنين، وفهم الأسباب التي حالت دون تراكم كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي على مدار العصور الجيولوجية".
ويضيف أن "هذه النتائج تفتح الباب أيضا أمام أبحاث جديدة تستلهم ما تفعله الطبيعة منذ ملايين السنين، من خلال دراسة إمكانية استخدام بعض أنواع الصخور لالتقاط ثاني أكسيد الكربون وتخزينه بصورة دائمة، بما قد يسهم مستقبلا في جهود الحد من التغير المناخي".
ورغم أهمية هذه النتائج، يؤكد إليوت على أن العديد من الأسئلة ما زالت بحاجة إلى إجابات، فبينما تكشف صخور الليستفينايت في عُمان عن قدرة هائلة على احتجاز الكربون داخل الوشاح، لا يزال العلماء يحاولون فهم سبب ظهور هذه الصخور بوضوح في أوفيوليت سمائل، في حين تبدو نادرة أو غائبة في مواقع مشابهة حول العالم.
ويقول إليوت: "هناك احتمالان رئيسيان لتفسير ذلك، أولهما أن هذه الصخور كانت موجودة بالفعل في مناطق أخرى، لكنها تعرضت لاحقا لعمليات جيولوجية أدت إلى تدميرها أو محو آثارها عبر الزمن، أما الاحتمال الثاني فيتمثل في أن تكونها يتطلب ظروفا استثنائية لا تتوافر إلا في بعض مناطق الاندساس، مثل درجات حرارة محددة، وتركيبة خاصة من الرواسب البحرية، وبيئة كيميائية مناسبة تسمح بتحويل كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون إلى معادن مستقرة داخل الصخور".
ويأمل الباحث أن تساعد الدراسات المستقبلية في تحديد مدى انتشار هذه العملية حول العالم، وما إذا كانت صخور عُمان تمثل حالة استثنائية أم أنها تكشف عن آلية جيولوجية واسعة النطاق ظلت خفية عن العلماء لفترة طويلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة