د. حسين الديك: القضية تكشف انتقال التطرف وخطاب الكراهية من التفكير والتصريحات والاعتداءات الفردية إلى العمل المنظم بأهداف سياسية واضحة

نبهان خريشة: المعرفة المتخصصة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية لأن التفوق العلمي قد يجتمع مع تصور عنصري يسلب الآخرين حقهم في الحياة

محمد أبو علان دراغمة: هناك بنية تحتية للتحريض ضد كل ما هو غير يهودي وتراكم هذا الخطاب يقود إلى ظهور خلايا منظمة لا تقتصر على فئة "فتية التلال" فقط

د. أسامة عبد الله: لائحة الاتهام تضع فلسطينيي الداخل والقدس والضفة ضمن فضاء استهداف واحد بما يعكس تصوراً يتعامل معهم باعتبارهم هدفاً في مشروع عنيف واحد

فايز عباس: خطورة القضية بمكانة جامعة بار إيلان التي تحتضن تيارات اليمين الإسرائيلي والصهيونية الدينية وتخرج منها يغئال عمير قاتل رابين

نزار نزال: جوهر القضية مرتبطة بالعلاقة بين الأيديولوجيا والعنف والتهجير واستخدام القتل الجماعي أداة لإعادة هندسة الجغرافيا والسكان




رام الله - خاص بـ"القدس"-

تثير قضية محاضر الرياضيات في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، المتهم بقيادة خلية خططت لتنفيذ هجمات واسعة تستهدف مئات الفلسطينيين في الداخل والقدس والضفة الغربية، بما يدفعهم للهجرة، أسئلة تتجاوز الشخص والمخطط المزعوم إلى طبيعة التطرف والعنف السياسي في إسرائيل، وصولاً لتحقيق أهداف سياسية بالقتل، ويكشف عن جريمة منظمة خاصة أن المعطيات الواردة في لائحة الاتهام تتحدث عن إعداد استمر سنوات.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن القضية يبرز فيها انتقال الفكرة من مستوى الخطاب والتحريض إلى محاولة تنظيم عمل ميداني متعدد الخلايا، مع السعي إلى تجنيد عشرات الأشخاص والتواصل مع شخصيات سياسية وعناصر من المؤسسة العسكرية.

ويشيرون إلى أن تورط شخص أكاديمي في التخطيط يطرح سؤالاً بشأن قدرة الأيديولوجيات المتطرفة على اختراق شرائح متعلمة ومهنية، من دون اختزال المجتمع الأكاديمي كله في هذه الحالة.

وبينما يشكل كشف الخلية منعاً لهجمات كان يمكن أن توقع أعداداً كبيرة من الضحايا، فإن الكتاب والمحللين والمختصين يؤكدون أن القضية تترك وراءها أسئلة مفتوحة حول مسار التجنيد، والجهات التي كانت على علم بالمخطط، ومدى فاعلية المتابعة الأمنية. كما يبرز سؤال احتمال وجود خلايا أخرى، وهو احتمال لا تؤكده الأدلة المتاحة حالياً، لكنه يستدعي التحقيق بذلك.




دلالات سياسية وأمنية واجتماعية خطيرة


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالعلاقات الدولية والشأن الأمريكي د.حسين الديك أنّ كشف خلية إسرائيلية يُتهم أفرادها بالتخطيط لارتكاب مجازر بحق الفلسطينيين في الداخل والقدس والضفة الغربية، بقيادة محاضر رياضيات في جامعة بار إيلان، يحمل دلالات سياسية وأمنية واجتماعية خطيرة تتجاوز المتهمين إلى الوعي الجمعي الإسرائيلي.

ويوضح الديك أن خطورة القضية تكمن، وفق ما ورد في لائحة الاتهام، في أن المخطط كان منظماً واستمر لأكثر من ثلاث سنوات، ولم يستهدف القتل فقط، بل قتل أعداد كبيرة من المدنيين بما يقود إلى نزوح وتهجير قسري للفلسطينيين من مناطقهم، وهو ما يجعل القضية مرتبطة بمفهوم النقل القسري للسكان والتطهير العرقي، وليس مجرد حادثة جنائية أو اعتداء فردي.

ويؤكد الديك أن القضية تكشف انتقال التطرف وخطاب الكراهية من مستوى التفكير والتصريحات والاعتداءات الفردية إلى العمل المنظم ذي الأهداف السياسية الواضحة، لافتاً إلى أن الحديث عن محاولة بناء خلايا متزامنة يؤشر إلى أن الأمر لا يتعلق بحادثة معزولة.

ويشير الديك إلى أن وصول التطرف إلى الوسط الأكاديمي يمثل دلالة مهمة، باعتبار أن الجامعات تؤثر في شريحة واسعة من الطلبة، موضحاً أن اتهام محاضر في جامعة بار إيلان لا يعني تورط الجامعة أو المؤسسات الأكاديمية، ولا ينبغي تعميم الاتهام عليها، لكنه يكشف قدرة الأيديولوجيا المتطرفة على الوصول إلى شرائح متعلمة ونخب أكاديمية، وعدم اقتصارها على الفئات المهمشة.


بيئة حاضنة للتطرف والكراهية


ويتوقف الديك عند وجود بيئة حاضنة للتطرف والكراهية، مشيراً إلى أن المتهم حاول استقطاب شخصيات سياسية، بينهم موشيه فايغلين، الأمر الذي يثير تساؤلات حول تعامل الجهات المختصة مع القضية ومراحل تطورها، وكذلك حول عدم إبلاغ فايغلين الجهات المختصة بعد رفضه المقترحات التي طرحت عليه، رغم كونه مرشحاً للكنيست.

ويربط الكشف عن الخلية بتصاعد العنف والقتل ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والكراهية تجاه الفلسطينيين في الداخل، معتبراً أن القضية تفتح نقاشاً حول ما يُسمى بالإرهاب اليهودي والعنف السياسي في إسرائيل، ودور اليمين المتطرف وحدود الخطاب الذي يمكن أن يتحول إلى تحريض وتعبئة للعنف.


تداعيات خطيرة


ويحذر الديك من أنه في حال لو لم يتم كشف الخلية، فإن التداعيات كانت ستكون خطيرة على الضحايا المحتملين وعلى المستويين السياسي والاجتماعي، لافتاً إلى أن الحديث عن محاولة بناء 12 خلية يطرح سؤالاً أمنياً وسياسياً بشأن احتمال وجود خلايا أخرى غير مكتشفة، من دون إمكانية استنتاج ذلك من هذه القضية وحدها.


موجة منسقة ومنظمة


ويرى الديك أن عدم التعامل مع الملف منذ بدايته باعتباره قضية إرهاب يهودي بالجدية اللازمة كان يمكن أن يقود إلى انتقال العنف من حوادث منفردة إلى موجة منسقة ومنظمة، وربما إلى أزمة سياسية واسعة وردود فعل فلسطينية وانفجار كبير، بما يترتب عليه من كلفة بشرية ومادية وسياسية واقتصادية، في ظل التداخل الجغرافي بين الفلسطينيين في الضفة والداخل والإسرائيليين.

ويشدد على ضرورة تحرك المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية، وحتى الدولية، لقطع الطريق على أي خلايا أخرى أو على الفكر والخطاب التحريضي، مؤكداً أن الأمر يتعلق أيضاً بفلسطينيين داخل إسرائيل يحملون المواطنة الإسرائيلية، معتبراً أن استهدافهم يثير تساؤلات بشأن الشعارات الإسرائيلية المتعلقة بالديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان.


التخطيط لهجمات متزامنة تستهدف الفلسطينيين


يرى الصحفي والكاتب نبهان خريشة أن قضية محاضر الرياضيات في جامعة بار إيلان تضعنا أمام سؤال: كيف يتحول تصور قتل الفلسطينيين وتهجيرهم إلى مشروع يعمل عليه أكاديمي لسنوات؟ مشيراً إلى أن لائحة الاتهام التي قدمتها النيابة الإسرائيلية، تظهر تخطيطه لهجمات متزامنة تستهدف فلسطينيين داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة، بقصد قتل المئات ما يدفع آخرين إلى الرحيل القسري خوفاً.

ويعتقد خريشة أن الدلالة الأخطر هي تصور المجزرة أداة لإعادة تشكيل الواقع السكاني؛ فالقتل هنا، وسيلة لصناعة ذعر جماعي ينتزع الناس من بيوتهم، وهذا منطق تطهير عرقي، بتحويل وجود جماعة بشرية إلى مشكلة، ثم اقتراح التخلص منها بالإرهاب.

