إن كنت ستخطئ شيئا في السماء، فلن تخطئ الثريا. تلك القبضة الصغيرة من النور التي تتألق في أمسيات الشتاء الصافية، كأنها توقيع سماوي في أعلى الصفحة السوداء من الليل.
قد يلتبس أمرها على مبتدئ فيحسبها العقرب، لكن سرعان ما ينكشف الفرق؛ فالعقرب يمتد على مساحة واسعة من السماء، بينما تنقبض الثريا في رقعة صغيرة لا تكاد تقاس، ومع ذلك تشع حضورا يفوق مساحتها أضعافا مضاعفة.
في صورة المصور تميم التميمي، تبدو الثريا مثل جوهرة زرقاء يحيط بها وشاح من غبار مضيء، فالغازات العاكسة تلتف حول نجوم العنقود، ومئات النجوم الخافتة تتناثر في الخلفية، كأن السماء كلها اجتمعت لتشهد ميلاد الضوء.
لكن الثريا في المخيال العربي ليست مجرد عنقود نجمي؛ إنها النجم بإطلاق، فقد كان العربي إذا قال: طلع النجم أو ناء النجم، فإنه يعنيها دون سواها.
والثريا من منازل القمر الثمانية والعشرين، وطلوعها في منتصف أكتوبر/تشرين الأول علامة استهلال الخير. فنوء الثريا يبشر بأول المطر، ذلك المطر الذي يسمى الوسمي لأنه يسم الأرض بالنبات. ومعها يبدأ وعد الخصب، وكأنها مفتاح خزائن السماء.
اسمها تصغير لكلمة ثَروى، دلالة على الثراء والخصوبة. وكان أهل البادية والريف يرقبون اقتران القمر بها ليستدلوا على المطر والحر، فصارت ميزانا فلكيا وشاهدا زراعيا معا.
ويقول الشاعر البصري المبرد:
إذا ما الثريا في السماء تعرّضت.. يراها حديد العين سبعةَ أنجمِ
على كبدِ الجرباء وهي كأنها.. جبيرة درّ رُكبت فوق معصمِ
أما في صورة المصور كاميل فيدوسيوك (Kamil Fiedosiuk) والمنشورة عبر موقع "صورة ناسا لهذا اليوم" (Astronomy Picture of the Day)، فتظهر الثريا غارقة في سديم كوني أوسع، كجزيرة زرقاء في محيط من الغبار النجمي.
هنا لا تبدو مجرد عنقود صغير، بل جزءا من نسيج كوني بالغ الاتساع، يمتد خلفها وأمامها في عمق يكاد يبتلع البصر.
في الأسطورة اليونانية، الثريا هن بنات أطلس وبليوني، الشقيقات السبع اللواتي وضعهن الإله زيوس في السماء هربا من مطاردة أوريون (الجبار).
علميا الثريا عنقود نجمي مفتوح يعرف باسم بالرمز "ميسييه 45" (M45)، ويقع في كوكبة الثور، ويبعد نحو 444 سنة ضوئية عن الأرض. عمره يقارب 100 مليون سنة فقط، lما يجعله عنقودا فتيا. لونه الأزرق ناتج عن نجوم شديدة الحرارة.
أما السديم المحيط به فهو غبار كوني يعكس ضوء هذه النجوم، وليس بقايا من المادة التي ولدت منها كما كان يعتقد سابقا.
وفي صورة كاميل، يمتد السديم أبعد مما تلتقطه العين عادة، فتبدو الثريا كأنها تمخر عباب غيمة مجرية شاسعة، ويغدو العنقود نفسه تفصيلا رقيقا داخل مشهد كوني مهيب.
في الرواية العربية، الثريا وعد مطر وخصب، وفي الأسطورة اليونانية، هن شقيقات هاربات إلى الأبد، وفي العلم الحديث عنقود نجمي فتي يعبر غبار المجرة.
لكن في الصورتين معا -صورة تميم وصورة كاميل- تبقى الثريا شيئا واحدا: قبضة ضوء لا تخطئها العين ولو أخطأت كل ما عداها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة