نافي بيلاي تفوز بجائزة نوبل للسلام 2026: السيرة والمسيرة
أعلنت لجنة نوبل النرويجية، اليوم الجمعة، عن منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية الجنوب إفريقية البارزة نافي بيلاي. وجاء هذا التكريم الرفيع تقديراً لجهودها الاستثنائية التي امتدت لعقود في تعزيز السلام العالمي وترسيخ مبادئ القانون الدولي في مواجهة الانتهاكات الجسيمة.
وتعد بيلاي، البالغة من العمر 85 عاماً، واحدة من أكثر الشخصيات الحقوقية تأثيراً في العصر الحديث، حيث شغلت منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان سابقاً. وقد لفتت الأنظار دولياً برئاستها للجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، والتي قدمت تقارير مفصلة حول الوضع الإنساني هناك.
وكانت اللجنة التي ترأستها بيلاي قد أصدرت تقريراً تاريخياً في سبتمبر 2025، خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية في قطاع غزة. ورغم الرفض الإسرائيلي القاطع لهذه الاستنتاجات، إلا أن التقرير شكل وثيقة قانونية وحقوقية هامة في مسار المساءلة الدولية.
وأكدت لجنة نوبل أن مسيرة بيلاي المهنية تعكس نضالاً مستمراً ضد الظلم، بدأ من دفاعها عن الزعيم نيلسون مانديلا ورفاقه إبان نظام الفصل العنصري. وقد انتقلت من ساحات المحاماة الوطنية إلى منصات القضاء الدولي، حيث شاركت في الفصل في أعقد القضايا الجنائية العالمية.
ومن المقرر أن تتسلم بيلاي الجائزة، التي تبلغ قيمتها المادية 12 مليون كرونة سويدية، خلال حفل رسمي يقام في العاصمة النرويجية أوسلو في العاشر من ديسمبر المقبل. ويتزامن هذا التاريخ مع ذكرى وفاة ألفريد نوبل، مؤسس الجوائز العالمية التي انطلقت وصيتها في عام 1895.
ولدت نافانيثيم بيلاي في عام 1941 بجنوب إفريقيا، حيث ترعرعت في بيئة قاسية فرضها نظام 'الأبارتهايد' العنصري. هذا النظام الذي ميز ضد المواطنين على أساس العرق، كان المحرك الأساسي لتوجهها نحو دراسة القانون والدفاع عن المظلومين والمهمشين.
وفي عام 1967، حققت بيلاي إنجازاً تاريخياً بكونها أول امرأة سوداء تفتتح مكتباً للمحاماة في إقليم ناتال بجنوب إفريقيا. وكرست مكتبها للدفاع عن المعارضين السياسيين لنظام الفصل العنصري، مسلطة الضوء على قضايا التعذيب والانتهاكات الممنهجة داخل السجون.
وفي ذات العام، تم انتخابها قاضية في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، التي تأسست للنظر في فظائع الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994. وتولت رئاسة هذه المحكمة بين عامي 1999 و2003، حيث ساهمت في صياغة أحكام قضائية تاريخية تتعلق بجرائم الحرب.
استمر طموح بيلاي القانوني ليصل إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي عام 2003، حيث عملت قاضية في دائرة الاستئناف حتى عام 2012. وخلال هذه الفترة، شاركت في تطوير الاجتهادات القانونية الدولية المتعلقة بالمسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم ضد الإنسانية.
وفي محطة أممية بارزة، بدأت بيلاي مهامها كمفوضة سامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في سبتمبر 2008 بناءً على قرار الجمعية العامة. واستمرت في هذا المنصب الرفيع حتى عام 2014، حيث كانت صوتاً قوياً يطالب بمساءلة القادة والمسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.
وقد حظي أداؤها بإشادة واسعة من الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون، الذي وصفها بأنها جعلت حقوق الإنسان في صلب عمل المنظمة. وأكدت مصادر أممية أن ولايتها تميزت بالشجاعة في طرح القضايا الشائكة والدفاع عن سيادة القانون الإنساني في مناطق النزاع.
ويبرز الملف الفلسطيني كأحد أهم المحطات في مسيرتها الأخيرة، حيث عُينت في يوليو 2021 لرئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن فلسطين وإسرائيل. وعملت اللجنة تحت قيادتها على جمع الأدلة والشهادات التي توثق انتهاكات القانون الدولي في الأراضي المحتلة والقدس الشرقية.
يأتي فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل في وقت حساس يواجه فيه النظام الدولي تحديات كبرى تتعلق بالعدالة والمساءلة. ويعد هذا التكريم رسالة دعم قوية للمؤسسات الحقوقية التي تسعى لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الدولية من العقاب، مهما بلغت نفوذهم.