ويشير خريشة إلى أن صفة المتهم الأكاديمية تؤكد أن المعرفة المتخصصة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية؛ فقد يجتمع التفوق العلمي مع تصور عنصري يسلب الآخرين حقهم في الحياة.

وبحسب خريشى، تثير القضية سؤالاً عن المناخ الذي يسمح بتداول التهجير باعتباره حلاً تستدعي فحص العلاقة بين خطاب نزع الإنسانية والاستعداد لممارسة العنف.


حين يصبح المدني عدوًا لمجرد هويته


ويقول خريشة: "حين يصبح المدني عدوًا لمجرد هويته، تضيق المسافة بين التحريض والجريمة"، مشيراً إلى أنه لو نجح صاحب المخطط في تجنيد منفذين وانتقل إلى التنفيذ، لكان الاحتمال كارثة بشرية تتجاوز الضحايا المباشرين: نزوح تحت الرعب، وانهيار الشعور بالأمان، واحتمال اتساع العنف.

ويرى أن احتمال وجود خلايا أخرى غير مكتشفة، فهو سؤال مشروع للتحقيق، إذ إن المطلوب تتبع الاتصالات ومحاولات التجنيد ومصادر السلاح، والتحقق مما إذا كانت هناك مخططات مستقلة أو أشخاص أبدوا استعداداً للمشاركة، فغياب الدليل المنشور لا يثبت وجود تلك الخلايا، ولا يمنح ضمانة بأنها غير موجودة.


معيار الحماية الحقيقي منع التكرار والمحاسبة


ويؤكد خريشة أن كشف المخطط خطوة مهمة، لكن معيار الحماية الحقيقي منع تكراره ومحاسبة التحريض الذي يقود إلى العنف، وعلى الصحافة متابعة القضية بعد انحسار ضجيجها الأول: كيف امتدت التحضيرات كل هذه المدة؟ ومن عرف بمضمونها، وكيف تصرف؟ هذه أسئلة للمساءلة، لأن الفلسطينيين يحتاجون لحماية فعلية تسبق الجريمة، لأن النجاة هذه المرة لا تضمن النجاة في مرات مقبلة.


الإرهاب اليهودي هل بات ظاهرة موجودة؟


يؤكد الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن كشف خلية إسرائيلية للتخطيط لتنفيذ مجازر في الضفة الغربية والداخل، بقيادة محاضر رياضيات في جامعة بار إيلان، يدل على أن الإرهاب ليس ظاهرة مرتبطة فقط بفتية التلال أو ببعض اليهود المتطرفين، وإنما ظاهرة موجودة بشكل أفقي وعمودي في المجتمع الإسرائيلي.

ويوضح أن خطورة القضية تتضح من حجم الخلية، التي تمكنت من تجنيد نحو 72 شخصاً وتشكيل 12 خلية، بهدف تنفيذ عمليات قتل بالمئات، معتبراً أن وجود محاضر جامعي في قيادة هذا المخطط يؤكد أن التطرف لا يرتبط بفئة عمرية أو مستوى تعليمي أو بمكان محدد.


تمييز بالتعامل مع القضايا المتعلقة بالفلسطينيين


ويشير دراغمة إلى أن القضية تكشف، في المقابل، تفاوتاً في تعامل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مع الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث أن هذه الأجهزة تتمكن من الوصول إلى "المعلومات الذهبية" عندما يتعلق الأمر بالمقاومة الفلسطينية أو بما تدعي أنه ضبط لخلايا، بينما يستطيع إسرائيليون العمل بسهولة أكبر لأنهم خارج دائرة الاتهام بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية.

ويوضح أن الخلية التي كُشف عنها قد لا تكون حالة منفردة، وأن وجودها في جامعة بار إيلان يفتح احتمال وجود خلايا أو أفراد آخرين على شاكلتها في جامعات إسرائيلية ومؤسسات تعليمية أخرى.

ويربط دراغمة ذلك بوجود بنية تحتية للتحريض ضد كل ما هو غير يهودي في إسرائيل، تشمل قطاعات التعليم والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التحريض الصادر عن المستوى السياسي الإسرائيلي، معتبراً أن تراكم هذا الخطاب يقود إلى ظهور خلايا منظمة لا تقتصر على فئة "فتية التلال".

