في نهاية حزيران/يونيو، سُجّل رقم قياسي جديد في درجات الحرارة على مستوى ألمانيا : 41.8 درجة مئوية حسب البيانات الأولية الصادرة عن هيئة الأرصاد الجوية الألمانية . الرقم الجديد سجل في منطقة ريفية في ولاية سكسونيا-أنهالت شرق البلاد.
القياسات التي تؤخذ في مراكز المدن لا تُحتسب ضمن تحليل الأرقام القياسية للحرارة على مستوى البلاد أو داخل الولايات. لكن، مع ذلك، فإن درجات الحرارة في المدن أشد من المناطق المحيطة بها، وخاصة في الليل.
هناك أكثر من 200 محطة قياس حرارة تابعة لدائرة الأرصاد الجوية الألمانية (DWD) في مواقع مختارة بعناية، ويفضل أن تكون فوق أعشاب قصيرة، وبعيدة عن الأشجار والمباني ومصادر التشويش الأخرى.
في المتوسط، تكون المدن أكثر دفئاً بشكل ملحوظ من المناطق المحيطة بها. خلال النهار، لا يتجاوز الفرق عادةً درجة أو درجتين مئويتين، لكنه قد يصل إلى عشر درجات ليلاً، كما يقول مينولف كوسمان من دائرة الأرصاد الجوية الألمانية.
في تمام الساعة الثانية ظهراً من يوم 28 حزيران/يونيو، بلغت درجة الحرارة في مركز مدينة ميونيخ 35.1 درجة مئوية، بينما كانت 34.5 درجة مئوية في المطار. لكن قبل ذلك بساعات قليلة، سجلت محطات الرصد فرقاً قدره 8.4 درجة مئوية: ففي الساعة الثالثة صباحاً، سجل مركز المدينة 25.2 درجة مئوية، بينما لم يسجل مطار ميونيخ سوى 16.8 درجة مئوية.
عاشت مدينة فرايبورغ 13 ليلة متواصلة ذات أجواء حارة، وهي ليالٍ لم تنخفض فيها درجة الحرارة عن 20 درجة مئوية. ويقول فرديناند بريغل من "معهد كارلسروه للتكنولوجيا" (KIT)، الذي يقوم بنمذجة الإجهاد الحراري الحضري باستخدام الذكاء الاصطناعي: "خلال الفترة نفسها، لم تشهد المنطقة الواقعة على بُعد خمسة كيلومترات من المدينة سوى ليلتين أو ثلاث ليالٍ ذات أجواء حارة".
المدن عبارة عن هياكل ثلاثية الأبعاد تتكون من كميات هائلة من الخرسانة والحجر والإسفلت: كتل من المباني المتراصة بكثافة، بالإضافة إلى مساحات واسعة مغلقة كالشوارع والساحات، وكلها تخزن طاقة أشعة الشمس على شكل حرارة. في الليل، تُطلق هذه الحرارة في الهواء، يوضح مينولف كوسمان من دائرة الأرصاد الجوية الألمانية.
ويردف أن هناك عوامل مؤثرة أخرى، منها أن طبقة الهواء المتجانسة القريبة من سطح الأرض تمتد عادة إلى ارتفاعات أعلى بكثير خلال النهار مقارنةً بالليل: من كيلومتر إلى كيلومترين بدلاً من بضع عشرات إلى بضع مئات من الأمتار. "وبالتالي، تتوزع الحرارة المشعة من الأرض والمباني على مساحة أكبر بكثير خلال النهار". علاوة على ذلك، تصل الرياح، التي تدفع الحرارة خارج المدينة، عادةً إلى ذروتها خلال النهار وتهدأ إلى حد كبير في الليل.
يوضح خبير الأرصاد الجوية البيئية، فرديناند بريغل من "معهد كارلسروه للتكنولوجيا" (KIT)، أن "الحرارة ليلاً ضارة بالصحة بشكل خاص. إذ يتعرض الجسم لضغط مستمر: يصبح النوم مضطرباً، ويتعرض القلب والجهاز الدوري لإجهاد أكبر، ويزداد خطر الإرهاق والجفاف ومشاكل الدورة الدموية. وكلما طالت فترة الليل الاستوائي، ازداد خطر حدوث أضرار صحية طويلة الأمد، بل وحتى الوفاة.
يقول بريغل: "يعتقد الكثيرون أن إعادة هندسة المدن كافية لتجنب هذه الظاهرة. لكن في الواقع، لا يمكن سوى التخفيف من حدة الظاهرة ، وليس إيقافها بالكامل"، يؤكد خبير الأرصاد الجوية البيئية.
وتلعب عدة عوامل في اشتداد الظاهرة مثل حجم المدينة، ولكن يمكن تخفيفها عن طريق بعض التدابير مثل الممرات الهوائية الممتدة من الأطراف إلى المركز، وتقليل كثافة المباني.
ويوضح بريغل أن الجسم يتأقلم تدريجياً على الحرارة المرتفعة. كما يساعد تغيير السلوك في التقليل من آثار الظاهرة: قيلولة في منتصف النهار تليها أنشطة حتى وقت متأخر من الليل، والهروب من لهيب المدينة في الصيف.
المكيفات تستهلك كمية عالية من الكهرباء: "مكيفات الهواء هي في الأساس مبادلات حرارية: تبرد الجو في الداخل، لكن الجو الخارجي يزداد حرارةً عبر الهواء الخارج"، كما يوضح فرديناند بريغل.
وبينت دراسة أجريت عام 2020 حول تأثير المكيفات في باريس أن درجة الحرارة الخارجية سترتفع بنحو درجتين مئويتين إذا تم استخدام مكيفات الهواء على نطاق واسع خلال موجة حر شديدة. وأظهرت تجارب أخرى أرقاماً مماثلة.
ولا يساعد العيش في مبنى معزول بشكل جيد؛ إذ أنه يسخن بشكل أبطأ بشكل ملحوظ من المنزل غير المعزول، ولكن بمجرد أن تتراجع الحرارة، تنخفض درجة حرارته الداخلية أيضاً بشكل أبطأ، كما يوضح بريغل.
حسب فرديناند بريغل من "معهد كارلسروه للتكنولوجيا" (KIT)، تكوّن المساحات الخضراء المشجرة بكثافة في المدن غطاء سحابياً مغلقاً: فهي تحافظ على الحرارة المنبعثة من الأرض ويكون الهواء أقل قدرة على التبريد.
وينصح مينولف كوسمان من دائرة الأرصاد الجوية الألمانية (DWD) بأن تحوي المدن "فسيفساء من الأشجار والمساحات المفتوحة: في المتنزهات وحتى على جانبي الطريق من المنطقي زراعة الأشجار على جانب واحد فقط حتى يتمكن الهواء من الدوران بشكل أفضل".
العيش بالقرب من المتنزهات والمساحات الخضراء في المدن يضمن درجات حرارة أكثر متعة، خاصة في الليل. ومع ذلك، يمتد التأثير بحد أقصى بضع مئات من الأمتار إلى المناطق الحضرية المحيطة.
تحرير: عارف جابو
المصدر:
DW