جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هجومه الحاد على جائزة نوبل للسلام واللجنة النرويجية المسؤولة عن اختيار الفائزين، وذلك في أعقاب إعلان فوز القاضية الجنوب أفريقية والمدافعة عن حقوق الإنسان نافي بيلاي بالجائزة لعام 2026. واعتبر ترمب أن تجاهل ترشيحه يمثل 'وصمة عار لا تمحى' في تاريخ النرويج، مؤكداً أن بلاده لن تنسى هذا الموقف.

وخلال تجمع جماهيري حاشد في مدينة سيراكيوز بولاية نيويورك، أعرب ترمب عن استيائه الشديد، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة كانت الأحق بالجائزة من خلال جهوده الرئاسية. ووصف قرار اللجنة بأنه 'مخزٍ ومحرج'، متهماً القائمين عليها بتبني أيديولوجيات متطرفة تعادي الديمقراطية وتضر بأسس الحضارة العالمية على حد تعبيره.

ولم يكتفِ ترمب بمهاجمة اللجنة، بل طال هجومه الفائزة بالجائزة نافي بيلاي، حيث زعم أنه لم يسمع بها قط ووصفها بأنها شخصية غير معروفة. تأتي هذه التصريحات رغم السجل الحقوقي الطويل لبيلاي، التي شغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان وقاضية سابقة في المحكمة الجنائية الدولية.

وتعد نافي بيلاي، البالغة من العمر 85 عاماً، من أبرز الشخصيات الحقوقية التي واجهت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وقد نالت الجائزة تقديراً لجهودها المستمرة في تعزيز سيادة القانون الدولي والدفاع عن حقوق المظلومين في مختلف النزاعات العالمية، وهو ما أثار حفيظة الإدارة الأمريكية الحالية.

ويرتبط التوتر بين ترمب وبيلاي بشكل وثيق بمواقفها تجاه القضية الفلسطينية، حيث ترأست لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة. وقد خلصت هذه اللجنة في تقرير صدر في سبتمبر 2025 إلى ارتكاب إسرائيل جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، وهي النتائج التي رفضتها واشنطن وتل أبيب بشدة.

وفي سياق متصل، شنت الحكومة الإسرائيلية هجوماً موازياً على بيلاي، حيث وصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية منحها الجائزة بأنه يشبه 'تصفيق غوبلز من الجحيم'. كما اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القاضية الدولية بالتعصب والعمل على شيطنة إسرائيل واليهود في المحافل الدولية.

فقدت جائزة نوبل للسلام مصداقيتها إلى الأبد على يد حفنة من أصحاب الأيديولوجيات المتطرفة المعادين للديمقراطية، والذين هم في الواقع أعداء للحضارة.

وادعى ترمب خلال خطابه أنه أسهم في منع وتسوية العديد من النزاعات الدولية الكبرى التي كانت تهدد الأمن العالمي. وتحدث عن دور مفترض في تهدئة التوترات بين الكوريتين، وبين اليابان وكوريا الشمالية، بالإضافة إلى ملف الصين وتايوان، دون أن يقدم وثائق أو أدلة تدعم هذه الادعاءات.

ومنذ عودته إلى سدة الحكم في البيت الأبيض مطلع عام 2025، دأب ترمب على التأكيد بأنه يستحق التكريم الدولي بجائزة نوبل للسلام. ويرى مراقبون أن هذا الإصرار يعكس رغبته في الحصول على اعتراف دولي بجهوده الدبلوماسية التي يصفها بـ 'التاريخية' في منطقة الشرق الأوسط وشرق آسيا.

من جانبها، تعاملت نافي بيلاي بروح من الدعابة مع انتقادات ترمب، حيث مازحت الحاضرين في أول تعليق لها عقب الفوز قائلة إنها قد تتقاسم الجائزة معه إذا زاد تصفيق الجمهور. وأهدت بيلاي الجائزة لجميع الناجين من الجرائم الدولية، مؤكدة التزامها بمواصلة النضال من أجل العدالة العالمية.

وتزامن إعلان الجائزة مع تصعيد أمريكي ضد المؤسسات القانونية الدولية، حيث فرضت واشنطن عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية. وتهدف هذه الإجراءات إلى شل نشاط المحكمة ومنعها من ملاحقة المسؤولين الأمريكيين أو حلفائهم في قضايا تتعلق بجرائم حرب أو انتهاكات حقوقية.

وردت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، توموكو أكانيه، برفض قاطع للضغوط الأمريكية، واصفة العقوبات بأنها اعتداء مباشر على استقلالية القضاء الدولي. وأكدت أكانيه أن هذه المحاولات لن تنجح في عرقلة مسار العدالة أو ثني المحكمة عن أداء واجباتها تجاه الضحايا في جميع أنحاء العالم.

يُذكر أن التوتر حول جائزة نوبل ليس جديداً على ترمب، حيث شهدت الدورة السابقة تسليم الفائزة ماريا كورينا ماتشادو ميداليتها لترمب كنوع من التقدير لدعمه. إلا أن اختيار بيلاي هذا العام أعاد فتح ملف الخلافات العميقة بين الإدارة الأمريكية والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والقانون الدولي.