ويعتقد دراغمة أن تنفيذ الخلية لمخططاتها، لو لم تُكتشف، كان سيؤدي إلى قتل مئات الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية.


الخطورة بطبيعة المخطط وخلفيته وأهدافه


يرى الباحث السياسي والأكاديمي د.أسامة عبد الله أن خطورة قضية محاضر الرياضيات في جامعة بار إيلان، المتهم بالتخطيط لتنفيذ هجمات واسعة ضد الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية بما فيها القدس، لا تكمن فقط في كشف شخص يحمل أفكاراً متطرفة، وإنما في طبيعة المخطط وخلفيته وأهدافه، ولا سيما ما ورد في لائحة الاتهام الإسرائيلية بشأن إعداد مخطط استمر نحو ثلاث سنوات، واستهدف قتل مئات الفلسطينيين ودفع أعداد كبيرة منهم إلى مغادرة مناطقهم.

ويوضح أن لائحة الاتهام تتحدث عن استهداف فلسطينيي الداخل والقدس والضفة الغربية، وعن محاولة بناء شبكة من المنفذين والاستعانة بعناصر من المؤسسة العسكرية، إلى جانب تشكيل خلايا متعددة لتنفيذ هجمات متزامنة.


انتقال مقلق إلى التفكير بالعنف المنظم


ويرى عبد الله أن هذه المعطيات، إذا صحت، تكشف انتقالاً مقلقاً من العنف الفردي إلى التفكير في العنف المنظم، بحيث تتحول الأيديولوجيا من مجرد اعتقاد متطرف إلى مشروع له قيادة ومنفذون وأهداف وآليات وتوقيتات.

ويشير عبد الله إلى أن القضية تكشف أن فكرة التهجير قد لا تبقى محصورة في الخطاب السياسي العلني، بل يمكن أن تتحول لدى بعض المتطرفين إلى تصور عملي لاستخدام العنف لتحقيقها.

ويلفت عبد الله إلى أن ما أوردته النيابة الإسرائيلية، كان الهدف النهائي للمخطط دفع أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم، ما يعني أن القتل لم يكن هدفاً منفصلاً، وإنما وسيلة لإحداث حالة من الرعب تقود إلى النزوح والتهجير.



فتح ملف "الإرهاب اليهودي" مجدداً


ويرى عبد الله أن القضية تعيد أيضاً فتح ملف ما يسمى في إسرائيل "الإرهاب اليهودي"، ومدى التعامل الأمني والقضائي معه، مشيراً إلى تقارير إسرائيلية أفادت بأن جهاز الشاباك لم يتولَّ التحقيق في القضية في بدايتها.

ويشير عبد الله إلى أن تأكيد هذه التفاصيل عبر التحقيقات والإجراءات القضائية يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت تهديدات العنف التي تستهدف الفلسطينيين تُعامل بالجدية الأمنية نفسها التي تُعامل بها تهديدات أخرى، مشدداً على ضرورة أن يستند النقاش إلى الوقائع والأدلة لا إلى التعميم.


الفلسطينيون هدف مشروع أينما وجدوا


ويلفت عبد الله إلى أن لائحة الاتهام، وفق المصادر الإسرائيلية، تضع فلسطينيي الداخل والقدس والضفة ضمن فضاء استهداف واحد، بما يعكس، إذا ثبتت الاتهامات، تصوراً يتعامل مع الفلسطينيين أينما وجدوا باعتبارهم هدفاً في مشروع عنيف واحد.


الخطر لا يقاس بعدد أفراد الخلية


وحول احتمال وجود خلايا أخرى، يوضح عبد الله أنه لا توجد حالياً أدلة تثبت ذلك، ولا يمكن في الوقت نفسه استبعاده، مشيراً إلى أن حجم المخطط المزعوم يجعل الأمر يستحق تحقيقاً أمنياً جدياً.

ويشير عبد الله إلى أن أن عدم اكتشاف الخلية في الوقت المناسب كان يمكن أن يسمح بانتقالها من التجنيد والإعداد إلى التنفيذ، بما قد يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وإثارة موجة خوف وتهجير، وربما تصعيد واسع داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل وموجة عنف متبادلة.

ويشدد عبد الله على أن الخطر لا يقاس بعدد أفراد الخلية، بل بقدرة هجوم منظم على إنتاج تداعيات أمنية وسياسية ومجتمعية واسعة. ويشير عبد الله إلى أن إسرائيل مطالبة بمراجعة شبكات التطرف العنيف، والتأكد من وجود مؤشرات سابقة لم تُلتقط، وما إذا كانت هناك شبكات أخرى تعمل بالمنطق نفسه، محذراً من التعامل مع القضية كحالة فردية قبل اكتمال التحقيقات، لأن السؤال سيبقى قائماً: هل كُشف المخطط كله، أم كُشف فقط الجزء الذي تمكنت الأجهزة من الوصول إليه؟


القضية الأخطر خلال العقود الثلاثة الأخيرة


يرى الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن قضية أستاذ الرياضيات في جامعة بار إيلان المتهم بالتخطيط لارتكاب هجمات واسعة ضد الفلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية المحتلة، تعد الأخطر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لما تكشفه من تخطيط منظم لتنفيذ جرائم جماعية داخل إسرائيل والضفة.


جامعة احتضنت قاتل رابين


ويوضح عباس أن خطورة القضية تتصل أيضاً بمكانة الجامعة التي ينتمي إليها الأستاذ، مشيراً إلى أن بار إيلان تُعرف باحتضانها تيارات اليمين الإسرائيلي والصهيونية الدينية، كما أنها الجامعة التي تخرج منها يغئال عمير، قاتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين.

ويلفت عباس إلى أن كشف المخطط جاء بعد تواصل الأستاذ الجامعي مع عضو الكنيست السابق موشيه فيغلين، وإطلاعه على خطته، ومحاولته الحصول على مساعدته في إعداد الكوادر وتأمين السلاح لتنفيذها.


ثلاث سنوات من التخطيط


وبحسب عباس، فإن الأستاذ خطط على مدى ثلاث سنوات على الأقل لتجنيد 72 يهودياً مسلحاً، والحصول على الأسلحة والذخيرة، بل وسعى إلى تجنيد جنود في الجيش الإسرائيلي، بهدف تنفيذ هجمات في المدن المختلطة والبلدات العربية داخل إسرائيل، وصولاً إلى تهجير الفلسطينيين منها، فيما يعتبر عباس أن التهجير كان عنواناً أساسياً للمخطط الذي كان يسعى إلى تنفيذه.


رفض الشاباك التحقيق


ويشير عباس إلى أن القضية تثير تساؤلات إضافية بشأن دور جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك"، إذ إن الجهاز رفض التحقيق مع الأستاذ، رغم أن منع مثل هذه المخططات يدخل في صلب مهماته.

ويتساءل عباس عن أسباب عدم التحقيق معه، خصوصاً أن القضية تتعلق، بحسب ما ظهر من التحقيقات، بمخطط واسع لاستهداف المواطنين العرب.

ويلفت إلى أن المحكمة منعت نشر اسم الأستاذ أو صوره، فيما لم تتضح، حتى الآن، طبيعة أي مساعدات محتملة حصل عليها من الجيش أو أجهزة أمنية أو أشخاص مرتبطين بها.

ويرى عباس أن عدم تحقيق الشاباك معه يثير مخاوف من وجود معلومات لم تُكشف بعد، إذ يتطلب ذلك كشف كامل للمخطط ومعرفة ما إذا كان قد تلقى تعاوناً أو دعماً من جهات أخرى.


اتصالات مع شخصيات من اليمين


ويشير عباس إلى أن الأستاذ كان قد أجرى اتصالات مع شخصيات من اليمين الإسرائيلي وإعلاميين، وتحدث معهم عن خطته، من دون أن يبلغ بعضهم الشرطة أو الشاباك، معتبراً أن ذلك يطرح أسئلة خطيرة حول مدى معرفة دوائر سياسية وإعلامية بالمخطط.

ويؤكد عباس أن عدم اكتشاف الخلية كان يمكن أن يؤدي إلى وقوع "جرائم كثيرة لا يمكن تخيلها"، مشيراً إلى أن حجم الخطة واتصالات صاحبها يدفعان إلى التساؤل عما إذا كانت هناك جهات أو خلايا أخرى تخطط لجرائم مماثلة.

ويؤكد عباس أن ما جرى يتطلب إجراء تحقيق جدي، بما في ذلك داخل الشاباك، لمعرفة أسباب عدم التحقيق مع الأستاذ، والكشف عمن يقف وراء المخطط أو تعاون معه، وعدم الاكتفاء بما ظهر حتى الآن من تفاصيل القضية.


مشروع منظم للقتل الجماعي والتهجير


يؤكد الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال، أن كشف الخلية الإسرائيلية بقيادة أكاديمي في جامعة بار إيلان والمتهمة بالتخطيط لارتكاب مجازر بحق الفلسطينيين يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز مجرد ضبط خلية، موضحاً أن لائحة الاتهام، إذا ثبتت أمام القضاء، تتحدث عن مشروع منظم للقتل الجماعي والتهجير، وليس عن اعتداء فردي.

ويوضح نزال أن النيابة الإسرائيلية تتحدث عن مخطط ضم 72 مهاجماً موزعين على 12 خلية، لاستهداف بلدات عربية ومدن مختلطة، إضافة إلى فلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية، معتبراً أن الأهم في القضية هو الانتقال من المبادرات الفردية إلى التفكير الشبكي المنظم، إذ إن تشكيل 12 خلية تعمل بصورة متزامنة يشير إلى التخطيط لإحداث عملية واسعة ومتعددة البؤر، وليس تنفيذ هجوم منفرد.

ويشير نزال إلى أن الأخطر في المخطط، وفق لائحة الاتهام، أن الهدف لم يكن القتل فقط، بل دفع السكان إلى مغادرة مناطقهم، بما في ذلك باتجاه الأردن ولبنان وغزة، ما يجعل البعد السياسي للقضية، في حال ثبوت الاتهامات، يتجاوز العنف إلى محاولة إحداث تغيير ديموغرافي بالقوة.


مخطط لا يميز الموقع الجغرافي للفلسطينيين


ويلفت نزال إلى أن المخطط لم يميز بين فلسطينيي الداخل والقدس والضفة، إذ شملت الأهداف المعلنة، بحسب الاتهام، مواطنين عرباً داخل إسرائيل وبدوًا وأهالي القدس الشرقية وفلسطينيين في الضفة، ما يعني أن واضعي المخطط تعاملوا مع هذه الساحات باعتبارها مسرحاً واحداً للصراع.

ويؤكد نزال أن وجود أكاديمي في قلب التخطيط يدل على إمكانية تغلغل التطرف في شرائح مهنية وتعليمية مختلفة، مع التأكيد على عدم تعميم الاتهام على الوسط الأكاديمي الإسرائيلي، لكنه يكسر فكرة حصر التطرف العنيف في الهوامش الاجتماعية.


محاولة بناء جسور مع شخصيات سياسية وعسكرية


ويتوقف نزال عند ما وصفه بالأخطر سياسياً، والمتمثل بمحاولة بناء جسور مع شخصيات سياسية وداخل المؤسسة العسكرية، مشيراً إلى أن لائحة الاتهام تتحدث عن محاولة استقطاب شخصيات سياسية وتجنيد عناصر داخل الجيش وتوفير دعم عسكري، وهو ما يجعل القضية، إذا ثبت، مرتبطة بمحاولة الربط بين العنف الأهلي والتنظيم المسلح والسياسة وأجزاء من المؤسسة العسكرية.

وفي شأن احتمال وجود خلايا أخرى، يشدد نزال على عدم وجود دليل حالياً يثبت ذلك، فيما يطرح نزال ثلاثة سيناريوهات: أن تكون القضية مشروعاً متطرفاً خاصاً بشخص ومجموعة محدودة، خصوصاً مع الحديث عن فشل محاولة التجنيد كما أراد صاحبها؛ أو وجود أفراد ومجموعات صغيرة لم تُكتشف بعد؛ أو تحول فكرة الترحيل بالقوة إلى تصور تتبناه مجموعات بصورة مستقلة، وهو السيناريو الأخطر لأنه يعني وجود بيئة أيديولوجية قادرة على إنتاج خلايا متعددة بصورة لامركزية.

ويعتقد نزال أن جوهر القضية لا يتعلق فقط بما كان سيحدث لو لم تُكتشف الخلية، بل بما تكشفه هي نفسها عن العلاقة بين الأيديولوجيا والعنف والتهجير والجغرافيا الفلسطينية، وعن احتمال استخدام القتل الجماعي، وفق المخطط المزعوم، أداة لإعادة هندسة الجغرافيا والسكان.